موقع الصراط ... الموضوع : من أنوار سيرة أميرالمؤمنين-9
 
الإثنين - 29 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  من أنوار سيرة أميرالمؤمنين-9  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 21 / رمضان / 1433 هـ
     
  الكاتب: الشيخ جميل الربيعي
المرحلة الرابعة : من البيعة إلى الشهادة:
لقد كانت هذه المرحلة من أشد المراحل حساسية, وشدة, وحراجة في حياته (ع) وقد أوضح خطورة هذا الأمر للذين طالبوه بالبيعة بعد مقتل عثمان قائلاً : (دعوني, والتمسوا غيري فإنا مستقبلون أمرا له وجوه وألوان. لا تقوم له القلوب, ولا تثبت عليه العقول, وإن الآفاق قد أغامت والمحجة قد تنكرت) فبعد تفاقم الأمر من فساد ولاة عثمان في جميع الولايات حتى ضج الناس من ظلمهم, وخرجوا من مصر ومن البصرة, ومن مناطق أخرى, وطالبوا برفع الحيف والظلم, وبعد أخذ ورد ومفاوضات بين الخليفة الثالث, وبين الثائرين, وتوسط الإمام علي (ع) وقدم النصائح لعثمان, وتجاوب عثمان معه, ثم نُقض ما أبرم من قبل حاشيته ومستشاريه ووزارئه وولاته المحيطين به كمعاوية بن أبي سفيان, ومروان, وعبد الله بن سعد بن أبي سرح, وسعيد بن العاص, وعمرو بن العاص, وعبد الله بن عامر، وغيرهم اللذين اجتمعوا بأمر من عنده، وقال لهم: (إن لكل امرئ وزراء ونصحاء, وإنكم وزرائي ونصحائي , وأهل ثقتي, وقد صنع الناس ما قد رأيتم, وطلبوا إليَّ أن أعزل عمالي, وأن أرجع عن جميع ما يكرهون إلى ما يحبون فاجتهدوا رأيكم وأشيروا عليَّ) ولما كان كل أولئك من المنتفعين بخلافة عثمان, وهم رؤوس الفتنة, فراح كل منهم ينظر إلى مصلحته. فهم بين من يريد أن يحتفظ بولايته, وبين من يريد أن يشغل الناس عن الشكوى, ولا يبالي بما فيه عثمان, ومنهم من يريد أن يستبقِ ما في يده, ومنهم من يرد أن يساوم على مصالح يستفيدها؛ ولهذا نرى كلا منهم يطرح الرأي الذي يخدم مصالحه, (فقال له عبد الله بن عامر: رأيي لك يا أمير المؤمنين أن تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك, وأن تجمرهم في المغازي حتى يذلوا لك فلا تكون همة أحدهم إلا نفسه, وما هو فيه من دبر دابته وقمل فروته.
ثم أقبل عثمان على سعيد بن العاص, فقال له: ما رأيك؟ قال: يا أمير المؤمنين إن كنت ترى رأينا فاحسم عنك الداء, واقطع عنك الذي تخاف, واعمل برأيي تصيب, قال: وما هو؟ قال: إن لكل قوم قادة متى تهلك يتفرقوا, ولا يجتمع لهم أمر, فقال عثمان: إن هذا الرأي لولا ما فيه.
ثم أقبل على معاوية, فقال: ما رأيك؟ قال: أرى لك يا أمير المؤمنين إن ترد عمالك على الكفاية لما قبلهم, وأنا ضامن لك قبلي.
ثم أقبل على عبد الله بن سعد, فقال: ما رأيك؟ قال: أرى يا أمير المؤمنين إن الناس أهل طمع فأعطهم من هذا المال تعطف عليك قلوبهم.
