موقع الصراط ... الموضوع : الشيعة والعدل
 
الإثنين - 29 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الشيعة والعدل  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 26 / رمضان / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جعفر السبحاني
fadllolah اتّفق المسلمون على أنّه سبحانه عادل لا يجور، غير إنّ الشيعة اعتمدت في حكمها هذا على البرهان العقلي كما سيوافيك بيانه، واعتمدت السنّةُ في وصفه بالعدل على السمع، حيث يصفه القرآن الكريم بكونه قائماً بالقسط، قال سبحانه: (شَهِدَ اللّهُ أنَّهُ لا إلهَ إلأ هُوَ والمَلائِكَةُ وأُولُوا العِلْمِ قائِماً بِالقِسْطِ)[سورة آل عمران: الآية 18].
والاختلاف في مصدر عدله نابع عن الاختلاف في مسألة أُخرى وهي مسألة التحسين والتقبيح العقليين أو الشرعيين، فذهبت الشيعة الاِمامية إلى أنّ العقل قادر على أن يدرك حسنَ الأفعال وقبحها، ويستقلَّ بالبعث إلى الفعل الحسن، والزجرِ عن الفعل القبيح، كالعدل والظلم فكل إنسان إذا جرّد نفسه عن كل شيء يرى في صميم ذاته حسنَ الأول وقبحَ الثاني، ومثله مجازاة الإحسان بالإحسان أو بالسوء، والعمل بالميثاق ونقضه فيستقلّ بحسن الأوليين وقبح الأخيرين ولأجله قالوا بأنّ التحسين والتقبيح عقليان لا شرعيان. ولو حكم الشارع بحسن شيء أو قبحه فقد حكم العقل به قبله، لأنّه رسول باطني، وحكم الشرع مؤكّد لحكم العقل وليس حكماً تأسيسياً.
هذا هو موقف الشيعة في مسألة التحسين والتقبيح العقليين وعلى ذلك بنت أُصولاً كلامية لا تقبل النقاش، وإليك تلك الأصول:
1ـ لا جبر ولا تفويض:
طرحت مسألة الجبر والتفويض في أواسط القرن الأوّل بين المسلمين فصاروا إلى أقوال وأوجدت فجوة سحيقة بين المسلمين ولم تزل آثارها إلى يومنا هذا.
فمن قائل بالجبر وانّه سبحانه هو الخالق لفعل الإنسان والموجد له وليس للإنسان أيّ دور في أفعاله وأعماله، وإنّما هو ظرف لظهور إرادته سبحانه في أعماله وأفعاله.
وإنّما ذهب القائل إلى هذا القول لأجل أنّه فسّر التوحيد بالخالقية بالمعنى الباطل وزعم أنّ معناه سلب الأثر عن العلل والعوامل الطبيعية، وعند ذاك يتجلّى الإنسان في مجال الأفعال كالظرف ليس له دور ولا تأثير في أفعاله وأعماله.
ولا شك أنّ تفسير التوحيد بالخالقية بهذا المعنى باطل، لما عرفت من تصريح الذكر الحكيم بدور العلل الطبيعية في نمو الأزهار والأشجار ـ مضافاً إلى أنّ القول بالجبر ينافي عدله سبحانه ـ فكيف يكون هو الخالق لعمل الإنسان ولا يكون له دور فيه، لكن هو المسؤول عن العمل؟!
إنّ للقول بالجبر سبباً آخر وهو تفسير القضاء والقدر ـ الذي لا غبار في صحتهما ـ بالمعنى السالب للاختيار عن الإنسان، وسيوافيك أنّ القضاء والقدر حقّ ولكنّهما لا يسلبان الاختيار عن الإنسان.
فهذا وذاك صارا سببين لنشوء القول بالجبر بين كثير من المسلمين حيث صيّرهم مكتوفي الأيدي أمام الحوادث والطوارئ.
