موقع الصراط ... الموضوع : القرآن الكريم عند أهل البيت (ع)
 
الجمعة - 4 / شعبان / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  القرآن الكريم عند أهل البيت (ع)  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 26 / رمضان / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جعفر الهادي
لقد حظي القرآن الكريم بمكانة كبرى عند المسلمين لم يحظَ بها أي كتاب آخر سواه. فمنذ نزوله أحبّه المسلمون وتلو منه ما تيسر لهم ناء الليل، وأطراف النهار، حتى حفظوا آياته، وفهموا معانيه، واعتنوا بتفسيره واستجلاء مقاصده.
لقد اكتشف المسلمون ولا سيما في الجزيرة العربية أن القرآن هو الأفضل من بين جميع الكتب المنزلة وغير المنزلة وافتخروا به أشد افتخار فهو المستجمع لجميع عناصر الروحانية والجمال، وهو الذي أوجد منهم أمة عظيمة الشأن، منيعة الجانب، سامية الحضارة، محترمة بين الشعوب والأمم، بما أعطاهم من شخصية، وسمو في الذات والمعنى.
غير أن القرآن الكريم حظي عند أهل البيت (ع) بدءاً من الإمام أمير المؤمنين علي (ع) ومروراً بفاطمة الزهراء (ع) ثم الحسنين والأئمة التسعة من ولد الحسين بمكانة أكبر، ومنزلة أسمى فاقت ما حظي به هذا الكتاب العظيم من المكانة والمنزلة عند غيرهم من المسلمين.

أهمية القرآن الكريم عند أهل البيت:
فهذا أمير المؤمنين علي (ع) يقول في شأن القرآن موجهاً أنظار المسلمين إلى أهمية هذا الكتاب: (الله الله أيها الناس فيما استحفظكم من كتابه)
وقال في هذا المجال أيضاً: (عليكم بكتاب الله فإنه الحبل المتين، والنور المبين، والشفاء النافع، والري النافع، والعصمة للمتمسك، والنجاة للمتعلق، لا يعوَج فيقام، ولا يزيغ فيستعتب)
وهذا الإمام سيد الساجدين علي بن الحسين (ع) يقول عن القرآن الكريم: (لو مات من بين المشرق والمغرب لما استوحشت، بعد أن يكون القرآن معي)
ولم يكن هذا بالأمر الغريب فهم قرناء الكتاب حسب حديث (الثقلين) المتواتر، وهما معاً يشكلان المصدرين الأساسين للثقافة الإسلامية بعد رسول الله (ص)، فلا غرابة أن تهتم العترة النبوية بالكتاب وتلفت النظر إليه كما اهتم الكتاب بالعترة الطاهرة، ولفت الأنظار إليها بقوله: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) الأحزاب/ 33. (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى) الشورى/ 23.
من هنا بالغ أهل البيت (ع) في الحث على العناية بالقرآن الكريم بجميع الأشكال والصور. فتارة حثوا على تعلمه؛ ولو بمشقة وصعوبة، فقد قال الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع): (تعلموا القرآن فإنه أحسن الحديث، وتفقهوا فيه فإنه ربيع القلوب)
وقال حفيده الإمام جعفر الصادق (ع): (ينبغي للمؤمن أن لا يموت حتى يتعلم القرآن، أو يكون في تعلمه)
وقال الإمام الصادق (ع) أيضاً: (مَن شدد عليه في القرآن كان له أجران، ومَن يسر له كان مع الأولين)
وتارة أكدوا على تعليمه للشباب والأولاد خاصة، فقد قال الإمام الحسن العسكري (ع): (إن القرآن يأتي يوم القيامة بالرجل الشاحب يقول لربه: يا رب هذا أظمأتُ نهاره، وأسهرت ليله، وقويت في رحمتك طمعه، وفسحت في رحمتك أمله، فكن عند ظني فيك وظنه. يقول الله تعالى: أعطوه الملك بيمينه والخلد بشماله، واقرنوه بأزواجه من الحور العين، واكسوا والديه حلة لا تقوم لها الدنيا بما فيها...)
