موقع الصراط ... الموضوع : العلاقة العضوية داخل الجماعات الاسلامية-6
 
السبت - 9 / ربيع الأول / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  العلاقة العضوية داخل الجماعات الاسلامية-6  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 26 / رمضان / 1433 هـ
     
  رابعاً: التفاهم والنقد والنصيحة:
النسغ الصاعد والنازل:
في الجماعة نسغ صاعد ونسغ نازل، والنسغ الصاعد قبل النسغ النازل، النسغ الصاعد على شكل التقارير والمناقشة، وإعطاء الرأي، والبحوث والدراسات الميدانية من قبل الدعاة، والنسغ النازل على شكل قرارات وتوجيهات ورؤى وتصورات، والنسغ النازل ينبغي ان يكون غالباً انعكاساً للنسغ الصاعد بعد اختزاله وتجميعه وطرح التطرفات منه، وضم بعضه إلى بعض وتصحيح وتسديد بعضه ببعض.
فإذن الرأي والقرار لا يتكون في الجماعات المنظمة، عندما نعمل عملاً أصولياً صحيحاً، بصورة عفوية واعتباطية، وإلاّ لم يكن للقرارات والرؤى في الجماعات المنظمة ميزة على الرؤى والقرارات الفردية، وليس المطلوب في الجماعة ان يتم أمر تنفيذ القرار وحمل التصور بصورة جمعية فقط، وإنما المطلوب قبل ذلك ان يتم أيضاً تكوين القرار والرؤية بصورة جمعية أيضاً، وذلك لأن آراء المجموعة أقرب إلى الاعتدال من رأي الفرد أو الأفراد.
وهذه الرؤى التي تتكون في القاعدة على شكل تقارير ومناقشات وأفكار، وتنتقل إلى القيادة، تنقل إلى القيادة خلاصة خبراتها وتجاربها واحتكاكها العملي في الساحة في الشؤون المختلفة التي ترتبط بالجماعة، فتكون أكثر واقعية وعملية من الرأي الذي يتولد ويتخرج في دائرة محدودة.
وأقرب الآراء إلى الواقعية والاعتدال والصواب هو الرأي الذي يتكون من خلال المعاناة والمباشرة الميدانية، فيتكون الرأي والقرار في مرحلتين: في المرحلة الأولى تتجمع التصورات المنبثقة عن الخبرة العملية والممارسة الميدانية والاحتكاك والمعاناة للأفراد، وفي المرحلة الثانية تتلاقح هذه الآراء وتتكامل ويصحح بعضها بعضاً، ويحذف منها التطرف، وتتعادل في رأي موحد يصدر من قبل الجماعة على شكل تصور ورأي في القضايا السياسية والاجتماعية، وهذا التصور أو القرار يعتبر حصيلة خبرات وتصورات وممارسات القاعدة، وهذه هي الولادة الطبيعية لأي قرار ورأي للجماعة المنظمة.
ولا يعني بالطبع أن أي قرار يصدر عن الجماعة يقطع هذا الشوط الزمني، فإن مبادئ القرارات والتصورات عندما تتكامل بهذه الصورة تستطيع القيادة أن تستقر على خط واضح في قراراتها ورؤاها وأدوارها.
وعليه فلا بد أن يمارس الداعية دوراً فعالاً في تكوين آراء الجماعة وتصوراتها السياسية والاجتماعية والتنظيمية وقراراته، وتساهم في مسيرة الجماعة بإيجابية كاملة ويأخذ ويعطي في داخل الجماعة، ويعتبر نفسه مسؤولاً بنسبة ما عن كل رأي أو تصور أو قرار يصدر من قبل الجماعة.
ولا يجوز أن يبقى الداعية بمعزل عن القرارات التي تتخذ في الجماعة على كل المستويات وأن يقتصر دوره في التنفيذ فقط.
وليس معنى ذلك بالطبع الاخلال في القرارات التي لا تنسجم مع قناعاته ورؤيته،إلاّ انه في نفس الوقت ينبغي ان يعرف حقيقتين اثنتين وهما:
أولاً: أن العضو العامل في الجماعة - مهما يكن مستواه - فهو مسؤول عن المساهمة في صياغة القرارات والرؤى التي تتبناه الجماعة من خلال الأفكار والتقارير التي يرفعها العضو للجماعة، ومناقشة الأمور مع المسؤولين انطلاقا من الحديث الشريف: (كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته) مع الاحتفاظ الكامل بموقعه التنفيذي بالنسبة للقرارات الصادرة.