ثم أقبل على عمرو بن العاص, فقال له: ما رأيك؟ قال: أرى إنك قد ركبت الناس بما يكرهون فاعتزم أن تعتدل فإن أبيت فاعتزم أن تعتزل فإن أبيت فاعتزم عزما وامض قدماً؟ فقال عثمان: مالك قَمَلَ فروك أهذا الجد منك فاسكت عنه دهرا حتى إذا تفرق القوم, قال عمرو: لا والله يا أمير المؤمنين لانت أعز عليَّ من ذلك, ولكن قد علمت أن سيبلغ الناس قول كل رجل منا فأردت أن يبلغهم قولي فيثقوا بي فأقود إليك خيرا أو أدفع عنك شرا)
تلك هي الآراء التي قدمت لعثمان, وكلها عامل مساعد على قيام الثورة ضده فلم يكن هؤلاء ينظرون من زاوية حفظ مملكة عثمان, أو حفظ دمه, وإنما كل منهم يريد أن يحتلب كل ما في الضرع لنفسه, ولا يهمه أمر عثمان, ولا أمر الدولة, ولا هم حريصون على تخليصه من انتقام الثوار, وإنما كانت آراؤهم تصب في مصالحهم الذاتية, ومن هنا تصاعد التوتر في الثائرين حتى هجموا على بيت عثمان وقتلوه, وبقي الناس بلا رئيس ولا قائد, حينئذ هرع الناس إلى الإمام علي (ع) يطالبونه بتولي الأمر, وقالوا له: (إن هذا الرجل قد قُتل, ولابد للناس من إمام, ولا نجد اليوم أحدا أحق بهذا الأمر منك لا أقدم سابقة, ولا أقرب من رسول الله (ص), فقال: لا تفعلوا فإني أكون وزيرا خير من أن أكون أميرا. فقالوا: لا والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك, قال: ففي المسجد, فان بيعتي لا تكون خفيا, ولا تكون إلا عن رضا المسلمين)
وفي تذكرة الخواص أنه (ع) قال: (إن كان ولابد ففي المسجد؛ لأن بيعتي لا تكون إلا عن رضا المسلمين, فدخل المسجد, فبايعه المهاجرون والأنصار, ثم بايعه الناس)
وفي رواية أخرى أنه (ع) قال: (دعوني والتمسوا غيري, فإنا مستقبلون أمرا له وجوه وألوان, لا تقوم له القلوب, ولا تثبت عليه العقول. وإن الآفاق قد أغامت والمحجة قد تنكرت. واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ولم أصغ إلى قول القائل, وعتب العاتب, وإن تركتموني فأنا كأحدكم, و لعلي أسمعكم, وأطوعكم لمن وليتموه أمركم, وأنا لكم وزيرا, خير لكم مني أميرا!)
وفي تأريخ الطبري عن أبي بشير العابدي قال: (كنت بالمدينة حين قتل عثمان رضي الله عنه واجتمع المهاجرون والأنصار فيهم طلحة والزبير فأتوا عليا, فقالوا: يا أبا الحسن هلم نبايعك؟ فقال: لا حاجة لي في أمركم أنا معكم فمن اخترتم فقد رضيت به فاختاروا, فقالوا: والله ما نختار غيرك. قال: فاختلفوا إليه بعد ما قتل عثمان رضي الله عنه مرارا, ثم أتوه في آخر ذلك. فقالوا له: إنه لا يصلح الناس إلا بإمرة, وقد طال الأمر, فقال لهم: إنكم قد اختلفتم إليَّ وأتيتم وإني قائل لكم قولا إن قبلتموه قبلت أمركم, وإلا فلا حاجة لي فيه, قالوا: ما قلت من شيء قبلناه إن شاء الله, فجاء فصعد المنبر فاجتمع الناس إليه, فقال: إني قد كنت كارها لأمركم, فأبيتم إلا أن أكون عليكم, إلا وأنه ليس لي أمر دونكم, إلا أن مفاتيح مالكم معي, ألا وإنه ليس لي أن آخذ منه درهما دونكم, أرضيتم؟ قالوا: نعم, قال: اللهم اشهد عليهم ثم بايعهم على ذلك)
وهكذا بعد مفاوضات ومراجعات مع المهاجرين والأنصار, بويع علي (ع) يوم السبت لثمان عشر من ذي الحجة, وقيل لثلاث عشر, وقيل يوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجة سنة 35 هجرية. واتفق على بيعته المهاجرون والأنصار, يقال: (أن أول من بايعه طلحة بيده اليمنى وكانت شلاء من يوم أُحُد- لما وقى بها رسول الله (ص) - فقال بعض القوم: والله إن هذا الأمر لا يتم)
