موقع الصراط ... الموضوع : من أنوار سيرة أمير المؤمنين-10
 
الجمعة - 7 / ذي القعدة / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  من أنوار سيرة أمير المؤمنين-10  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 26 / رمضان / 1433 هـ
     
  الكاتب: الشيخ جميل الربيعي
ما أن تسلم الإمام علي (ع) عرش الخلافة, صعد المنبر، وخطب قائلاً: (إن الله تعالى أنزل كتاباً هادياً بين فيه الخير والشر، فخذوا بالخير, ودعوا الشر، إن الله حرم حرما غير مجهولة، وفضل حرمة المسلم على الحرم كلها، وشد بالإخلاص والتوحيد حقوق المسلمين، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده إلا بالحق، لا يحل لمسلم أذى مسلم إلا بما يجب، بادروا أمر العامة، وخاصة أحدكم الموت، فإن الناس أمامكم، وإنما خلفكم الساعة تحدو بكم فتخففوا تلحقوا، فإنما ينتظر بالناس أخراهم، اتقوا الله عباده في عباده وبلاده، فإنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم، ثم أطيعوا الله ولا تعصوه، وإذا رأيتم الخير فخذوا به، وإذا رأيتم الشر فدعوه ((وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ))، فلما فرغ من خطبته قال المصريون:
خذها إليك واحذرن أبا الحسن * إنا نمر الأمر إمرار الرسن
صولة آساد كآساد السفن * بمشرفيات كغدران اللبن
ونطعن الملك بلين كالشطن * حتى يمرن على غير عنن
فقال علي (ع) مجيباً لهم:
إن عجزت عجزة لا أعتذر * سوف أكيس بعدها واستمر
أرفع من ذيلي ما كنت أجر * وأجمع الأمر الشتيت المنتشر
إن لم يشاغبني العجول المنتصر * أو يتركوني والسلاح يبتدر)
ومن هنا بدأت المؤامرات تحاك في الظلام ؛ لإثارة الفتن من قبل المناوئين له, والذين اشتركوا في المؤامرة الكبرى في إبعاده (ع) عن المنصب الذي نصبه الله فيه, وجاء دور تنفيذ ما ر سم في السقيفة كما أخبر بذلك معاوية في كتابه لمحمد بن أبي بكر رضي الله عنه قائلاً: (... فقد كنا وأبوك معنا في حياة من نبينا نرى حق ابن أبي طالب لنا لازما, وفضله علينا مبرزا، فلما اختار الله لنبيه ما عنده, وأتم له وعده وافلج حجته, وأظهر دعوته، قبضه الله إليه، فكان أبوك - وهو صديقّه- وعمر وهو فاروقه- أول من أنزله منزلته عندهما فدعواه إلى أنفسهما فبايع لهما لا يشركانه في أمرهما, ولا يطلعانه على سرهما حتى مضيا وانقضى أمرهما...)
ولنقف عند بعض الأمثلة لبيان أشكال المواجهة لدولة الإمامة الوليدة تواً, لعرقلة مسير الإصلاح. فلنقرأ مواقف بعض الصحابة:
أولاً: طلحة والزبير: لقد بايع طلحة والزبير, وكانا أول الطامعين في الخلافة, وكان في أيديهما من المال والعقار, مالا يعد ولا يحصى. يقول العقاد: (فطلحة والزبير... كانا يخوضان في المال ولا يفهمان الزهد والعلم على سنة الناقمين ... فَعِلّةَ طلحة والزبير الذَّين ثاروا على علي (ع) ليطلبوه بدم عثمان, وهم لم يدفعوا عنه في حياته بعض ما دافع عنه علي (ع), وقد كان عثمان كثيراً ما يقول: (ويلي من طلحة أعطيته كذا وكذا ذهباً, وهو يروم دمي. اللهم لا تمتعه به ولقه عواقب بغية) وقال وهو في الحصار: (اللهم اكفني طلحة فإنه حمل عليَّ هؤلاء وألبهم علي َّ‍ والله إني لأرجو أن يكون منها صفرا, وأن يسفك دمه)
وقد منع طلحة الماء عنه, وتدخل الإمام أمير المؤمنين (ع) وأرسل إليه (أن دع الرجل يشرب من مائه, ومن بئره, ولا تمنع عنه الماء فأصر طلحة على موقفه, فأوصل إليه الماء كما جاء في رواية أنساب الأشراف للبلاذري)
قال أبو جعفر: (وكان لعثمان على طلحة بن عبيد الله خمسون ألفا، فقال طلحة له يوما : قد تهيأ مالك فاقبضه، فقال: هو لك معونة على مروءتك، فلما حصر عثمان، قال علي (ع) لطلحة: أنشدك الله إلا كففت عن عثمان! فقال: لا والله حتى تعطي بنو أمية الحق من أنفسها. فكان علي (ع) يقول: لحا الله ابن الصعبة! أعطاه عثمان ما أعطاه وفعل به ما فعل!)
