موقع الصراط ... الموضوع : مع الدعاء في شهر رمضان
 
الخميس - 6 / جمادي الثاني / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  مع الدعاء في شهر رمضان  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 26 / رمضان / 1433 هـ
     
  بقلم: آية الله العلامة السيد محمد حسين فضل الله
في شهر رمضان المبارك، شهر القرآن والعبادة والتقوى، نلتقي بالدعاء كأحدِ الشعائر العبادية التي أرادها الإسلامُ-في هذا الشهر- لنشارك في خلق الأجواء الروحية التي يبني فيها الإنسانُ شخصيته بين يديّ الله.
وقد كان الدعاء -في شرائع السماء القديمة- صلاة المؤمنين، تربطهم بالله من دون أن يُصاحبها شيءٌ مِمّا تعارفنا عليه الآن، حتى ارتبطت كلمة الصلاة بمفهومه في اللغة العربية. ولسنا هنا لنؤرّخ للدّعاء أو لنبحث مواسمه، بل نحنُ هنا في محاولة سريعة- وفي أجواء شهرِ الله الأعظم- للتعرّف على فلسفته من جهة، وعلاقة الدعاء كقيمةٍ روحيةٍ بحياتنا من جهةٍ أخرى، لنخرج من كلِّ ذلك بالفكرة التي تربط العبادة بالحياة عندما تربط الحياة بالله.

الحاجة إلى الدعاء:
إنَّ الدعاء حاجة ذاتية طبيعية للإنسان المؤمن بالله يحسّ بها في داخله تماماً كما يُحسُّ بلذعة الجوع عند حاجته إلى الطعام، وحرارة العطش عند حاجته إلى الماء، فهو جوع الإنسان للحنان وللسلام الذي يملأ قلبه بالحياة وروحه بالنور.
فهناك حالات يشعر الإنسانُ فيها- أمام قسوة الحياة وضغط المشاكل وتراكم الأزمات الداخلية والخارجية- أنّه بحاجةٍ إلى التعبير عن الآلام التي تمزّق ذاته والمشاعر التي تجيش بنفسه، من دون أن يجرح كبرياءه أو يهدر كرامته.
وهنا يأتي دور الدعاء الذي يسمح للإنسان ولا سيّما في شهر رمضان المبارك-بأن يتنفّس بكرامةٍ ومحبّةٍ وللروح أن تنطلق بعزّة وحنان، فيفتح قلب الإنسان على ربّه وينطلق بروحه إلى الله حيث السلام والطمأنينة، والحياة الوادعة الرضيّة المطمئنة التي تجعل الإنسان يغفو على هدهدات الأمل، عبر لفتاتِ الرحمة ونبضات الرضوان.
إنّ الإنسان يتحوّل- آنذاك- إلى طفلٍ في روحه، يعيش طفولة الروح بكلّ بساطتها وصفائها وعفويتها، عندما يجلس بين يدي الله في إيمان محبّب وديع واثق بالفوز، مطمئن للفرج.
إنّه يبكي ويشكو ويتألم، ويطلب ويستعطف، ويلحّ في الطلب والاستعطاف، ويمارس شتّى الأساليب التي تمثّل مظهر الضعف الذي يربطه بمصدر القوة المطلقة، ليستمدّ منه القوة على مواجهة عقبات الحياة.
إنّه ضعف المخلوق أمام خالقه، الضعف الوحيد الذي يشعرُ معه الضعيف بالاعتزاز، والزهو بضعفه عندما يقف أمام القويّ.
وهكذا كان الدعاء، عامل تجديد لقوة الحياة في الإنسان ليلاً يختنق بين قسوة مشاكله وضغط كبريائه، فيتحوّل إلى إنسانٍ منهار أو معقد.

