موقع الصراط ... الموضوع : أساليب التبليغ-5
 
السبت - 10 / صفر / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  أساليب التبليغ-5  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 26 / رمضان / 1433 هـ
     
  تاسعاً: أسلوب الترغيب:
يؤكّد أمير المؤمنين عليه السلام في كِتاب أرسله إلى مالك الأشتر على الاستفادة من أسلوب الترغيب والإثابة، قال عليه السلام: "ولا يكوننّ المحسن والمسيء عندك بمنزلةٍ سواء, فإنّ في ذلك تزهيداً لأهل الإحسان في الإحسان، وتدريباً لأهل الإساءة على الإساءة..".
وهذا الأسلوب يعتبره الأخصّائيون في علم النفس ذا أثر بالغ في تربية الإنسان لا يقلّ عن أثر المعجزة.
فعلى المبلِّغ أن يعمل بوصية أمير المؤمنين عليه السلام فيستفيد من أسلوب الترغيب. وواضحٌ في القرآن الكريم استعمال نفس الأسلوب، فالله عزّ وجلّ يريد لعباده أن يذكروه فيذكرهم، وهل أبلغ في الترغيب من أن يكون وليّ النعمة ذاكراً لعبده؟! ((فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ)).
ويأمر الله سبحانه رسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم أن يُخبر الناس بأنّ ربّهم غفور رحيم: ((..نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ..)).
وإنّ الله يحبّ الذين يتّبعون الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: ((...فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ...)).
والله عزّ وجلّ يصلّي على عباده الّذين لا يفترون عن تسبيحه بكرةً وأصيلاً: ((..هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ..)).
ويأمر عزّ وجلّ رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بالصلاة على المؤمنين الّذين يؤدّون صدقات أموالهم: ((خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ)).
ويصلّي عزّ وجلّ على الصابرين في المصائب: ((أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ)).
ويرغِّب الله عزّ وجلّ العلماء بقوله: ((... هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ)).
وما ورد في الروايات من أنّ النظر إلى العالِم عبادة، ليس إلّا من هذا النوع من الترغيب للمتعلِّمين، وإعطاء العالِم حقّه ثواباً له.
بعد أن أُمر نبيّ الله إبراهيم عليه السلام بذبح ولده إسماعيل عليهما السلام، قال إسماعيل عليه السلام: ((يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ)).
هكذا إنسان ينبغي أن يكون ثواب عمله عظيماً جدّاً، وأيّ ثواب أعظم من جعل قبره في الكعبة أو قربها، فقد كان مسَلِّماً لأمر الله عزّ وجلّ.
هذه أمثلة على الترغيب والثواب الإلهيّ.
لاحظ أنّ الله تبارك وتعالى من صفاته أنّه "شاكر" وذلك ترغيباً لعباده على شكرهم له: ((..فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ..)).
وقد ورد أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقوم بترغيب وإثابة المتميّزين من أصحابه، فقد أهدى صلاةً إلى جعفر الطيَّار الّذي نشر تعاليم الإسلاميّ في أفريقيا وفي مدّة 12 سنة من تحمّل المصاعب والمشاقّ، وقد سُمّيت تلك الصلاة بـ "صلاة جعفر الطيَّار".
وقد عيَّن صلى الله عليه وآله وسلم أسامة ذا الثمانية عشر ربيعاً قائداً للجيش.
وأعطى عليّاً عليه السلام عمامته المباركة، بل وضعها على رأسه بيده الشريفة.
والإمام الحسين عليه السلام أعطى ألف درهم جائزة لمعلِّم أولاده.
والإمام الرضا عليه السلام أعطى قميصه وثلاثين ألف درهم خاصّة لِدعبل الشاعر.
والإمام الكاظم عليه السلام أهدى تلك المرأة المؤمنة شَطِيطَة قسماً من كفنه المبارك وأربعين درهماً، أرسلها إليها في نيسابور.
والإمام الصادق عليه السلام قدَّم هشاماً ذا السبعة عشر ربيعاً على كثيرٍ من الرجال والكهول. وعندما كان يدخل هشام إلى مجلس الإمام عليه السلام كان يُجلسُه في صدر المجلس وهو يقول: ".. هذا ناصرنا بقلبه ولسانه ويده..".
وهذه الأنواع من الترغيب ليست مجرّد باعث على تكامل الأفراد فحسب، بل هي في نفس الوقت زجرة تأنيب للفاسدين، فعن أمير المؤمنين عليه السلام قال: "ازجر المسيء بثوابِ المحسن..".
وهل كون السجود على تربة سيّد الشهداء الحسين عليه السلام مستحبّاً إلّا حبّاً للإمام الحسين عليه السلام وترغيبًا بالشهادة في سبيل الله، وإعلاناً عن التنفّر والانزعاج من أعداء الإمام الحسين عليه السلام؟
وهل مراسم الحجّ ـ الّتي هي عبارة عن "ثواب" لإبراهيم الخليل عليهما السلام ـ إلّا مراسم زجرٍ وتبرُّؤ من المشركين وعبَّاد الأصنام؟
وقد ورد في القرآن الكريم أنواع من الثواب المضاعفِ النتائج: ((..وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى...)).
وقد وردت آياتٌ عديدة في هذا المضمار مستفيدة من ألفاظ عدّة:
ـ ضِعف، أضعاف ـ فله عشر أمثالها ـ في كلّ سنبلةٍ مئة حبّة ـ بغير حساب، وعشرات الآيات الأخرى الّتي تتحدّث عن الجنّة وما أعدّ الله عزّ وجلّ فيها من الثواب لعباده المؤمنين.