وثانياً: إن قرارات الجماعة ورؤاها السياسية والاجتماعية لا يمكن ولا يجوز أن تشذ عن التصورات الإسلامية العامة والإطار الفكري والسياسي العام للأمة الإسلامية.
إن مجموعة تصورات العاملين والدعاة في أقطار الأرض من هذه الأمة المباركة الشاهدة وقيادتها، وفقهائها، وأفكارهم، وخبراتهم، وتجاربهم الميدانية تشكل الخطوط الرئيسية والعريضة لعمل الدعوة وقراراتها السياسية، ولا يمكن ولا يجوز أن يشذ قرار للدعوة أو رأي في أي مستوى تنظيمي أو سياسي أو ثقافي أو دعوى عن المبادئ الفكرية والعملية التي تشكل الجو الفكري والسياسي والخطوط العريضة للأمة الإسلامية.
ومهمة المحافظة على هذه المبادئ والخطوط الرئيسية تقع على عاتق الدعاة ومؤتمرات الدعوة، وليس لأي داعية عذر في التسامح في هذه المسؤولية الإسلامية المزدوجة:
أ - المساهمة في تكوين وصياغة الخطوط العامة التي تتحرك الدعوة ضمنها والتي تكون مبادئ عمل وقرار ورؤية القيادة.
ب - مراقبة مسيرة الدعوة وتحركها السياسي والاجتماعي والتنظيمي ضمن الخطوط السياسية والثقافية العامة للإسلام وللأمة الإسلامية، وهذه المساهمة والمراقبة هي التي تعطي الدعوة الإسلامية المباركة القدرة على الاستمرار والاستقامة في السير والاعتدال والتوازن في القرارات والنضج في الرأي والخبرة والتجربة في الحركة ضمن الأمة الإسلامية الكبيرة.
التعاطي في الرأي بين الدعوة والداعية:
وهنا نواجه مسألتين مهمتين:
كيف يعطي الداعية رأيه في شؤون الدعوة ؟
وكيف يتلقى المسؤولون آراء الدعاة ؟
والأداء الصحيح لهذين الدورين في الدعوة: دور العطاء والمناقشة من قبل الدعاة ودور الاستلام والتلقي من قبل المسؤولين يضمن سلامة عمل الدعوة.
فلنذكر أولاً: كيف ينبغي أن يقدم الداعية رأيه للدعوة؟
إن المناقشات والطروح الشفوية مع المسؤولين والتقارير الكتبية هي الطرق المألوفة التي يوصل الداعية صوته من خلالها إلى الدعوة.
وفي هذا الأمر ينبغي أن يراعي الأخوة الدعاة النقاط التالية:
1- أن لا تؤدي هذه الملاحظات والمناقشات والتقارير إلى إشاعة روح اليأس والسلبية في أجواء الدعوة ولا يكون التركيز دائماً على النقاط القائمة والسلبية في المسار.
إن الضرب على الأوتار السلبية في العمل يشيع روح اليأس في صفوف العاملين وهو أخطر شيء في أجواء العمل، وينبغي أن يكون الداعية على حذر كامل من المزالق التي يضعها الشيطان على طريق العاملين، ومن أخطر هذه المزالق أن تتحول المناقشات والتقارير والنقود إلى نغمات سلبية وأداة لإشاعة روح اليأس والقنوط من رحمة الله في صفوف الدعاة وأجواء العمل.
وليس هذا التحذير فضولاً من الكلام ونافلة من القول فإن الذين انزلقوا على هذا المنزلق من العاملين في سبيل الله كثيرون من الذين أراهم الشيطان عقبات الطريق ومتاعبه ومشاكله وأشواكه، وحجب عنهم رحمة الله تعالى وإمداده للعاملين، ونصره، وتأييده فغلب اليأس على نفوسهم وبلغ اليأس بهم حداً تركوا معه العمل واستمر الشيطان معهم حتى جعل منهم ناساً يبثون روح اليأس في المؤمنين ويثبطونهم عن العمل ويدعونهم إلى ترك العمل، وإخلاء الساحة فاستدرجهم الشيطان من اليأس إلى التثبيط أعاذنا الله جميعاً من وساوس الشيطان ومكره وكيده وخبثه.