وقال الإمام علي بن أبي طالب (ع) في هذا الصدد: (إن الله عز وجل ليهم بعذاب أهل الأرض جميعاً حتى لا يحاشي منهم أحداً إذا عملوا بالمعاصي واجترحوا السيئات، فإذا نظر إلى الشيب ناقلي أقدامهم إلى الصلوات، والولدان يتعلمون القرآن، رحمهم فأخر ذلك عنهم)
كما دعا الأئمة الطاهرون الناس إلى الإكثار من قراءة القرآن الكريم وتلاوة آياته، فقد قال الإمام جعفر الصادق (ع): (عليكم بتلاوة القرآن فإن درجات الجنة على عدد آيات القرآن، فإذا كان يوم القيامة قيل لقارئ القرآن إقرأ وارقَ، فكلما قرأ آية يرقى درجة)
وقال (ع) أيضاً: (القرآن عهد الله إلى خلقه، فقد ينبغي للمرء المسلم أن ينظر في عهده، وأن يقرأ منه في كل يوم خمسين آية)
وقال (ع) كذلك وهو يؤكد على التلاوة في المصحف بالذات: (مَن قرأ القرآن في المصحف متّع بصره وخفف عن والديه وإن كانا كافرين)
وقد سئل الإمام زين العابدين علي بن الحسين (ع) ذات مرة: أي الأعمال أفضل؟ فقال: الحال المُرتحِل. فقيل: وما الحال المُرتحِل؟ فقال (ع): (فتح القرآن وختمه، كما جاء بأوله ارتحل في آخره)
أي ختم القرآن وابتدأ بأوله ولم يفصل بينهما بزمان، بل وحث الأئمة من أهل البيت (ع) على حفظ آيات القرآن واستظهارها، وقراءتها عن ظهر قلب ليختلط بدم المسلم ولحمه، ويملأ عقله وفؤاده: (اقرأوا القرآن واستظهروه فإن الله لا يعذب قلباً وعى القرآن)
وعمن يعالج حفظ القرآن وهو يعاني من ضعف الذاكرة وقلة الحفظ قال الإمام جعفر الصادق (ع): (إن الذي يعالج القرآن ليحفظه بمشقة منه، وقلة حفظه، له أجران)
ولم يفُتْهُم (ع) أن يؤكدوا على قراءة القرآن الكريم بالصوت الحسن لأن ذلك يزيد من روعته وجماله، ويساعد على تأثيره في النفوس ونفوذه في القلوب، لأن للصوت الحسن قيمة جمالية وأحرى بها أن تنضم إلى أجمل جمالات الكون ألا وهو القرآن الكريم، وبالتالي تتناسق نغمة الصوت الحسن ونسمة الوحي المقدس لتحيي القلوب، وتنعش النفوس. ألم يقل رسول الله (ص): (إن من أجمل الجمال الشعر الحسن، ونغمة الصوت الحسن)
فأي موضع أجدر بأن تستعمل فيه هذه الموهبة الإلهية من قراءة القرآن وتلاوته؟
ولهذا قال الإمام أبو جعفر الباقر (ع) لأبي بصير عندما قال للإمام (ع): إذا قرأت القرآن فرفعت به صوتي جاءني الشيطان، فقال: إنما ترائي بهذا أهل والناس: (يا أبا محمد، اقرأ قراءة ما بين القراءتين تسمع أهلك، ورجِّع بالقرآن صوتك فإن الله عز وجل يحب الصوت الحسن يرجّع فيه ترجيعاً)
أي اقرأ قراءة متوسطة، لا هي بالخفية التي لا تسمع ولا هي بالعالية التي تصك الآذان.
هذا وقد صحح العلامة المجلسي في مرآته هذا الحديث.
ومن هنا قال الإمام أبو عبد الله جعفر الصادق (ع): (يكره أن يقرأ (قل هو الله أحد) بنفس واحد)
لأن ذلك من شأنه التقليل من فرص الانتباه إلى جمال هذه السورة، والتقليل بالتالي من نفوذها في نفس القارئ والسامع.
وقد كان تلاوة القرآن بالصوت الحسن والقراءة الجميلة هو دأب أهل البيت (ع) وديدنهم، فعن أبي عبد الله الإمام جعفر الصادق (ع) قال: (كان علي بن الحسين (السجاد) صلوات الله عليه أحسن الناس صوتاً بالقرآن وكان السقاؤون يمرون فيقفون ببابه يسمعون قراءته، وكان أبو جعفر (الباقر) عليه السلام أحسن الناس صوتاً -أي بالقرآن)
ومما أكد أهل البيت (ع) عليه في مجال القرآن هو قراءته في البيوت، ووجود مصحف شريف في البيت لما يتركه ذلك -أي القراءة ووجود المصحف الكريم في البيت- من آثار معنوية في نفوس أهله وعقولهم وخلقهم وسلوكهم.