عاشراً: أسلوب الترهيب:
إنّ الاستفادة من التهديد إلى جانب أسلوب الترغيب والإثابة، يبعث على التعادل بين حالتي الخوف والرجاء، وهي حالة الأمل والخوف. وقد جاء كثيرٌ من الآيات الشريفة ليتحدّث عن البرزخ والقيامة، وجهنَّم، والحساب، والاعتراف، والتأمّل والخضوع يوم القيامة، والعبور على الصراط، واسوداد الوجوه، وأخذ الكتاب بالشِّمال، وليس ذلك إلّا للتهديد والوعيد والترهيب: ((إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ)).
كما أنّ هناك آيات تتحدّث عن الخسران: ((وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا..)).
وأحياناً تتحدّث الآيات عن الشراء الخاسر: ((..بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ..)).
ومرة يلمِّح القرآن الكريم تلميحاً إلى موضوع ما، كأن ينتقد رضى الإنسان بالحياة الدنيا بدلاً عن الآخرة ((..أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا)).
ويشرح القرآن الكريم أحوال الأمم السالفة، كقوم عاد وثمود وأصحاب الفيل و..إلخ، الذين عاقبهم الله عزّ وعلا في هذه الدنيا، وذلك يبعث على تهديد الآخرين وترهيبهم من نفس المصير.
وتختلف لهجة الآيات القرآنية باختلاف الموضوع والمخاطبين، فتخاطب المعاندين العاصين بلحن شديد وألفاظ قوية، ممّا يبعث على ترهيب الآخرين لمنعهم من تكرار نفس الأعمال:
((..وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ..)).
((وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ...)).
((وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ...)).
وقد نزلت آيات في تهديد نساء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً)).
((يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ))
ولو أراد والدٌ تأديب ولده وقال له (افعل ما شئت)، فإنّ ذلك لا يعني رضا الوالد بأعمال ولده المنافية للأخلاق، بل يعني أنّه يُهدِّده ويتوعّده ويخوِّفه ممّا قد يحلّ عليه من العقاب. وقد وردت آيات قرآنية كريمة تتحدّث بنفس الأسلوب: ((اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ...)).
وفي آية أخرى يُخاطب الله عزّ وجلّ رسوله الكريم بقوله: ((قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ...)).
والمباهلة نوعٌ من أنواع الترهيب والتهديد: ((فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ)).
ويستعمل القرآن الكريم بعض الألفاظ الخاصّة الّتي تفيد التهديد والترهيب:
((كَلا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلا سَيَعْلَمُونَ)).
((...سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ الْكَذَّابُ الأَشِرُ)).
إنّ الاستفادة من أسلوب الترغيب والإثابة والتهديد والترهيب جنباً إلى جنب، أمرٌ له من النتائج الإيجابية ما لا يُحصى، وهو درس نتعلَّمه من الآيات الشريفة الّتي جاءت بنفس الأسلوب، حيث وعدت الطائعين المؤمنين بالجنّة، وهدَّدت العاصين والكافرين بالنيران والخسران.

