موقع الصراط ... الموضوع : نشوء الدولة والمجتمع السياسي-5
 
السبت - 10 / صفر / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  نشوء الدولة والمجتمع السياسي-5  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 26 / رمضان / 1433 هـ
     
  النظرية الإسلامية:
وقد تحدث القرآن المجيد في الفطرة البشرية، والمجتمع الفطري، ونشأة المجتمع المدني أو (السياسي) وسبب نشوء هذا المجتمع...المجتمع المنظم بالشريعة والقانون الإلهي فثبت الأسس البيانية لذلك، كما في قوله تعالى:
أولاً: ((كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما أختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بأذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم)) البقرة(213)
ثانياً: ((وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون))يونس(19)
ولكي يتضح لنا الرأي الإسلامي فلنتابع تفسير العلامة الطباطبائي(أعلى الله مقامه) ودراسته وتحليله للفطرة البشرية، ولنشأة المجتمع السياسي...
فقد مر علينا أن الفلاسفة، والكتاب السياسيين، غير الإسلاميين، بمختلف مدارسهم، يرون أن الإنسان مر بمرحلتين في حياته على هذه الأرض، هما:
مرحلة الحياة الطبيعية-الفطرية-
ومرحلة الجماعة السياسية وهي المرحلة التي انتقل إليها الإنسان فيما بعد..
ويختلف الرأي الإسلامي في بعض جوانبه مع هذا التحليل للمجتمع الإنساني، والحياة الفطرية. فإن الدراسات الإسلامية-كما سيتضح لنا- ترى أن المجتمع البشري قد مر بثلاث مراحل، اعتماداً على دلالة الآية213من سورة البقرة الواردة أعلاه، وهذه المراحل هي:
1-مرحلة الوحدة والوئام: فقد كانت حياة الإنسان في تلك المرحلة حياة حرية وسلام ووئام، واتفاق وتوجيه فطري خير كما يستشف من الآية الكريمة: ((كان الناس أمة واحدة...)).
2- مرحلة الاختلاف والصراع: وهي المرحلة الثانية التي عاشتها البشرية بعد المرحلة الأولى، وقد وضح القرآن الكريم ذلك بقوله: ((ليحكم بين الناس فيما اختلفوا بينهم)).
فقد كانت تلك الوضعية، وضعية شريرة، سادها النزاع، والصراع، والعدوان،والاختلاف، على الحاجات المادية المعاشية، يتغلب فيها القوي على الضعيف، ويتسلط عليه، كحياة الغاب والوحوش. ذلك لأن الطبيعة البشرية تحمل الاستعداد لفعل الخير والشر معاً. قال تعالى موضحاً هذه الحقيقة: ((ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها)).
3- مرحلة وجود القانون والنظام الإلهي(مرحلة بعث الأنبياء):
((كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه)) وهي مرحلة القانون الإلهي ومحاولة إيجاد العدل الاجتماعي بقد بعث الأنبياء (ع) لرفع الخلاف، وحالات العدوان والصراع على الحاجات المادية ووسائل إشباعها كالطعام والمسكن.. الخ.
وبذا يتضح لنا الفارق بين تحليل ودراسات الفريقين من الكتاب والمفكرين غير الإسلاميين أمثال((روسو ولوك وهوبز وبوسيه)) ورأيهم في الحياة البدائية للإنسان القائل((بأنها حياة خيرة أو شريرة)) ثم الانتقال إلى المرحلة السياسية(المدنية).