قال الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع): (البيت الذي يقرأ فيه القرآن ويذكر الله عز وجل فيه، تكثر بركته، وتحضره الملائكة، وتهجره الشياطين، ويضيء لأهل السماء كما تضيء الكواكب لأهل الأرض. وإن البيت الذي لا يقرأ فيه القرآن ولا يذكر الله عز وجل فيه تقل بركته وتهجره الملائكة وتحضره الشياطين)
وقال الإمام الباقر (ع) في هذا الصدد: (إني ليعجبني أن يكون في البيت مصحف يطرد الله عزوجل به الشياطين)
كما وأكدوا على ختم القرآن الكريم في مكة المكرمة أي في أجواء نزول القرآن المكانية، وان حرمنا من أجوائها الزمانية، ومن المعلوم ما للأجواء الزمانية والمكانية: من تأثير وإيحاء نفسي. قال الإمام الباقر (ع): (مَن ختم القرآن بمكة لم يمت حتى يرى رسول الله (ص) ويرى منزله من الجنة)
بل وحثوا على كثرة تلاوة القرآن الكريم في شهر رمضان، شهر نزول القرآن والذي يمثل الأجواء الزمانية، أليس نزول القرآن في شهر رمضان؟
ففي فقه الرضا (ع) في باب الصوم: (وأكثر في هذا الشهر المبارك من قراءة القرآن)
وأما الإصغاء إلى القرآن الكريم عند تلاوته، احتراماً وتبجيلاً، بل واحترام القرآن الكريم مطلقاً، وفي كل زمان ومكان، فقد ورد عن أهل البيت (ع) في شأنه وحقه ما يحمل المسلم على احترام الكتاب العزيز أشد احترام، وتكريمه أشد إكرام.
فقد قال الإمام الصادق (ع): (مَن استمع حرفاً من كتاب الله من غير قراءة كتب الله له حسنة ومحا عنه سيئة ورفع له درجة)
وقال (ع) أيضاً: (يجب الإنصات للقرآن في الصلاة وغيرها وإذا قرئ عندك القرآن وجب عليك الإنصات والاستماع له)

موقف أهل البيت العملي من القرآن:
وأما موقفهم العملي من القرآن الكريم فكان موقفاً يدعو إلى التأمل والتدبر كما يدعو إلى الإعجاب والإكبار.
ونحن ننقل نماذج مما ورد في هذا القسم سواء على لسان أهل البيت (ع أنفسهم أو على لسان مَن كتب عنهم من علماء الإسلام ومؤرخيه ومن المتعرضين لسيرتهم (ع).
روى الصدوق في الخصال بسنده إلى نوف البكالي قال: بت عند أمير المؤمنين علي (ع) فكان يصلي الليل كله ويخرج ساعة بعد ساعة فينتظر إلى السماء، ويتلو القرآن.
وكتب ابن كثير في تاريخه: كان الإمام الحسن بن علي (ع) لا يمر بآية تشتمل على نداء المؤمنين إلا قال: اللهم لبيك، اللهم لبيك، وكان يقرأ في كل ليلة سورة الكهف.
وكتب محمد بن طلحة الشافعي في عبادات الحسن يقول: كان كأبيه في الجهاد بنفسه وبماله وفي العبادة والصلاة والصيام وتلاوة القرآن.
وعنه يقول بن نسوة التميمي:
فليت قلوصي عرّبت أو رحلها * إلى حَسَن في داره وابن جعفر
إلى ابن رسول الله يأمر بالتقى * ويقرأ آيات الكتاب المطهر
وروى الطبري فيمن روى أحداث واقعة كربلاء، انه كلما أراد جيش بن سعد بدء القتال ومهاجمة المعسكر الحسيني، قال الإمام الحسين (ع) لأخيه العباس بن علي: (اذهب إليهم واستمهلهم هذه العشية إلى غد لعلنا نصلي لربنا الليلة وندعوه ونستغفره فهو يعلم إني أحب الصلاة له وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء والاستغفار)
إن الحسين (ع) يطلب تأخير القتال ليلة واحدة حتى يتمكن من تلاوة القرآن في تلك الليلة العصيبة.