وقال اليعقوبي: (وبايع الناس إلا ثلاثة نفر من قريش: مروان بن الحكم، وسعيد بن العاص والوليد بن عقبة، وكان لسان القوم، فقال: يا هذا إنك قد وترتنا جميعا، أما أنا فقتلتَ أبي صبرا يوم بدر، وأما سعيد فقتلت أباه يوم بدر، وكان أبوه من نور قريش، وأما مروان فشتمت أباه, وعبت على عثمان حين ضمه إليه... على ذلك بنو عبد مناف، فتبايعنا على أن تضع عنا ما أصبنا, وتعفي لنا عما في أيدينا، وتقتل قتلة صاحبنا. فغضب علي (ع), وقال: أما ما ذكرت من وتري إياكم، فالحق وتركم، وأما وضعي عنكم ما أصبتم، فليس لي أن أضع حق الله تعالى، وأما إعفائي عما في أيديكم فما كان لله وللمسلمين فالعدل يسعكم، وأما قتلي قتلة عثمان، فلو لزمني قتلهم اليوم لزمني قتالهم غدا، ولكن لكم أن أحملكم على كتاب الله وسنة نبيه، فمن ضاق عليه الحق، فالباطل عليه أضيق، وإن شئتم فالحقوا بملاحقكم. فقال مروان: بل نبايعك، ونقيم معك، فترى ونرى)
وإنما رفض (ع) قبول البيعة؛ ليثبت الحجة عليهم, ويلزمهم بما ألزموا به أنفسهم, ويثبت الحق عليهم, ويشهد الله والناس بأنهم بايعوه طاعة ليس فيها شيء من الإكراه, ولهذا عندما جيء إليه بسعد بن أبي وقاص, وأراد مالك الأشتر أن يجبره على البيعة, نهاه أمير المؤمنين (ع)، وانقسم الناس في بيعة أمير المؤمنين (ع) إلى عدة أقسام:
منهم من بايعه فرحاً مسروراً برجوع الحق إلى أهله, أملاً منهم بعودة العدل والقسط على يده للمجتمع الإسلامي, وكان على هذا معظم الأنصار وخُلص المهاجرين, وقد خطب بعض هؤلاء, وبينوا مقام أمير المؤمنين (ع), وكان أول من تكلم ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري رضي الله عنه قائلاً: (والله, يا أمير المؤمنين، لئن كانوا تقدموك في الولاية فما تقدموك في الدين، ولئن كانوا سبقوك أمس فقد لحقتهم اليوم، ولقد كانوا وكنت لا يخفى موضعك، ولا يجهل مكانك يحتاجون إليك فيما لا يعلمون، وما احتجت إلى أحد مع علمك.
ثم قام خزيمة بن ثابت الأنصاري، وهو ذو الشهادتين، فقال: يا أمير المؤمنين! ما أصبنا لأمرنا هذا غيرك، ولا كان المنقلب إلا إليك، ولئن صدقنا أنفسنا فيك، فلانت أقدم الناس إيمانا, وأعلم الناس بالله، وأولى المؤمنين برسول الله، لك ما لهم، وليس لهم ما لك.
وقام صعصعة بن صوحان فقال: واله، يا أمير المؤمنين، لقد زَينّت الخلافة, وما زانتك, ورفعتها, وما رفعتك، ولهي إليك أحوج منك إليها.
ثم قام مالك بن الحارث الأشتر, فقال: أيها الناس، هذا وصي الأوصياء، ووارث علم الأنبياء، العظيم البلاء، الحسن الغناء، الذي شهد له كتاب الله بالإيمان، ورسوله بجنة الرضوان. من كملت فيه الفضائل، ولم يشك في سابقته وعلمه وفضله الأواخر، ولا الأوائل.
ثم قام عقبة بن عمرو فقال: من له يوم كيوم العقبة, وبيعة كبيعة الرضوان، والأمام الأهدى الذي لا يخاف جوره، والعالم الذي لا يخاف جهله)
ومنهم من امتنع عن البيعة كعبد الله بن عمر, وسعد بن أبي وقاص, وزيد بن ثابت.
ومنهم من بايع طمعاً وهو يضمر النكث كطلحة والزبير, كما سيتبين ذلك خلال البحث. قال ابن كثير: (يقال: إن طلحة والزبير إنما بايعاه بعد أن طلبهما وسألاه أن يُؤَمرْهما على البصرة والكوفة، فقال لهما: بل تكونا عندي أستأنس بكما)
ومنهم من هرب إلى الشام؛ ليتخلص من بيعته, ويثير الفتن, كمروان بن الحكم, والنعمان بن بشير الذي خرج, ومعه قميص عثمان مضمخاً بالدم, وأصابع نائلة زوجته.
ومنهم من راح يثير الفتن كعائشة التي كانت في مكة, و(خرجت قبل أن يقتل عثمان، فلما قضت حجها انصرفت راجعة، فلما صارت في بعض الطريق لقيها ابن أم كلاب، فقالت له: ما فعل عثمان؟ قال: قُتل! قالت: بعداً وسحقاً! قالت: فمن بايع الناس؟ قال: طلحة. قالت: أيه ذو الإصبع. ثم لقيها آخر، فقالت: ما فعل الناس؟ قال: بايعوا عليا. قالت: والله ما كنت أبالي أن تقع هذه على هذه، ثم رجعت إلى مكة)
يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com