يتضح الفرق بين ذلك الرأي الإسلامي الذي يرى أن المرحلة الأولى مرحلة خيرة بنما كانت المرحلة الثانية مرحلة شريرة، ولم يتحدث عن هذه المرحلة أي من الفريقين، ولقد وضح لنا العلامة الطباطبائي الرأي الإسلامي بقوله:
((والآية تبين السبب في تشريع أصل الدين، وتكليف النوع الإنساني به، وسبب وقوع الاختلاف فيه ببيان أن الإنسان-وهو نوع مفطور على الاجتماع والتعاون- كان في أول اجتماعه أمة واحدة، ثم ظهر فيه بحسب الفطرة الاختلاف في اقتناء المزايا الحيوية، فاستدعى ذلك الوضع قوانين ترفع الاختلافات الطارئة، والمشاجرات في لوازم الحياة، فلبست القوانين الموضوعة لباس الدين، وشفعت بالتبشير والإنذار بالثواب والعقاب، وأصلحت بالعبادات المندوبة إليها ببعث النبيين وإرسال المرسلين، ثم اختل بذلك وحدة أمر الوحدة الدينية، وظهرت الشعوب والأحزاب، وتبع ذلك الاختلاف في غيره، ولم يكن هذا الاختلاف الثاني إلا بغياً من الذين أوتوا الكتاب، وظلماً وعتواً منهم، بعد ما تبين لهم أصوله ومعارفه، وتمت عليه الحجة...
فالاختلاف اختلافان: اختلاف في أمر الدين، مستند إلى بغي الباغين دون فطرتهم وغريزته.
واختلاف في أمر الدنيا وهو فطري، وسبب لتشريع الدين، ثم هدى الله سبحانه المؤمنين إلى الحق...))
ثم قال: ((وكيف كان فظاهر الآية: ((كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين...)) يدل على أن هذا النوع، قد مر عليهم في حياتهم زمان كانوا على اتحاد واتفاق، وعلى السذاجة والبساطة، لا اختلاف بينهم بالمشاجرة والمدافعة بأمور الحياة، ولا اختلاف في المذاهب والِآراء.. والدليل على نفي الاختلاف قوله تعالى: ((فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه))...)).
ثم قال: ((الإنسان الأول الذي لا يوجد عنده إلا النزر القليل من المعرفة بشؤون الحياة وحدود العيش، كأنهم ليس لديهم إلا البديهيات، ويسير من النظريات الفكرية التي تهيأ لهم وسائل البقاء بأبسط ما يكون، كالتغذي بالنبات، أو بشيء من الصيد، والإيواء إلى الكهوف، والدفاع بالحجارة والأخشاب، ونحو ذلك، فهذا حال الإنسان في أقدم عصوره.
ومن المعلوم أن قوماً حالهم هذا الحال، لا يظهر فيهم الاختلاف ظهوراً يعتد به، ولا يبدو فيهم الفساد بدواً مؤثرا، كالقطيع من الغنم، لا هم لا فراده إلا الاهتداء لبعض ما اهتدى إليه بعضا آخر، والتجمع في المسكن والمعلف والشرب)).
ثم قال: ((وقد تبين من الآية ثانيا أول ما ظهر، ظهوراً رافعاً للاختلاف الناشئ عن الفطرة، ثم استكمل رافعاً للاختلاف الفطري، وغير الفطري معاً))
((السبب في بعث الأنبياء، وإنزال الكتاب، وبعبارة أخرى العلة في الدعوة الدينية، وهو أن الإنسان بحسب طبعه وفطرته سائر نحو الاختلاف، كما انه سالك نحو الاجتماع المدني، وإذا كانت الفطرة هي الهادية إلى الاختلاف، ولم تتمكن من رفع الاختلاف، وكيف يد شيء ما يجذبه إليه نفسه، فرفع الله سبحانه هذا الاختلاف بالنبوة والتشريع بهداية النوع إلى كماله اللائق بحالهم، المصلح لشأنهم...))
ثم قال:((ومن هناك يظهر أن هذا اعني تأدية الفطرة إلى الاجتماع المدني من جهة، وإلى الاختلاف من جهة أخرى، وعنايته تعالى بالهداية إلى تمام الخلقة مبدأ حجة على وجود النبوة، وبعبارة أخرى دليل النبوة العام.