وجاء في الكافي عن حفص حول الإمام موسى بن جعفر (ع) انه قال ما رأيت أحد أشد خوفاً على نفسه من موسى بن جعفر (ع) ولا أرجى للناس منه، وكانت قراءته -أي للقرآن- حزناً، فإذا قرأ فكأنه يخاطب إنساناً.
وقال ابن شهر آشوب عنه (ع) أيضاً: كان أفقه أهل زمانه وأحفظهم لكتاب الله وأحسنهم صوتاً بالقرآن، فكان إذا قرأ تحزن وبكى، وبكى السامعون لتلاوته.
أجل هكذا كان سلوك أهل البيت العملي من القرآن الكريم، تلاوة كثيرة، ومتدبرة، وحزينة.. تلاوة مستمرة لآيات الكتاب الإلهي العظيم، لا يمنع منها شيء، لا ليل ولا نهار ولا شغل ولا شاغل.

أهل البيت وعلوم القرآن:
ولقد كان أهل البيت (ع) السباقين إلى التحدث في علوم القرآن الكريم، من تفسيره وبيان مقاصده وتعليم مفاهيمه للناس وبيان ما يرتبط به من شؤون مثل أسباب النزول ومواقع النزول وما شابه ذلك.
وإليك ما كتبه ابن النديم في فهرسه حول الإمام علي بن أبي طالب في مجال الاهتمام بالقرآن جمعاً وتدويناً وإليك نص ما دبّجه بالنص.
ترتيب سور القرآن في مصحف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه)، قال ابن المنادي حدثني الحسن بن العباس قال أخبرت عن عبد الرحمن بن أبي حماد عن الحكم بن ظهير السدوسي عن عبد خير عن علي (ع) انه رأى من الناس طيرة عند وفاة النبي (ص) فأقسم انه لا يضع عن ظهره رداءه حتى يجمع القرآن فهو أول مصحف جمع فيه القرآن من قبله. وهكذا كان أول اهتمامات الإمام علي بن أبي طالب (ع)، عقب وفاة رسول الله (ص) والتحاقه بالرفيق الأعلى هو جمع القرآن المنزّل من أوله إلى آخره.
وقال السيوطي في (الإتقان): وأما علي فروى عنه الكثير، وقد روى معمّر عن وهب بن عبد الله عن أبي الطفيل قال شهدت علياً يخطب وهو يقول: .. وسلوني عن كتاب الله فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار، في سهل أم في جبل.
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن مسعود قال: إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، ما منها حرف إلا وله ظهر وبطن وان علي بن أبي طالب عنده من الظاهر والباطن.
وكتب العلامة كمال الدين محمد بن طلحة الشافعي عن نشاط الإمام جعفر الصادق (ع) القرآني يقول: (جعفر بن محمد من علماء أهل البيت وساداتهم ذو علوم جمّة.. وتلاوة كثيرة يتتبع معاني القرآن ويستخرج من بحره جواهره، ويستنتج عجائب)
وأنشد مالك الجهني في شأن الإمام محمد بن علي الباقر (ع) يقول:
إذا طلب الناس علم القرآن * كانت قريش عليه عيالاً
وان فاه فيه ابن بنت النبي * تلقّت يداه فروعاً طوالاً
نجوم تهلل للمدلجين * فتهدي بأنوائهن الرجالا

أهل البيت بالمرصاد لمن يسيء إلى القرآن:
على أن عناية أهل البيت (ع) لم تقتصر على ما مرّ، بل كانوا بالمرصاد لكل مَن يكيد للقرآن الكريم ويريد الإساءة إليه، أو حصلت له شبهة فراح يجري وراء شبهته فكانوا يردون عنه كيد الكائدين، وعادية المعادين، أو يدفعون عنه ما يحوم حوله من شبهات، ونحن ننقل هنا بعض النماذج من هذا الموقف العظيم.
قال هشام بن الحكم -وهو من تلامذة الإمام الصادق (ع) وأصحابه-: اجتمع ابن أبي العوجاء وأبو شاكر الديصاني وعبد الملك البصري وابن المقفع عند بيت الله الحرام يستهزئون بالحاج ويطعنون بالقرآن.