علاقة الدعاء بحياتنا الخاصة والعامة:
أمّا الجانب الثاني من الحديث فهو علاقة الدعاء بحياتنا العامة والخاصة فنستطيع أن نفهمه إذا استعرضنا لمحة من الأدعية المأثورة عن أئمة أهل البيت (ع)، لنرى كيف ساهمت بالإيحاء بالمعاني الخيرة، والخروج بالدعاء عن أن يكون مجرّد عبادة روحية خالصة لا ترتبط بالحياة من قريب أو بعيد، إلى عبادة تحاول أن تجعل من أجواء الروح طريقاً لتهذيب أجواء المادّة.
ومن المعاني التي نستحضرها في شهر الله الأعظم، شهر رمضان ومن خلال روحية الأدعية المأثورة:
أ‌- تحمّل المسؤولية:
الشعور بالمسؤولية تجاه الجانب السلبي من تصرّفات الإنسان، تماماً كما هو الجانب الإيجابي منه. وقد نلمحُ ذلك واضحاً في بعض فقرات دعاء الإمام زين العابدين (ع) في الاعتذاء عن تبعات العباد والتقصير في حقوقهم:
"اللّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِنْ مَظْلوُمٍ ظُلِمَ بِحَضْرَتِي فَلَمْ انَصُرْهُ وَمِنْ مَعْروفٍ أُسْدِيَ إِلَيَّ فَلَمْ أَشْكُرْهُ، وَمِنْ مُسيءٍ اعْتَذَرَ إِلَيَّ فَلَمْ أَعْذِرْهُ، وَمِنْ ذي فاقَةٍ سَألَنِي فَلَمْ أوُثِرْهُ، وَمِنْ حَقِّ ذي حَقٍّ لَزِمَنِي لِمُؤْمِنٍ فَلَمْ أُوَفِّرْهُ،وَمِنْ عَيْبِ مُؤمِنٍ ظَهَرَ لي فَلَمْ أَسْتُرْهُ، وَمِنْ كُلِّ إِثْمٍ عَرَضَ لي فَلَمْ أَهْجُرْهُ، أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ يا إِلهِي مِنْهُنَّ وَمِنْ نَظَائِرِهِنَّ اَعْتِذارَ نَدامَةٍ يَكُونُ واعِظاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنْ أَشْباهِهِنَّ..."
إنّنا نجد من خلال هذه الفقرات، في الموقف السلبي تجاه حالات الظلم والحرمان والمعروف ونحوها، فالإمام وبلسان الإنسان عامة يتحدث عن خطيئة ينبغي للإنسان أن يعتذر منها- كما يعتذر من سائر خطاياه- لأنّ الموقف السلبي يتحوّل إلى موقف إيجابي لمصلحة الظالم ضدّ مصلحة المظلوم، ويؤدي إلى زهد أهل المعروف بالمعروف، وإلى غير ذلك من الحالات التي لا يجوز للإنسان أن يقف فيها موقف الحياد أو اللامبالاة في أيّ مظهر من مظاهر الحياة التي تتمثّل في معركة الصلراع بين الخير والشرّ.
ب‌- استمداد العون الإلهي:
الاستعانة بالله على محاربة غريزة الظلم والاعتداء على الآخرين، بالروح نفسها التي يطلب فيها الاستعانة به على دفع ظلامة الآخرين، وقد نلمحُ ذلك في فقرات متفرّقة من الصحيفة السجادية:
"اللهمّ فكما كرهت لي أن أَظْلِمَ فقني من أن أُظلَم".
"اللهمّ اكسرْ شهوتي عن كلّ مأثم، وأَزِد حرصي عن كلّ محرم، وامنعني عن أذى كلّ مؤمن ومؤمنة، ومسلم ومسلمة".
إنّه يستعدي قدرة الله على نفسه، ويستعطفها بلسان الإنسان عامة أن تحمي الآخرين من نزوات قوّته ومن نزعات أنانيته. إنّه يبلغُ قِمّة السموّ الإنساني عندما يرفض الظلم من نفسه كما يرفضه من الآخرين، انسجاماً مع الفكرة التي ترفض الظلم من نفسه كما يرفضه من الآخرين، انسجاماً مع الفكرة التي ترفضُ الظلم كمبدأٍ من دون النظر إلى طبيعة الظالم أو شخصية المظلوم، ومع الفكرة الدينية التي تقول: "أحْبِبْ لأخيكَ ما تُحِبُّ لنفسك واكرهْ له ما تكره لها" فلا تظلم كما لا تحبّ أن تُظلم..