فيجب على الدعاة أن يتمتعوا دائماً بروح الأمل المنفتحة والمبتهجة،ولا تتحول أصواتهم وتقاريرهم ومناقشاتهم إلى نغمات يائسة تبث اليأس في نفوس العاملين.
وليضعوا إلى جانب مشاكل العمل ومتاعب الطريق أمامهم رحمة الله الواسعة وتأييده ونصره وإمداده للمؤمنين، وان الله تعالى لن يتركنا لأنفسنا طرفة عين مادمنا مع الله، وان الله عز وجل يسد العجز ويجبر الكسر، ويكمل النقص ويقوم العوج ويكثر القلة مادمنا مؤمنين.
إن مسالك الشيطان إلى نفوس المؤمنين كثيرة، ومن أهم هذه المسالك اليأس عن روح الله ورحمته.
2- وليعلم الأخوة الدعاة أن هذه المشاكل التي تعترضهم على الطريق، والتي تعرقل دربهم هي جزء من سنن الله تعالى في حياة العاملين، لا بد من تحملها والصبر عليها، والاستعانة بالله تعالى في تجاوزها.
لقد شاء الله أن تكون حياة العاملين مليئة بالمتاعب والفتن وطريقهم حافلاً بالمشاكل والعقبات، واختلاف الأمزجة والأذواق والرغبات جزء من سنن الله تعالى في حياة الإنسان، والتغلب على هذه المتاعب لا يتم إلاّ بـ (الصبر والعمل) وليس بالنقد وتوجيه اللوم والعتاب والتعنيف والإلحاح في النقد، وبث روح اليأس في صفوف العاملين.
وليست هذه المشاكل والمتاعب مع الأعداء دائماً، وإنما في حقل العاملين وبين العاملين أنفسهم أيضاً، ولو كانت مشاكل الداعية تقتصر في صراعه مع الكافر والظالم لهان الأمر، ولكن الذي جرت عليه سنة الله تعالى في حياة العاملين أن تستهلك المشاكل التي تنجم بين المؤمنين والعاملين أنفسهم جزءاً كبيراً من أوقاتهم.. وهذا الابتلاء أشد من الابتلاء الأول، فإن المؤمن يبتليه الله بمواجهة الكافر والظالم فلا يتحرج المؤمن أن يرمي عدوه بكل كيد ومكر، ويسعى في محقه والقضاء عليه، ويتخذ لذلك كل الوسائل الممكنة.
وأما حينما يبتليه الله بخلاف بينه وبين أخيه المؤمن في الرأي والفهم أو الذوق والمزاج، ويبتليه بحسد أخيه المؤمن فيحسده، ولربما يكرهه فيقع في حرج شديد فيما يعمل، فهو أخوه على كل حال وقطعة منه، ومنه وإليه، ولا يستطيع أن يمكر به أو يكيد به، أو يقاطعه أو يهاجمه، أو يرد له الكيل بالكيل والصاع بالصاع، فيضطر أن يتخذ إليه كل ذريعة ممكنة من الإحسان والجدال بالتي هي أحسن، والتودد، والتحابب، ويتجنب مواجهته وتقريعه ومنابذته بكل وسيلة ممكنة.
وهذا من أعظم الحرج والابتلاء في حياة المؤمنين ومع ذلك فهو أمر قائم فيما بين المؤمنين ولا سيما في حقول العمل، وسنة جارية لله في حياة العاملين يمتحن الله تعالى به قلوب عباده الصالحين.
عن أبي عبد الله الصادق (ع) أنه قال لسماعة: (يا سماعة، لا ينفك المؤمن - لاحظ تعبير لا ينفك المؤمن - من خصال أربع: من جار يؤذيه، وشيطان يغويه، ومنافق يقفو أثره، ومؤمن يحسده.
ثم قال: يا سماعة، اما انه أشدهم عليه - يعني حسد المؤمن للمؤمن - من أشد هذه الابتلاءات.
قلت: كيف ذلك؟ قال: انه يقول فيه القول فيصدق عليه)
وليس من سبيل للقضاء التام على هذه الحالات داخل الحركة - أية حركة - إلاّ أن تخرج الحركة من سنن الله تعالى. نعم، لا بد من السعي لتخفيف هذه الحالات وتحجيمها، ولابد من تهذيب العناصر التي تغلب عليهم هذه الحالات، لئلاّ تعمق في نفوسهم هذه الحالة ولئلا تنتقل منهم العدوى إلى الآخرين.