فقال ابن أبي العوجاء: تعالوا ينقص كل واحد منا رفع القرآن وميعادنا من قابل في هذا الموضع نجتمع فيه، وقد نقضنا القرآن كله، فإن في نقض القرآن إبطال نبوة محمد، وفي إبطال نبوته إبطال الإسلام، وإثبات ما نحن فيه.
فاتفقوا على ذلك وافترقوا، فلما كان من قابل اجتمعوا عند بيت الله، فقال ابن أبي العوجاء: أما أنا فمفكر منذ افترقنا في هذه الآية: (فلما استيأسوا منه خلصوا نجياً) فما أقدر أن أضم إليها في فصاحتها وجميع معانيها شيئاً، فشغلتني هذه عن التفكر فيما سواها.
فقال عبد الملك: وأنا منذ فارقتكم مفكر في هذه الآية: (يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وان يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب) ولم أقدر على الإتيان بمثلها.
فقال أبو شاكر: وأنا منذ فارقتكم مفكر في هذه الآية: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) لم أقدر على الإتيان بمثلها.
فقال ابن المقفع: إن هذا القرآن ليس من جنس كلام البشر، وأنا منذ فارقتكم مفكر في هذه الآية: (وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء اقلعي وغيض الماء، وقضي الأمر، واستوت على الجودي وقيل بعداً للقوم الظالمين) لم أبلغ غاية المعرفة بها، ولم أقدر على الإتيان بمثلها. قال هشام: فبينما هم في ذلك، إذ مرّ بهم جعفر بن محمد الصادق (ع) فقال: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً)
فنظر القوم بعضهم إلى بعض وقالوا: لئن كان للسلام حقيقة لما انتهى أمر وصية (محمد) إلا إلى جعفر بن محمد، والله ما رأيناه قط إلا هبناه واقشعرت جلودنا لهيبته، ثم تفرقوا مقرين بالعجز.
وفي قضية ما يسمى بمحنة (خلق القرآن) التي استغلتها السلطات العباسية لإشغال المسلمين، وصرفهم عن الجانب العملي للقرآن بطرح القضايا الجانبية التي لا ترتبط بما هو المهم من هدف القرآن الكريم، ووقف أهل البيت من هذه القضية الاستهلاكية موقفاً رائعاً ومعقولاً، فقد كتب الإمام علي بن موسى الرضا (ع) الرسالة التالية: (بسم الله الرحمن الرحيم عصمنا الله وإياك من الفتنة، فإن يفعل فقد أعظم بها من نعمة، وأن لا يفعل فهي الهلكة. نحن نرى ان الجدال في القرآن بدعة، اشترك فيها السائل والمجيب، فيتعاطى السائل ما ليس له، ويتكلف المجيب ما ليس عليه، وليس الخالق إلا الله، وما سواه مخلوق، والقرآن كلام الله لا تجعل له اسماً من عندك فتكون من الضالين. جعلنا الله وإياك من الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون)
هكذا تصدى أئمة أهل البيت (ع) بحكم واجبهم الديني العام كمسلمين واعين، وبحكم مسؤوليتهم الخاصة المناطة إليهم كورثة لكتاب الله وكهوف لوحيه (كما قال الإمام علي (ع) في الخطبة رقم (2) من نهج البلاغة)

مواقف متميزة من القرآن الكريم:
وامتاز أهل البيت (ع) في هذا المجال بعد كل هذا وذاك بمواقف متميزة من القرآن ونشير إلى هذه المواقف:
أولاً ـ الحث عن تقديم القرآن على الهوى لا العكس:
لقد حث أهل البيت (ع) المسلمين في أكثر من موضع، على تقديم القرآن على الهوى، في عهود ساد فيها عطف الحق على الهوى، وحمل الكتاب على الرأي الشخصي، وجعل القرآن مقوداً وتابعاً، بعد إذ كان قائداً ومتبوعاً. ففي الخطبة رقم (87) من نهج البلاغة يقول الإمام علي (ع)، وهو يصف المؤمنين، كما يصف بعد ذلك الفساق، ويعدد صفاتهم: (قد مكن الكتاب -أي القرآن- من زمامه فهو قائده وإمامه، يحلّ حيث حلّ ثقله وينزل حيث كان منزله. وآخر قد تسمى عالماً وليس به.. قد حمل الكتاب على آرائه، وعطف الحق على أهوائه)
وقال (ع) في الخطبة رقم (138) وهو يصف سياسة الإمام المهدي الذي تحدثت أحاديث الرسول الكريم عن ظهوره وإصلاحه لما فسد من أحوال العالم البشري: (يعطف الهوى على الهدى إذا عطفوا الهدى على الهوى، ويعطف الرأي على القرآن إذا عطفوا القرآن على الرأي)
يقول الإمام محمد عبده شارح نهج البلاغة في شرح هذا الكلام العلوي: (يعطف) خبر عن قائم ينادي بالقرآن ويطالب الناس باتباعه وردّ كل رأي إليه، ومعنى (يعطف الهوى) يقهره ويميل به عن جانب الإيثار فيجعل الهدى ظاهراً على الهوى، وكذلك قوله (ويعطف الرأي على القرآن) أي يقهر حكم الرأي والقياس، ويجعل الغلبة للقرآن عليه، ويحمل الناس على العمل به دونه.