حادي عشر: أسلوب التلقين والتذكير :
التلقين أحد الأساليب في تربية الإنسان.
ينبغي تلقين الناس أنّهم إن آمنوا كانوا ((الأَعْلَوْنَ)).
يعلن القرآن الكريم أنّ جميع الموجودات تُسبِّح بحمد الله عزّ وجلّ وتسجد له، وفي ذلك ما لا يخفى من التلقين للإنسان، لحثِّه على الالتحاق بعالم الوجود، وعدم التخلُّف عن الموجودات الأخرى، فيشترك معها بشكر الخالق جلّ وعلا.
والتلقين نوعان: لفظيّ وعمليّ.
فاللفظيّ هو تكرار لفظ معيّنٍ ككلمة لا إله إلا الله، والصلاة على النبيّ وآله الكرام، وقد جاءت الروايات توصي بذلك..
والعمليّ يحصل بتكرار العمل، ففي الروايات: "إن لم تكن حليماً فتحلَّم..".
و"جالس العلماء..".
وهذه نماذج للتلقين العمليّ:
عن الإمام الصادق عليه السلام: "من كان كفنه في بيته لم يُكتب من الغافلين، وكان مأجوراً كلّما نظر إليه..". فالنظر إلى الكفن تلقين يفيد أنّ الموت حقٌّ لا بُدّ منه.
والرجز شعراً في ميدان القِتال، والتكبير حين الهجوم على العدوّ، تلقين يفيد معاني النصر.
وكذلك فلسفة قراءة مجالس العزاء وإحيائها، تلقين عمليّ يعبِّر عن الشهامة والشهادة..
واللهُ عزّ وجلّ يُلقّن رسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: ((إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)).
وقد ورد في بعض الأحاديث أنّه لو لم يقل يعقوب عليه السلام لأولاده ((وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ))، لما جاؤوا يدَّعون أنّ الذئب أكل أخاهم يوسف عليه السلام..!
وكثيراً ما يذكر الله تعالى في القرآن الكريم قصص الصالحين، وليس ذلك إلا تلقيناً وتذكيراً للناس. وهنا نذكر نموذجين عن ذلك:
((...وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ...)).
((...وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا...)).
وقد ترد بعض العبارات الخاصّة الّتي يراد منها تلقين عمل ما، فنلاحظ أنّ الله عزّ وجلّ يمدح الذين ينفقون أموالهم في سبيله، بقوله عزّ وعلا: ((وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ...)).
وفي ذلك ما يُطيِّب خاطر المنفقين لأموالهم، ويطمئنهم اطمئناناً مضاعفاً: ((وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ...)).

ثاني عشر: أسلوب تحريك العقول:
إنّ العقلاء في أيّ مجتمع كان هم أهل الفكر والتفكير، لذلك هم يبحثون عن الدليل المنطقيّ والعقليّ دائماً. وقد استفاد القرآن الكريم من أسلوب العقلاء هذا، فنراه عندما يتكلّم عن بعض المواضيع يورد له أدلةً منطقية وعللاً واضحة:
((أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ))
((أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ))
((أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِؤُونَ)).
وهكذا نرى أنّ القرآن الكريم كثيراً ما يُخاطب عقول الناس، وبذلك لا مفرّ ولا مناص من إعطاء الجواب الصحيح وهو ما يريد إثباته.. مثلاً بالنسبة لله عزّ وجلّ، يسأل القرآن الناس: ((أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ...))
يعني: عقلاً، هل يُمكن أن يكون هناك موجود أعظم من الله تبارك وتعالى خلق هذه السموات والأرض؟!!
فإذا أجاب امرؤٌ بالإيجاب، عُلم أن عَقله يعاني من نقصٍ ما.
((قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ...)).
وكذلك بالنسبة للنبوّة:
((أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُم بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ...)).
وبالنسبة للإمامة:
((أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ...))
وبالنسبة للمعاد:
((أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ))
((...أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ...)).
يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com