إلاّ أن من الجنوح إلى المثالية والخيال أن نتصور أن تتجرد حركة - أية حركة - من هذه المشاكل والمتاعب في داخلها.
ولابد للداعية أن يتقبل مثل هذه الحالات من داخل الحركة الإسلامية بروح واقعية، وينبغي أن يتغلّب عليها بالحكمة والموعظة الحسنة، والتي هي أحسن من مسالك الإصلاح.
ولو أننا كنا نعيش في العصر الأول للدعوة أيام رسول الله (ص) المباركة، وهو أشرف خلق الله تعالى وأقربهم إلى الله، والأسوة الحسنة للمؤمنين، والمربي والمعلم الأول لوجدنا أن الدعوة في حياة رسول الله (ص) لم تسلم من مثل هذه المشاكل فيما بين المؤمنين والمسلمين الأوائل أنفسهم، وكان رسول الله (ص) يتحملها ويعالجها برفق وإحسان وسعة صدر.
في تلك الظروف الصعبة، وفي أيام الدعوة الأولى، كانت رياح المشاكل الداخلية تجتاح الدعوة، والدولة الإسلامية الناشئة بقسوة، وتضاعف من هموم ذلك القلب الكبير والصدر الذي شرحه الله بالإيمان.
ولقد كانت تحدث هذه المشاكل والمتاعب من قبل أقرب أصحابه إليه، بمرأى ومسمع منه (ص) ، بل كانت تحدث في داخل حرم بيته، وفيما بين زوجاته أمهات المؤمنين.
فكان (ص) يواجه هذه المتاعب بقلب اطمئن بذكر الله، وصدر شرحه الله للإيمان، وثقة لا تزعزعه العواطف، ووقار، وبعد نظر.
وهكذا في كل دعوة صادقة لله، في حياة أنبيائه ورسله وأوصيائهم وأتباعهم، كذلك كان ابراهيم، واسماعيل، وموسى، وعيسى، وأيوب، وذو الكفل، ويوشع، وذو النون، ويعقوب، ويوسف، ولوط، وزكريا، ويحيى (عليهم الصلاة والسلام) مع أقوامهم، ومع الذين آمنوا بهم وأسلموا.
ولقد رجع موسى (ع) من مناجاة ربه فوجد قومه من بني إسرائيل الذين أكرمهم الله به وأنقذهم من الجهل ومن ظلم فرعون وشق لهم البحر وأغرق أعداءهم، قد عادوا إلى جاهليتهم الأولى وعبدوا العجل، فلم ينسحب رسول الله موسى (ع) من دعوته ورسالته، ولم يعتزل قومه ولم يعدل عن عمله.
وقد كان رسل الله (ع) يتقبلون هذه الحالات الإنسانية في نفوس أصحابهم وأقوامهم بروح واقعية مطمئنة والحمد لله الذي لم يبتلنا بمثل هذه الحالات، فنحن لا نطيق الكثير منها، وان نفوسنا لتضيق بما هو دون ذلك، واقل من ذلك بكثير، إلاّ أن علينا أن نضع خطانا على مواضع خطاهم (ع)، وأن نجعل منهم (ع) قدوة لنا وأسوة، وان نعرف سنن الله تعالى في حياة الناس والمجتمع، والحركات، وفي نفوس الناس وان نكيّف أنفسنا بموجب هذه السنن، وان نتقبل هذه الحالات بالصبر والصلاة وبروح محمدية وعلوية.
ويلاحظ في تقارير الأخوة الدعاة ومناقشاتهم وهمومهم أن صدورهم تضيق كثيراً بمثل هذه الحالات وتثقل هذه الهموم قلوبهم فيطلبون ما ليس في الإمكان.
3- وليكن همّ الدعاة في تقاريرهم ومناقشاتهم إعطاء الحلول العملية لهذه المشاكل، وليس تكثير النقد وتكثيف المناقشات والاعتراضات، فان من السهل توجيه النقد إلى أية جهة عاملة، فلا بد أن ينصب اهتمام الأخوة الدعاة إلى الحلول بموازات النقد، ولا بد أن تكون هذه الحلول في حيز الممكنات ومن موقع المسؤولية.