ثانياً ـ التأكيد على دور العترة في القرآن:
لقد رسم رسول الله (ص) الخط الذي يجب أن يسير عليه المسلمون من بعده عندما قال: (إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا أبداً، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض)
وبذلك يتوجب على المسلمين إذا أرادوا أن يبقوا ضمن الإطار الإسلامي أن يرجعوا إلى هذين المصدرين بعد رسول الله (ص): القرآن الكريم وأهل البيت، والاستغناء عن أي واحد منهما يعني عدم الأخذ بما أتى به الرسول وأوصى به.
من هذا المنطلق بقي أهل البيت يحثون المسلمين على الدوام على فهم القرآن في ضوء تفسيرات أهل البيت وتوضيحاتهم وعدم الاستغلال بالفهم الشخصي فعدل القرآن -أي العترة- هو المرجع الشرعي النهائي الوحيد بموجب حديث الثقلين، الذي يحق له تفسير الكتاب وبيان مقاصده ومراميه.
وها نحن نشير إلى نموذج من الموضوع: دخل قتادة -الفقيه المشهور- على الإمام محمد بن علي الباقر (ع)، فقال له الإمام: أنت فقيه أهل البصرة؟ فقال: نعم هكذا يزعمون. قال الإمام: بلغني إنك تفسر القرآن؟ قال: نعم. فأنكر عليه الإمام ذلك قائلاً: (يا قتادة، إن كنت قد فسرت القرآن من تلقاء نفسك فقد هلكت وأهلكت، وإن كنت قد فسرته من الرجال فقد هلكت وأهلكت، يا قتادة ويحك إنما يعرف القرآن مَن خوطب به)
والمراد هو معرفة القرآن حق المعرفة لا معرفة لغاتها ومفاهيمها العرفية. أجل إن أهل البيت (ع) هم الذين يعرفون المحكم من المتشابه، والناسخ من المنسوخ وليس عند غيرهم هذا العلم، وقد أثر عن الأئمة (ع) القول: (انه ليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن، الآية يكون أولها في شيء وآخرها في شيء وهو كلام متصل ينصرف إلى وجوه)
ولقد أعطى أهل البيت نماذج من التفسير الصحيح للقرآن الذي خفي عن الآخرين وكانوا بذلك خير معلم للمسلمين لكيفية فهم القرآن.
ونحن نكتفي هنا بذكر نموذجين من هذا الأمر: فعن صفوان بن يحيى قال: سألني أبو قرّة المحدث أن أدخله على أبي الحسن الإمام الرضا (ع)، فاستأذنته في ذلك فأذن لي، فدخل عليه، فسأله عن الحلال والحرام حتى بلغ سؤاله إلى التوحيد، فقال أبو قرة: إنا روينا إن الله قسم الرؤية والكلام، الكلام لموسى، ولمحمد الرؤية، فقال أبو الحسن (ع): فمن المبلغ عن الله إلى الثقلين من الجنس والإنس: (لا تدركه الأبصار ولا يحيطون به علماً. وليس كمثله شيء) أليس محمد (ص)؟ قال أبو قرة: بلى. فقال (ع): كيف يجيء رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم انه جاء من عند الله وانه يدعوهم إلى الله بأمر الله فيقول: (لا تدركه الأبصار. ولا يحيطون به علماً. وليس كمثله شيء). ثم يقول: أنا رأيته بعيني، وأحطت به علماً وهو على صورة البشر)؟!