كما روى المؤرخون: (أنه لما تعسر على المحاصرين الدخول عليه من باب الدار أخذ بهم طلحة إلى دار لبعض الأنصار فأصعدهم سطحها وتسوروا منها على دار عثمان ونزلوا إليه وقتلوه)
وأما الزبير فلم يكن أقل شدة على عثمان من طلحة؛ وكان يقول وعثمان في الحصار: (اقتلوه فقد بدل دينكم، فقالوا له: إن ابنك يحامي عنه بالباب فقال: ما أكره أن يقتل عثمان ولو بدئ بابني، إن عثمان لجيفة على الصراط غدا)
فطلحة والزبير كانا رؤوس الفتنة في القضية, وكانا أكثر من يؤلب على عثمان، وكانا يخططان لإثارة الحرب على علي (ع), يقول العقاد: (وربما كان أشدهم طلباً لها طلحة والزبير اللذان أعلنا الحرب على علي (ع) بعد ذلك ... فقد كانا يمهدان لها في حياة عثمان, ويحسبان أن قريش قد أجمعت أمرها أن لا يتولاها هاشمي, وإن علياً وشيكاً أن يذاد عنها بعد عثمان كما ذيد عنها من قبله)
وفي تذكرة الخواص: (انهما بعد البيعة لم يلبثا إلا يسيراً حتى دخل عليه طلحة والزبير , فقالا: يا أمير المؤمنين, إن عيالنا كثير, وأرضنا شديد, فقال: ألم أشرط أنني لا أعطي أحداً دون أحد)
وفي رواية أخرى أنهما حينما ذهبا ليتسلّما حصتهما من بيت المال, دفع الموزع لهما كما دفع لبقية المسلمين, فاعترضا عليه, وقالا: (ليس هكذا كان يعطينا عمر، فهذا منكم أو عن أمر صاحبكم؟ قالوا: بل هكذا أمرنا أمير المؤمنين (ع)، فمضيا إليه فوجداه في بعض أمواله قائما في الشمس على أجير له يعمل بين يديه، فقالا: ترى أن ترتفع معنا إلى الظل؟ قال: نعم، فقالا له: إنا أتينا إلى عمالك على قسمة هذا الفيء، فأعطوا كل واحد منا مثل ما أعطوا سائر الناس، قال: وما تريدان؟ قالا: ليس كذلك كان يعطينا عمر، قال: فما كان رسول الله (ص) يعطيكما؟ فسكتا، فقال: أليس كان (ص) يقسم بالسوية بين المسلمين من غير زيادة ؟ قالا: نعم. قال: أفسنة رسول الله (ص) أولى بالإتباع عندكما أم سنة عمر؟ قالا: سنة رسول الله (ص) ، ولكن يا أمير المؤمنين لنا سابقة وغناء وقرابة، فإن رأيت أن لا تسوينا بالناس فافعل، قال: سابقتكما أسبق أم سابقتي؟ قالا: سابقتك، قال: فقرابتكما أقرب أم قرابتي؟ قالا: قرابتك، قال: فغناؤكما اعظم أم غنائي؟ قالا: بل أنت اعظم غناء , قال: فوالله ما أنا وأجيري هذا في هذا المال إلا بمنزلة واحدة، وأومئ بيده إلى الأجير الذي بين يديه)
وراحا يعملان بطريق آخر تبرز فيه المطالب الذاتية مغلفة بقميص عثمان يقول ابن كثير الدمشقي: (ولما استقر أمر بيعة علي دخل عليه طلحة والزبير ورؤوس الصحابة رضي الله عنهم، وطلبوا منه إقامة الحدود، والأخذ بدم عثمان. فاعتذر إليهم بأن هؤلاء لهم مدد وأعوان، وأنه لا يمكنه ذلك يومه هذا، فطلب منه الزبير أن يوليه إمرة الكوفة ليأتيه بالجنود، وطلب منه طلحة أن يوليه إمرة البصرة، ليأتيه منها بالجنود ؛ ليقوى بهم على شوكة هؤلاء الخوارج، وجهلة الأعراب الذين كانوا معهم في قتل عثمان رضي الله عنه فقال لهما: مهلا علي، حتى انظر في هذا الأمر)