ولابد أن يأخذ الداعية بنظر الاعتبار حينما يقدم حلاّ لأي مشكلة ظروف الدعوة وإمكاناتها وقدراتها الفعلية والمعادلات المعقدة التنظيمية والسياسية التي تتحرك ضمنها، ثم يفكر في الحل، وهذا هو الموقع المسؤول في تقديم النقد والحل، فإن الداعية عندما يستبطن موقع المسؤولين في الدعوة وفي ضمن الظروف والامكانات والملابسات الموجودة يكون أقرب إلى الواقعية فيما يطرح من حلول للمشاكل التي تواجهها الدعوة.
4- وينبغي أن يهتم الدعاة بأن لا تؤدي هذه المناقشات إلى وجود بلبلة في التنظيم في صفوف الدعاة فإن التقارير والمناقشات التي ترفع إلى الدعوة من غير القنوات التنظيمية تؤدي إلى إشاعة جو من البلبلة والفوضى في داخل التنظيم ويكشف للآخرين ما لا ينبغي ان يكشف لهم ويشوش عمل شبكات التنظيم في داخل الحركة.
وفيما يتعلّق بالتلقي وهو الطرف الآخر من المسألة:
على المسؤولين في الدعوة أن يدعوا الدعاة في الحلقات إلى مناقشة قضايا الحركة في كل جوانبها ويفسحوا لهم المجال لإعطاء آرائهم، ويطرحوا على الدعاة مشاريع الدعوة وأعمالها.
وعليهم أن يعودوا الدعاة على مناقشة القضايا السياسية، ومطارحة الأفكار والتصورات السياسية والاجتماعية ونقدها، وتكوين وبلورة الآراء السياسية، فإن الداعية لا ينمو إلاّ من خلال المحاولة والحركة، ولا يستطيع الداعية ان يخدم الحركة الإسلامية في مسيرها المتلاطم الصعب ما لم يتمرس على المناقشة، ومطارحة الأفكار، والتداول في الرأي، كما لا تنمو الحركة إلاّ من خلال تداول الأفكار وتبادل الآراء والخبرات.
عن الإمام الصادق (ع): (ما يمنع أحدكم إذا ورد عليه ما لا قبل له به أن يستشير رجلاً عاقلاً له دين وورع)
ومن غير الجائز ان تفرط الدعوة في مثل هذه الثروة النظرية من الخبرات والتجارب والآراء المنبثقة من الاحتكاك المباشر بالأوضاع والظروف الاجتماعية والسياسية، فان هذه الآراء والخبرات والتجارب التي تتكون في القاعدة هي النافذة المفتوحة التي تستطيع قيادة الحركة ان تطل منها على ساحة العمل وتكون من خلالها آرائها في السياسة والتنظيم والمجتمع.
حسن الإصغاء:
ومن المسائل التي ينبغي أن يولها المسؤولون اهتماماً بالغاً حسن الإصغاء إلى مناقشات الدعاة وتصوراتهم فان الإصغاء فن قائم بالذات وليس كل من يسمع إلى الطرف الآخر يستطيع أن يحسن الإصغاء، ويشعر المتكلم بإقباله عليه.
وقد كان من صفات رسول الله (ص) أن يصغي كثيراً ويتحدث قليلاً، وإذا أصغى إلى أحد أقبل عليه بوجهه.
وقد جعل الله تعالى الإصغاء مفتاحاً لحل كثير من المشاكل، فلربما يقدح الله تعالى في ذهن إنسان من عامة الناس ما لا ينقدح في أذهان المتمرسين على العمل، ولربما ينتبه الداعية من عامة الدعاة إلى قضية أساسية لا ينتبه إليها قادة الحركة وتغيب عنهم.
وإهمال مناقشات الدعاة وتقاريرهم وعدم الاهتمام بالإصغاء إلى أحاديث الدعاة يحجب عن الحركة الإسلامية آفاقاً من المعرفة، كان يمكن ان يفتحه الله تعالى على الحركة وقد كان أبو الحسن الرضا (ع) ربما شاور غلاماً من غلمانه فيقال له: (تشاور مثل هذا؟ فيقول: إن شاء الله ربما فتح على لسانه)
وحسن الإصغاء من مفاتيح القلوب كما هو من مفاتيح المعرفة، فإن الاهتمام بالمتكلم ورأيه، والإقبال عليه، والإصغاء له يكسب قلب الداعية ومشاعره وأحاسيسه للمسؤولين، كما يمكّن المسؤول من معرفة الأوضاع النفسية للداعية، ومن خلال هذه المعرفة يستطيع المسؤول أن يوجه الداعية ويبني شخصيته بناءً سليماً ويعالج المشاكل التي يعاني منها أحياناً.