فكما أنّ الجبر يخالف عدله سبحانه فكذلك التفويض ينافي توحيده، لأنّ معنى القول بالتفويض كون الإنسان مستقلاً في فعله وعمله عن اللّه سبحانه، وبذلك يصبح العمل إلهاً ثانياً لاستغنائه عن اللّه، مضافاً إلى أنّه كيف يمكن الجمع بين فقر الإنسان في ذاته، وغناه في فعله عنه مع أنّ الفعل أثر الذات، والفعل متوقّف على ذات الفاعل وهو الواجب مفيض الوجود، فيكون الفعل ـ بالتالي ـ متوقفاً على الواجب؟
والصحيح أنّه لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين، ومعناه أنّ الإنسان في فعله يعتمد على قدرته سبحانه ومواهبه فبذلك يكون للواجب دور في عمله، وبما أنّه إنسان موجود مختار في أعمال القدرة والسلطنة في أيّ جانب من جوانب حياته، يكون هو المسؤول عن عمله لا غيره فالعمل نتاج المواهب الإلهية وإعمال السلطنة من ناحية العبد. ولتقريب ذلك المعنى أمثلة كثيرة مسطورة في الكتب الكلامية.
2ـ التكليف بما لا يُطاق أمر غير جائز:
إذا قلنا بأنّه سبحانه عادل لا يجور فلا يصحّ على الحكيم تكليف العبد فوق قدرته، وقولنا إنّه لا يصحّ للّه سبحانه ذلك النوع من التكليف لا يعني تحكيم فكرتنا وإرادتنا على اللّه سبحانه بل معناه إنّا نستكشف من التدبر في صفاته سبحانه وهو كونه حكيماً لا يعبث، وعادلاً لا يجور، إنّه لا يكلّف إنساناً إلاّ بما في وسعه وقدرته، قال سبحانه: (لا يُكلِّفُ اللّهُ نَفْساً إلاّ وُسْعَها)[سورة البقرة: الآية 286].
3ـ أفعاله سبحانه معلّلة بالأغراض:
اتفقت الشيعة ـ بما أنّه سبحانه حكيم لا يعبث ـ على أنّ أفعاله معلّلة بالأغراض، ومعنى ذلك أنّ فعله لا ينفكّ عن الغرض، وليس الغرض غرضاً للفاعل وإنّما هو غرض لنفس الفعل، وكم فرق بين كون الغرض عائداً إلى الفاعل، وبين كون الفعل غير خال عن الغرض، ومقتضى الحكمة هو الثاني، أي عدم خلو فعله عن الغرض، ومقتضى غناه وكماله المطلق عدم عود الغرض إلى الفاعل.
وأظنّ أنّ النزاع بين الشيعة وأهل السنّة لفظيّ، فإنّ أهل السنّة ينفون أن يكون له سبحانه غرض في فعله يستكمل به ذاته والشيعة أيضاً يوافقونهم على ذلك ويقولون بأنّه سبحانه هو فوق الكمال ومن هو بهذه المكانة أسمى من أن يطلب غرضاً يستكمل به.
ولكنّ الشيعة تعتقد أنّ الغرض لا ينحصر بالغرض العائد إلى الفاعل بل هناك قسم آخر يخرج به الفعل عن العبثية ويضفي عليه وصف الحكمة ويكون غرضه سبحانه عائداً إلى المكلّفين، وهذا ما يتراءى من الذكر الحكيم في موارد مختلفة ويقول: (سَخَّرَ لَكُمْ ما في السَّمواتِ وما في الأرض)[سورة لقمان: الآية 20].
فإنّ خلق السماوات والأرض لم يكن عبثاً، قال سبحانه: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقناكُمْ عَبَثاً وأنَّكُمْ إلَينا لا تُرجَعُونَ)[سورة المؤمنون: الآية 115].
وقال سبحانه: (وما خَلَقْنا السَّمواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ)[سورة الدخان: الآية 38].
4ـ القضاء والقدر لا يسلبان الاختيار:
إنّ القضاء والقدر من المفاهيم الإسلامية الواردة في الكتاب والسنّة، قال سبحانه: (ما أصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ في الأرضِ ولا في أنْفُسِكُمْ إلاّ في كِتابٍ مِنْ قَبلِ أن نَبْـرأَها إنّ ذلكَ على اللّهِ يَسيرٌ)[سورة الحديد: الآية 22].
وفي السنّة النبوية وأحاديث العترة الطاهرة تصريحات بالقضاء والقدر، وهذا ممّا اتّفق عليه المسلمون وإنّما الكلام في تفسيرهما.
إنّ اليهود ممّن غالت في التقدير حتى جعلته إلهاً ثانياً إلى حدٍّ ليس للّه سبحانه تغيير قضائه وقدره، يقول سبحانه حاكياً عنهم: (وقالَتِ اليَهودُ يَدُ اللّهِ مَغلولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيفَ يَشاءُ ...)[سورة المائدة: الآية 64].