تقريره:أن النوع الإنساني مستخدم بالطبع، وهذا الاستخدام الفطري يؤديه إلى الاجتماع المدني، وإلى الاختلاف والفساد في جميع شؤون حياته، لذا يقتضي التكوين والإيجاد، برفعه.
ولا يرتفع إلا بقوانين تصلح الحياة الاجتماعية برفع الاختلاف عنها بهداية الإنسان وكماله سعادته بأحد أمرين: إما بفطرته، وإما بأمر ورائه، لكن الفطرة غير كافية لأنها هي المؤدية إلى الاختلاف فكيف ترفعها؟ فوجب أن يكون من غير طريق الفطرة والطبيعة، وهو التفهيم الإلهي غير الطبيعي، المسمى بالنبوة والوحي)).
ثم قال:((فا الإنسان انصرف في حين من الأحيان حياته من حكم الاستخدام، ولا استخدامه يؤدي إلى الاجتماع ، وقضى بحياة فردية، ولا اجتماعه المكون خلاف الاختلاف، ولا اختلاف ارتفع بغير قوانين اجتماعية، ولا أن فطرته وعقله، الذي يعده عقلاً سليماً قدرت على وضع القوانين تقطع منابات الاختلاف، وتقلع مادة الفساد...)).
وبعد أن وضح لدينا تفسير الآية الكريمة التي تحدثت عن طبيعة الإنسان البدائي، وأوضاعه الفطرية(الغريزية) وما طرأ عليه من تحولات، فلنقرأ ما ورد عن الإمام محمد بن علي الباقر (ع) من بيان وتعريف بالمجتمع الفطري الأول. قال (ع): ((كان الناس قبل نوح أمة واحدة، على فطرة الله، لا مهتدين ولا ضالين، فبعث الله النبيين)).
وهكذا تحدد لنا هذه النصوص والدراسات التفصيلية التفسير الآتي:
1- إن المجتمع الإنساني الأول كان مجتمعاً فطرياً(طبيعيا) تسيره قوانين الفطرة والغريزة الإنسانية، كحياة الطفل والطير-((...على فطرة الله، لا مهتدين ولا ضالين))-.
2-إن الإنسان يحمل في تكوينه الذاتي غريزة حب الاجتماع،:فهو كائن اجتماعي:((هو نوع مفطور على الاجتماع والتعاون)).
3-إن هذا المجتمع كان يسوده الوئام والاتحاد، بعيداً عن الصراع والتنازع، يجد الإنسان في أرجاء الطبيعة ما يحتاجه في حياته الساذجة البسيطة ((كان الناس أمة واحدة)).
4- إن غريزة حب الذات في الإنسان، والاتجاه إلى تسخير الأشياء(الطبيعة والناس الآخرين والحيوان) لصالحه، جعلت من الإنسان كياناً يحمل الاستعداد للاختلاف والتنازع، والسيطرة على الآخرين: (كان في أول اجتماعه أمة واحدة، ثم ظهر فيه حب الفطرة، أي الاختلافات في اقتناء المزايا الحيوية).
5- بعد ذلك نشأت مرحلة الصراع والتنازع على الحاجات المادية، فصارت حياة المجتمع الإنساني حياة شريرة لا تطاق:((ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه)).
6- ثم بعث الله النبيين (ع) لهداية الناس وتنظيم المجتمع ((فبعث الله النبيين))
وهكذا نصل إلى فهم المراحل الثلاث:
أ- مرحلة الفطرة (الحياة الغريزية) الوحدة والوئام.
ب- مرحلة الصراع والاختلاف على المكاسب المادية.
جـ- مرحلة بعث الأنبياء لحل مشاكل الصراع، وهداية الإنسان، وحصول الاختلاف الفكري والعقائدي ((وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً بينهم))

المصدر كتاب الثقافة السياسية الإسلامية للسيد هاشم الموسوي
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com