ولما لم يجدا مخرجاً آخر أتيا إليه (ع) يطلبان الرخصة في الخروج إلى العمرة فأذن لهما, وقال لبعض أصحابه: (والله ما أرادا العمرة، ولكنهما أرادا الغدرة. فلحقا عائشة بمكة فحرضاها على الخروج، فأتت أم سلمة بنت أبي أمية، زوج رسول الله، فقالت: إن ابن عمي وزوج أختي أعلماني أن عثمان قتل مظلوماً، وأن أكثر الناس لم يرض ببيعة علي، وأن جماعة ممن بالبصرة قد خالفوا، فلو خرجت بنا لعل الله أن يصلح أمر أمة محمد على أيدينا؟)
وحاولت إقناعها بالخروج, فقالت لها أم سلمة: (وقد علمت أن عمود الدين لا يثبت بالنساء إن مال، ولا يرأب بهن إن انصدع، حماديات النساء غض الأبصار وضم الذيول، ما كنت قائلة لرسول الله (ص) لو عارضك بأطراف الجبال والفلوات، على قَعود من الإبل، من منهل إلى منهل، إن بعين الله مهواك، وعلى رسول الله (ص) تردين، وقد هتكت حجابه الذي ضرب الله عليك، وتركت عُهيداه. ولو أتيتُ الذي تريدين، ثم قيل لي ادخلي الجنة لاستحييت أن ألقى الله هاتكة حجاباً قد ضربه عليَّ، فاجعلي حجابك الذي ضرب عليك حصنك، فابغيه منزلاً لك حتى تلقيه، فإن أطوع ما تكونين إذا ما لزمته، وأنصح ما تكونين إذا ما قعدت فيه، ولو ذَكَّرْتُكِ كلاماً قاله رسول الله (ص) لنهشتِني نهش الحية ، والسلام)
وحاولت أم سلمة أن تثنيها عن الخروج بكل وسيلة إلا أنها أصرت ولم تقتنع بقولها حيث سيطر عليها الحقد على علي (ع) فكتبت إلى أم سلمة قائلة: (ما أقبلني لوعظك، وأعلمني بنصحك، وليس مسيري على ما تظنين، ولنعم المطلع مطلع فَزعتْ فيه إليَّ فئتان متناجزتان، فإن أقدر ففي غير حرج، وإن أخرج مالي ما لا غني بي عن الازدياد منه، والسلام)
وعقدت عائشة مؤتمراً ضم المجموعة الأساسية من أنصارها (وتداولوا فيما بينهم الآراء وعائشة من وراء سترها تنصت, ولا يغيب عنها حرف... والقلق ينهب قلبها خشية أن ينتهي بهم النقاش إلى خلاف ويجر إلى التخاذل)
وضم المؤتمر طلحة, والزبير, ومروان, ويعلي بن منبه, وابن عامر, وسعيد بن العاص (وذكروا أنه لما اجتمع طلحة والزبير وذووهما مع عائشة، وأجمعوا على المسير من مكة، وأتاهم عبد الله بن عامر، فدعاهم إلى البصرة، ووعدهم الرجال والأموال، فقال سعيد بن العاصي لطلحة والزبير: إن عبد الله بن عامر يدعوكما إلى البصرة، وقد فر من أهلها فرار العبد الآبق، وهم في طاعة عثمان، ويريد أن يقاتل بهم عليا, وهم في طاعة علي، وخرج من عندهم أميرا، ويعود إليهم طريدا, وقد وعدكم الرجال والأموال، فأما الأموال فعنده، وأما الرجال فلا رجل.
فقال مروان بن الحكم: أيها الشيخان، ما يمنعكما أن تدعوا الناس إلى بيعة مثل بيعة علي فإن أجابوا كما عارضتماه ببيعة كبيعته، وإن لم يجيبوكما عرفتما ما لكما في أنفس الناس.
فقال طلحة: يمنعنا أن الناس بايعوا عليا بيعة عامة، فبم ننقضها؟ وقال الزبير: ويمنعنا أيضا من ذلك تثاقلنا عن نصرة عثمان، وخفتنا إلى بيعة علي.
فقال الوليد بن عقبة: إن كنتما أسأتما فقد أحسنتما، وإن كنتما أخطأتما فقد أصبتما، وأنتما اليوم خير منكما أمس.