ولأهمية مسألة (الإصغاء) في الدعوة لا بد أن نقف قليلاً عند ظاهرة سوء الإصغاء والإعراض عن أحاديث الدعاة ومناقشاتهم.
إن ظاهرة إهمال حديث المتكلم وعدم الإصغاء إليه ينشأ من أحد الأمرين: إما من يقين المسؤول برأيه، أو عدم احترام رأي الطرف الآخر، فقد يحمل الإنسان أحياناً وضوحاً في أمر من الأمور بدرجة كافية، فيمنعه هذا الوضوح من الإصغاء إلى الرأي المخالف، وكأنه قد فرغ من موازنة الأفكار المختلفة، وانتهى إلى نتيجة قطعية لا تقبل التشكيك والمناقشة، فلا يسمع إلى رأي آخر معارض لرأيه، ولا يفتح قلبه وصدره لأي مناقشة أو أي رأي معارض.
وقد يتسامح الإنسان في الإصغاء والإقبال على تفهم رأي الطرف الآخر وحديثه استهانة بصاحب الرأي.
وكلا الأمرين يحجبان الإنسان عن آفاق من المعرفة والفهم، وقد جعل الله تعالى مفاتيحها في الإصغاء وكما يحجبان الإنسان عن المعرفة كذلك يحجبانه ت عن قلوب الآخرين ومشاعرهم، فقد يطرح الإنسان قناعته على شخصين فيرد كل واحد منهما عليه، فيقتنع برد أحدهما ولا يقنع برد الآخر، ولا يكون الفرق في أسلوب الرد، وإنما في أسلوب الإصغاء فيكسبه أحدهما بالإصغاء، ثم يناقش رأيه فيقبل مناقشته، وينفّره الآخر بسوء الإصغاء فيناقشه فيتلقى مناقشته من موقع المواجهة فيرفضها.
ومسألة حسن الإصغاء وسوء الإصغاء دقيقة للغاية، وقد لا ينتبه المسؤول إلى وضعه مع الدعاة من حيث الإقبال على أحاديثهم والإصغاء إليهم إلاّ بعد التنبيه والتدقيق.

وبعد فهذه هي بعض أصول وقواعد الصيغة الصحيحة والسليمة للعلاقة العضوية داخل الجماعة الإسلامية، باعتبارها شريحة من الأمة الإسلامية الكبيرة.
إن العلاقة داخل الجماعة الإسلامية الجماعية تشبه الطيف الشمسي في تعدد عناصره، فإذا اختل عنصر واحد من هذه العناصر تختل العلاقة ويختل عمل الجماعة ودورها.
إن الحالة الصحية داخل الجماعة الإسلامية تتطلب أن تكون العلاقة قائمة على أساس من (التحابب في الله) و(الثقة) و(الطاعة) و(الانفتاح).
فلا بد من التحابب في الله لتكتسب العلاقة الجماعية القدرة على الاستمرار، وتنغلق به المنافذ التي من خلالها ينزغ الشيطان في قلوب المؤمنين، ويثير فيها الحساسيات.
ولا بد من الثقة، فمن دونها لا تكون العلاقة فاعلة، ولن تكون طاعة حقيقية، ولا تلتحم أجزاء التنظيم التحاماً حقيقياً صادقاً.
ولا بد من الطاعة فإن جوهر التنظيم هو الطاعة، ومن دون الطاعة يختل التنظيم، ولا يبقى معنى للعمل الجمعي. ولا بد أن تكون هذه الثقة والطاعة قائمة على أساس من القناعة والفهم والتفاهم وتبادل الآراء والمناقشة.
وبهذه التركيبة الخاصة تكون العلاقة داخل الجماعة علاقة سليمة، وذات أثر فعال في بناء الجماعة داخلياً، وفي دور الجماعة ورسالتها في المجتمع.
((رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ))
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com