فَمن أراد تفسير القضاء والقدر على نحو يسلبان الاختيار عن الإنسان فقد وقع في متاهات الجبر فالإيمان بالقضاء والقدر يجب أن يكون بنحوٍ لا يسلب عن الإنسان اختياره قال سبحانه: (وقُلِ الحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُوَْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)[سورة الكهف: الآية 29]. وقال سبحانه: (إنّا هَدَيناهُ السَّبيلَ إمّا شاكِراً وإمّا كَفُوراً)[سورة الإنسان: الآية 3].
إنّ تقديره وقضاءه سبحانه يختلف حسب اختلاف الفاعل، فلو كان الفاعل فاعلاً موجَباً كالنار بالنسبة إلى الحرارة، وسقوط الحجر على الأرض فقد قدَّر وقضى بصدور الفعل عن الفاعل عن جبر واضطرار، وأمّا إذا كان الفاعل فاعلاً مختاراً ومسؤولاً أمام اللّه فقد قدَّر وقضى على صدور فعله منه عن إرادة واختيار.
فالتقدير والقضاء عند الشيعة يخالفان الجبر ويؤيدان الاختيار قال سبحانه: (ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أو تَركْتُموها قائِمةً على أُصُولِها فَبإِذنِ اللّهِ وَلِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ)[سورة الحشر: الآية 5].
5 ـ تعذيب البريء مخالف لعدله:
اتّفقت الشيعة على أنّه لا يجوز سبحانه أن يعذّب أطفال الكفّار يوم القيامة، وذلك أنّ تعذيبهم بغير جرم اقترفوه مخالف لعدله وحكمته.
وقد أشرنا أنّ قولنا (لا يجوز) أو (يجوز) لا يعني تحكيم إرادتنا وفكرتنا على اللّه سبحانه حتى يكون الواجب محكوماً بحكم البشر فإنّ ذلك باطل لا مرية فيه، ولكن المراد هو استكشاف حال الواجب من خلال أوصافه من كونه حكيماً عادلاً فنستكشف من هذين الوصفين أنّه لا يعذّب طفلاً بريئاً سواء أكان طفلاً لمسلم أم لكافر.
6ـ وجوب المعرفة:
اتّفقت الشيعة على لزوم معرفة اللّه سبحانه لزوماً عقلياً بمعنى أنّ العقل يحكم بحسن المعرفة وقبح تركها، لما في المعرفة من أداء شكر المنعم وهو حسن، وفي تركها احتمال الوقوع في الضرر وهو قبيح.
نعم غير الشيعة لم تلتزم بلزوم معرفة اللّه إلاّ سمعاً ونقلاً، ولكن لم يتبيّن لنا كنه مرادهم فإنّ المفروض أنّ الشريعة بعد لم تثبت فكيف يثبت وجوب المعرفة بحكم الشريعة؟
7ـ لزوم تكليف العباد:
إذا كان فعله سبحانه منزّهاً عن العبث يستقل العقل بالحكم بلزوم إيصال كلّ مكلّف إلى الغاية التي خلق لها، وذلك يتحقق في مورد الإنسان بالتكليف.
8 ـ لزوم بعث الأنبياء:
إذا كان الإنسان لم يُخلق سُدى بل خلق لغاية، والغاية ممّا لا يدركها البشر بعقله العادي، ففي ذمّته سبحانه إرسال الرسل لهداية الناس إلى الغايات المنشودة وإلاّ يلزم أن يكون خلق الإنسان سُدى وعبث.
9ـ قاعدة اللطف:
إنّ قاعدة اللطف لها دور في الكلام الشيعي وتترتّب عليها قواعد وأحكام، وحاصلها أنّه إذا كان الغرض المترتب على التكليف لا يحصل إلاّ بفعل يقرّب العبد من الطاعة ويبعّده عن المعصية، كان على اللّه سبحانه القيام بذلك.
وبعبارة أُخرى كل ما هو دخيل في تحقق الرغبة إلى الطاعة والابتعاد عن التمرد والمعصية في نفوس الأكثرية الساحقة من البشر يجب على اللّه سبحانه القيام به صوناً للتكليف عن اللغو يقول سبحانه: (وبَلَوناهُمْ بالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ لَعلَّهُمْ يَرجِعُونَ)[سورة الأعراف: الآية 168]. وقال تعالى: (وما أرْسَلْنا في قَريَةٍ مِنْ نَبيٍّ إلاّ أخَذْنا أهلَها بالبأْساءِ والضَّرَّاءِ لَعلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ)[سورة الأعراف: الآية 94].