فقال مروان: أما أنا فهواي الشام، وهواكما البصرة، وأنا معكم، وإن كانت الهلكة. فقال سعيد بن العاص: أما أنا فراجع إلى منزلي. فلما استقام أمرهم، واجتمعت كلمتهم على المسير, قال طلحة للزبير: إنه ليس شيء أنفع, ولا أبلغ في استمالة أهواء الناس من أن نشخص لعبد الله بن عمر، فأتياه, فقالا: يا أبا عبد الرحمن، إن أُمنا عائشة خفت لهذا الأمر، رجاء الإصلاح بين الناس، فاشخص معنا، فإن لك بها أسوة، فإن بايعنا الناس فأنت أحق بها. فقال ابن عمر: أيها الشيخان، أتريدان أن تخرجاني من بيتي، ثم تلقياني بين مخالب ابن أبي طالب؟ إن الناس إنما يخدعون بالدينار والدرهم, وإني قد تركت هذا الأمر عيانا في عافية أنالها , فانصرفا عنه.
وقدم يعلى بن منبه عليهم من اليمن، وكان عاملاً لعثمان، فأخرج أربع مائة بعير، ودعا إلى الحملان.
فقال الزبير: دعنا من إبلك هذه، وأقرضنا من هذا المال، فأقرض الزبير ستين ألفا، وأقرض طلحة أربعين ألفا، ثم سار القوم.
فقال الزبير: الشام بها الرجال والأموال، وعليها معاوية، وهو ابن عم الرجل، ومتى نجتمع يولنا عليه.
وقال عبد الله بن عامر: البصرة، فإن غلبتم عليا فلكم الشام، وإن غلبكم علي كان معاوية لكم جُنَّة، وهذه كتب أهل البصرة إليَّ.
فقال يعلى بن منبه، وكان داهية: أيها الشيخان، قدرا قبل أن ترحلا أن معاوية قد سبقكم إلى الشام وفيها الجماعة، وأنت تقدمون عليه غدا في فرقة, وهو ابن عم عثمان دونكم، أرأيتم إن دفعكم عن الشام، أو قال: اجعلها شورى، ما أنتم صانعون؟ أتقاتلونه أم تجعلونها شورى فتخرجا منها؟ وأقبح من ذلك أن تأتيا رجلا في يديه أمر قد سبقكما إليه، وتريدا أن تخرجاه منه.
فقال القوم: فإلى أين؟ قال: إلى البصرة، فقال الزبير لعبد الله بن عامر: من رجال البصرة؟ قال: ثلاثة، كلهم سيد مطاع، كعب بن سور في اليمن، والمنذر بن ربيعة في ربيعة، والأحنف بن قيس في مضر)
فكتب طلحة والزبير إلى بعض شخصيات البصرة يستنصرهم.
وهكذا خرجت عائشة على دولة الحق والعدل بتلك الحجج الواهية, وهي تعلم علماً يقيناً أن ذلك يغضب الله ورسوله وتريد (تسديد الضربة أولاً إلى القلب فتتداعى بعده سائر الأعضاء, وتخف لو جنحت بقية الأمصار في الدولة الإسلامية إلى الخضوع)
فنادى مناديها: (ألا إن أم المؤمنين مقيمة، فأقيموا, وأتاها طلحة والزبير وأزالاها عن رأيها وحملاها على الخروج، فسارت إلى البصرة مخالفة على علي، ومعها طلحة والزبير في خَلق عظيم, وقدم يعلى بن منبه بمال من مال اليمن قيل: إن مبلغه أربعمائة ألف دينار، فأخذه منه طلحة والزبير فاستعانا به، وسارا نحو البصرة) ولا زال طلحة والزبير يحرضان عائشة حتى وقفت على جملها وراحت تخاطب الناس, قائلة:
(يا أيها الناس، إن الغوغاء من أهل الأمصار, وأهل المياه, وعبيد أهل المدينة اجتمعوا على هذا الرجل المقتول ظلما بالأمس, ونقموا عليه استعمال من حدث سنه - وقد استعمل أمثالهم من قبله- ومواضع الحمى حماها لهم فتابعهم, ونزع لهم عنها, فلما لم يجدوا حجة, ولا عذرا بادروا بالعدوان, فسفكوا الدم الحرام, واستحلوا البلد الحرام, وأخذوا المال الحرام, والله لإصبع عثمان خير من طباق الأرض أمثالهم!!)