قال أبو قرة: فإنه يقول: (ولقد رآه نزلة أخرى)
فقال الإمام (ع): إن بعد هذه الآية ما يدل على ما رأى حيث قال: (ما كذب الفؤاد ما رأى)، يقول: (ما كذب فؤاد محمد ما رأت عيناه) ثم أخبر بما رأى، فقال: (لقد رأى من آياته الكبرى) فآيات الله غير الله، وقد قال الله: (ولا يحيطون به علماً) فإذا رأته الأبصار فقد أحاط به العلم ووقت المعرفة.
فقال أبو قرة: فتكذّب بالروايات؟
فقال أبو الحسن (ع): (إذا كانت الروايات مخالفة للقرآن كذبتها، وما أجمع المسلمون عليه (هو) انه لا يحاط به علماً ولا تدركه الأبصار وليس كمثله شيء)
هذا نموذج مما أعطاه الأئمة من إرشاد كلّي وجزئي وتفسير صحيح للقرآن خفي على الآخرين في مجال العقيدة.
وأما ما أعطاه الأئمة في مجال التشريع والفقه فنأتي بنموذج أو نموذجين فيه: عن عبد الأعلى آل سام قال قلت لأبي عبد الله الصادق (ع): عثرت فانقطع ظفري فجعلت على أصبعي مرارة، فكيف أصنع بالوضوء؟
قال (ع): (يعرف هذا وأشباهه من كتاب الله عز وجل. قال الله تعالى: ما جعل عليكم في الدين من حرج، امسح عليه) وعن زرارة قال قلت لأبي جعفر (ع): ألا تخبرني من أين علمت، وقلت: إن المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين؟ فضحك وقال: يا زرارة قاله رسول الله (ص)، ونزل به الكتاب من الله عز وجل لأن الله عز وجل يقول: فاغسلوا وجوهكم، فعرفنا أن الوجه كله ينبغي أن يغسل، ثم قال: (وأيديكم إلى المرافق) فَوَصَل اليدين إلى المرفقين بالوجه، فعرفنا انه ينبغي لهما أن يغسلا إلى المرفقين، ثم فصل بين الكلام فقال: (وامسحوا برؤوسكم) فعرفنا حين قال (برؤوسكم) أن المسح ببعض الرأس لمكان الباء، ثم وصل الرجلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه، فقال: (وأرجلكم إلى الكعبين) فعرفنا حين وصلهما (وصلها) بالرأس إن المسح على بعضهما بعضها) ثم فسّر ذلك رسول الله (ص) فضيعوه.
ثالثاً ـ الردع عن المتاجرة بكتاب الله بكل أنواعها:
وكان مما وقف منه أهل البيت (ع) موقفاً حازماً ومتميزاً هو عملية المتاجرة بالقرآن الكريم بجميع أقسامها، والدعوة إلى تعلم قراءة القرآن، وقراءته، وحفظه، والتدبر فيه بما أنه كتاب الله المنزل لهداية البشرية، وصوناً للقرآن من أن يصير إلى ما صارت إليه الكتب السماوية السالفة، ويقع المسلمون فيما وقع فيه أهل الكتاب من حملات الجبابرة والطواغيت على حساب كتبهم، وبواسطة القرآن، وكذا المتاجرة، بتلك الكتب، من خلال تحريفها، وتبديلها لقاء دراهم ودنانير وامتيازات مادية أو ما شابه ذلك.
ونسوق هنا نموذجاً واحداً من عشرات النماذج في هذا المجال تاركين التفصيل إلى فرصة أخرى، قال الإمام جعفر الصادق (ع): (مَن دخل على إمام جائر فقرأ عليه القرآن يريد بذلك عرضاً من عرض الدنيا لُعن القارئ بكل حرف عشر لعنات، ولُعن المستمع بكل حرف لعنة)
هذه هي مكانة القرآن الكريم عند أهل البيت عليهم السلام وهذا هو موقفهم من هذا الكتاب الإلهي وتعاملهم معه، وما أدرجناه هذا من أحاديث وأخبار لا تعدو نماذج وأمثلة، وبعبارة أخرى: غيض من فيض ليس غير.
على أن ما ذكر في هذا المقال ليس سوى إلمامات سريعة تحتاج إلى أبحاث مفصلة.

المصدر: مجلة رسالة القرآن، العدد الأول.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com