فإنّ تعليل ابتلاء الناس بالسراء والضراء لرجاء رجوعهم للطاعة دليل على أنّ كل ما يكون سبباً للجوء الناس للطاعة كان عليه سبحانه أن يقوم به لأنّه مقتضى حكمته. والعقل يستقلّ بحسن ذلك.
10ـ لزوم النظر في برهان مدّعي النبوّة:
يجب النظر في برهان المدعي إذا ادّعى مسألة تمتّ إلى الدين بصلة على وجه يعاقب الإنسان لو لم يعتقد بها أو اعتقد بالخلاف.
إنّ للتحسين والتقبيح العقليين دوراً عظيماً في المسائل الكلامية اقتصرنا على هذه النتائج القليلة ومن أراد التفصيل فعليه مراجعة الكتب الكلامية المطوّلة(1).
خاتمة المطاف:
وفي خاتمة هذا الفصل أود أن أطرح مسألتين لهما دويّ في الأوساط العلمية، والمسألتان هما عبارة عن القول بالبداء والتقية، فقد وقعا غرضاً للنبال وأخذ المخالف يعترض على الشيعة بالقول بهما غافلاً عن أنّ النزاع بين الطائفتين نزاع لفظي ولو وقف المخالف على الحقيقة، لتجاوب معها وإليك البيان:
البداء عند الشيعة:
البداء في اللّغة هو الظهور بعد الخفاء، قال سبحانه: (وبَدا لَهُمْ مِنَ اللّهِ ما لَمْ يَكُونوا يَحْتَسِبونَ * وبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَستَهْزِءُونَ)[سورة الزمر: الآية 47 ـ 48].
والبداء بهذا المعنى، لا يطلق على اللّه تعالى بتاتاً، لاستلزامه حدوث علمه بعد جهله بالشيء، تعالى عمّـا يقول الظالمون.
وهذا هو الذي ينسبه متكلمو السنّة إلى الشيعة، وهم براء من تلك النسبة وإنّما أرادوا منه المعنى الثاني الآتي.
و هو أنّ تقديره سبحانه للحوادث على قسمين:
أ ـ تقدير قطعي وقضاء مبرم.
ب ـ تقدير معلّق وقضاء غير منجّز.
فأمّا القسم الأوّل: فلا يتسرّب إليه البداء لافتراض كونه تقديراً حتمياً وقضاءً مبرماً، وإنّما يتسرّب البداء إلى القسم الثاني وهو القضاء المعلق فهو يتغيّر إمّا بالأعمال الصالحة أو الطالحة قال سبحانه: (إنّ اللّه لا يُغيِّرُ ما بِقَومٍ حتّى يُغَيِّروا ما بِأَنْفُسِهمْ)[سورة الرعد: الآية 11].
وقال سبحانه: (وَلَوْ أنَّ أَهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقوا لَفَتَحْنا عَلَيهِمْ بَركاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرضِ ولكنْ كَذَّبُوا فأخْذناهُمْ بِما كانُوا يَكسِبُونَ)[سورة الأعراف: 96].
وقال تعالى: حاكياً عن شيخ الأنبياء نوح (عليه السلام): (فَقُلْتُ اسْتغفِروا رَبَّكُمْ إنَّهُ كانَ غفَّاراً * يُرسِلِ السَّماءَ عَلَيكُمْ مِدراراً * ويُمْدِدْكُمْ بِأموالٍ وَبَنينَ ويَجْعَلْ لَكُمْ جَنّاتٍ ويَجْعَلْ لَكُمْ أنهاراً)[سورة نوح: الآية 10 ـ 12].
فالبداء بهذا المعنى ممّا اتفق عليه المسلمون قاطبة كما اتفقوا على عدم صحة البداء بالمعنى الأول، وأمّا استعمال البداء (بدا للّه) في هذا المقام مع أنّه بداء لنا من اللّه فهو أشبه بالمجاز وقد استعمل النبيّ ‏(صلّى اللّه عليه وآله)‏ في حديث الأقرع والأبرص والأعمى تلك اللفظة، وقال: وبدا للّه عزّ وجلّ أن يبتليهم(2) وعلى كلّ تقدير فليس النزاع في اللفظ والتسمية بل مورده هو المسمى والمقصود.