مع أنها كانت تنادي المسلمين في محضر عثمان, وهو يخطب في المسجد, رافعة قميص رسول الله (ص): (يا معشر المسلمين، هذا جلباب رسول الله (ص) لم يُبْل، وقد أبلى عثمان سنته! فقال عثمان: رب اصرف عني كيدهن إن كيدهن عظيم)
بل مشى إليها مروان, وقال: (يا أم المؤمنين، لو قمت فأصلحت بين هذا الرجل, وبين الناس؟ قالت: قد فرغت من جهازي، وأنا أريد الحج, قال: فيدفع إليك بكل درهم أنفقته درهمين قالت: لعلك ترى أني في شك من صاحبك؟ أما والله لوددت أنه مقطع في غرارة من غرائري، وإني أطيق حمله، فأطرحه في البحر)، وكانت تقول: (اقتلوا نعثلاً فقد كفر)، ونعثل اسم لرجل من بقايا يهود المدينة كان قذراً مفسداً.
وحين التقت بابن عباس قالت له: (إياك أن ترد عن هذا الطاغية, وان تشكك فيه الناس فقد بانت لهم بصائرهم, وانهجت, ورفعت لهم المنار, وتحلبوا من البلدان لأمر قد جم، وقد رأيت طلحة بن عبيد لله قد اتخذ على بيوت الأموال والخزائن مفاتيح، فان يل يسر بسيرة ابن عمه أبي بكر)
واحتج عليها ابن أم كلاب فقالت: (إنهم استتابوه, ثم قتلوه, وقد قلت وقالوا, وقولي الأخير خير من قولي الأول, فقال لها ابن أم كلاب:
منك البداء ومنك الغير * ومنك الرياح ومنك المطر
وأنت أمرت بقتل الإمام * وقلت لنا إنه قد كفر
فهبنا أطعناك في قتله * وقاتله عندنا من أمر
ولم يسقط السقف من فوقنا * ولم ينكسف شمسنا والقمر
وقد بايع الناس ذا تدرأ * يزيل الشبا ويقيم الصعر
ويلبس للحرب أثوابها * وما من وفى مثل من قد غدر)
هذا موقف طلحة والزبير وعائشة من بيعة الإمام علي (ع), وأما معاوية بن أبي سفيان الذي بقي متربصاً لم ينصر عثمان رغم استغاثته به, وطلبه منه أن ينقذه مما هو فيه من حراجة الموقف, (فكتب إلى معاوية يسأل تعجيل القدوم عليه، فتوجه إليه في اثني عشر ألفا، ثم قال: كونوا بمكانكم في أوائل الشام، حتى آتي أمير المؤمنين لأعرف صحة أمره، فأتى عثمان، فسأله عن المدة، فقال: قد قدمت لأعرف رأيك، وأعود إليهم فأجيئك بهم, قال: لا والله، ولكنك أردت أن أقتل فتقول: أنا ولي الثأر ارجع، فجئني بالناس! فرجع، فلم يعد إليه حتى قتل)
هذا هو موقف معاوية الحقيقي ينتظر قتل عثمان بن عفان؛ ليتخذه ذريعة في محاربة الإمام علي (ع) وإثارة الفتنة عليه؛ ولهذا ما أن وصل إليه النعمان بن بشير, ومعه قميص عثمان مضمخ بدمه, ومعه أصابع نائلة (فوضعه معاوية على المنبر؛ ليراه الناس، وعلق الأصابع في كم القميص, وندب الناس إلى الأخذ بهذا الثأر والدم وصاحبه، فتباكى الناس حول المنبر، وجعل القميص يرفع تارة، ويوضع تارة، والناس يتباكون حوله سنة، وحث بعضهم بعضا على الأخذ بثأره، واعتزل أكثر الناس النساء في هذا العام، وقام في الناس معاوية وجماعة من الصحابة معه يحرضون الناس على المطالبة بدم عثمان، ممن قتله من أولئك الخوارج)
ولما نال معاوية مرامه, واستولى على مقدرات المسلمين, وأصبح هو الآمر الناهي أعرض عن المطالبة بدم عثمان وتناساه, فقد نقل المؤرخون أن (قدم معاوية المدينة فدخل دار عثمان, فقالت عائشة ابنة عثمان: وا أبتاه! وبكت, فقال معاوية : يا ابنة أخي، إن الناس أعطونا طاعة, وأعطيناهم أمانا، أظهرنا لهم حلما تحته غضب! وأظهروا لنا طاعة تحتها حقد، ومع كل إنسان سيفه، وهو يرى مكان أنصاره، وإن نكثنا بهم نكثوا بنا، ولا ندرى أعلينا تكون أم لنا! ولان تكوني بنت عم أمير المؤمنين خير من أن تكوني من عرض المسلمين!!)
يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com