ولو أنّ علماء السنّة وقفوا على ما هو المقصود من القول بالبداء للّه لما اعترضوا على الشيعة الإمامية. وكم من مسائل خلافية لو طرحت في جوٍّ هادىَ يسوده روح البحث العلمي بعيدٍ عن التعصب لزالت حواجز الاختلاف ولتقاربت وجهات نظر الطائفتين.
التقية عند الشيعة:
التقية من المفاهيم القرآنية التي وردت في أكثر من موضع في القرآن الكريم، والغاية منها هي صيانة النفس والعرض والمال، وذلك في البيئات التي صودرت فيها الحريات في القول والعمل، والرأي والعقيدة، فلا ينجو المخالف إلاّ بالصمت والسكوت، مرغماً أو بالتظاهر بما يوافق هوى السلطة وأفكارها.
إنّ التقية سلاح الضعيف وكهف الخائف أمام القوي الغاشم، سلاح من يبتلى بمن لا يحترم دمه وعرضه وماله، لا لشيء إلاّ لأنّه لا يتفق معه في بعض الأفكار والمبادئ.
وهذا شيء يستسيغه العقل كما ورد في الشرع، قال سبحانه: (مَنْ كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ إلاّ مَنْ أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمانِ)[سورة النحل: الآية 106].
وقال سبحانه: (لا يَتَّخِذِ المُؤمِنونَ الكافِرينَ أولِياءَ مِنْ دُونِ المؤَمِنينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلكَ فَلَيسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيءٍ إلاّ أنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً)[سورة آل عمران: الآية 28].
ولا تختصّ بتقية المسلم من المشرك والكافر بل تعمّ تقية المسلم من المسلم الجائر أيضاً.
قال الرازي: إنّ مذهب الشافعي: إنّ الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والكافرين حلّت التقية محاماة عن النفس، وقال: التقية جائزة لصون النفس، وهل هي جائزة لصون المال؟ يحتمل أن يحكم فيها بالجواز لقوله ‏(صلّى اللّه عليه وآله)‏: حرمة مال المسلم كحرمة دمه، وقوله ‏(صلّى اللّه عليه وآله)‏: من قتل دون ماله فهو شهيد(3).
وقال جمال الدين القاسمي: وزاد الحق غموضاً وخفاءً، أمران: خوف العارفين ـ مع قلتهم ـ من علماء السوء وسلاطين الجور وشياطين الخلق مع جواز التقية عند ذلك بنص القرآن، وإجماع أهل الإسلام، وما زال الخوف مانعاً من إظهار الحق، وما برح المحق عدوّاً لأكثر الخلق، وقد صحّ عن أبي هريرة أنّه قال في ذلك العصر الأوّل: حفظت من رسول اللّه ‏(صلّى اللّه عليه وآله)‏ وعاءين، أمّا أحدهما فبثثته في الناس وأمّا الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم(4).
وليعلم أنّ التقية إنّما تتصور في القضايا الشخصية أي تقية شخص من شخص آخر في بيئته. وأمّا التقية العامة بأن تصور العقائد أو الأحكام في الكتب الفقهية بشكل يوافق عقائد الموافق وفقهه فهذا ليس بصحيح.
فالشيعة لم تتّق ولن تتّق في محاضراتها وكتبها ومنشوراتها قدر شعرة، فمن يتهم الشيعة بالتقية في كتمان عقائدها وتحرير فقهها، فقد خبط خبطة عشواء لما عرفت من أنّ التقية ترجع إلى القضايا الشخصية. وأين هم من الباطنيّة الذين يخفون كتبهم حتّى عن معتنقيهم، والشيعة الإمامية لم تزل مجهرة بعقائدها بشتى الطرق وأساليبها.
أضف إلى ذلك أنّ الشيعة قامت لهم دول مختلفة في فترات كثيرة من التاريخ منذ ألف سنة فلماذا تتقي في تحرير عقائدها ونشر أفكارها وبثِّ فقهها؟!

الهوامش:
1- راجع الإلهيات: ج 1 ص257 ـ ص 262 بقلم المؤلف.
2- صحيح البخاري: ج 4 ص 171.
3- مفاتيح الغيب للرازي: ج 8 ص 13.
4- محاسن التأويل: جمال الدين القاسمي ج 4 ص 82.

المصدر: موقع المقالات الخاص بالدراسات الشيعية
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com