ت‌- مواجهة العقد:
التركيز على حقيقة إنسانية ترى الظلم نتيجة طبيعية لعقدة الضعف، تتحكّم في الظالم فتدفعه إلى التنفيس بالانتقام من المظلوم. الأمر الذي يجرّد الظالم من وهم العظمة الذي يحاول أن يحيط به نفسه... فالله لا يظلم لأنّه قويّ، أمّا الآخرون فإنّهم يظلمون لأنّهم يخافون الناس ويخافون الحق..
ث‌- الاندماج الروحي:
الإيحاء بضرورة الاندماج الروحي بالطبقات المحرومة من الفقراء والمساكين، والتعاطف معهم كخُلُقٍ ذاتيّ، تنطلق فيه الممارسة من محبّة النفس الذاتية لا من طبيعة الواجب المفروض من أعلى ثمّ الانسجام معهم بالسيطرة الدائمة الواعية على الانفعالات النفسية التي تحدث للإنسان من خلال اصطدامه بإطارهم الضيّق الذي يجعلهم يفقدون الكثير من أصول اللياقة واللباقة تبعاً لقسوة ظروفهم وخشونة واقعهم.
وهو ما يُعبّر عنه معنى الدعاء: "اللهم حبِّب إليَّ صحبة الفقراء، وأعنّي على صحبتهم بحسنِ الصبر".
ج‌- محاربة الكسل:
الإيحاء الذاتي للمؤمن بأنّ البيئة التي يسودها الكسل وتنتشر فيها البطالة تبعده عن الله، كما تبعده عن الحياة الجادة الهادفة، الأمر الذي ينبغي له معه أن يرفض تلك البيئة ويتحوّل إلى بيئة أخرى يسودها العمل والجد والاجتهاد، كما نجده في دعاء شهر رمضان المبارك في تعداد الأسباب التي تبعد عن الله: "أو لعلّك رأيتني آلَفُ مجالس البطالين فبيني وبينهم خليتني".
ح‌- مكارم الأخلاق:
التركيز على تغيير الانحراف في أخلاق الإنسان، سواء أكان الانحراف في داخل النية، فيتمثّل في التغيير في تحوّلها إلى نيّات طيّبة، أم كان في طبيعة العلاقات الإنسانية التي ترتكز على الرغبة والرهبة، فيتمثّل في تغييرها إلى علاقات ترتكز على أساس الكفاءة الذاتية والقيمة الواقعية. وسنجد كلَّ ذلك متمثّلاً في دعاء مكارم الأخلاق.
خ‌- التوازن الذاتي:
الإصرار على المحافظة والإلحاح على مراقبة النوازغ الداخلية في النفس، لإبقائها على طبيعة التوازن الذاتي وعدم السماح بطغيان العوامل الخارجية التي تتمثّل في المدح الذي يُكال للإنسان من دون حِساب، وللجاه الذي يحصل عليه، أو العزّة التي ينالها نتيجة أعماله وأخلاقه:
"اللهم لا ترفعني في الناس درجةً إلا حططتني عند نفسي مثلها، ولا تحدث لي عزاً ظاهراً إلا أحدثت لي ذلةً باطنة عند نفسي بقدرها.."
د‌- خطّ الاستقامة:
الحث والتأكيد على المحافظة على الحقّ مع الأولياء والأعداء عدم الانحراف مع تيار العاطفة، في إخضاع السلوك للعواطف والأغراض الشخصية والنزعات الطارئة:
"اللهم وارزقني التحفظ من الخطايا، والاحتراس من الزلل في الدنيا والآخرة في حال الرضا والغضب، حتى أكون بما يرد علي منهما بمنزلة سواء، عاملاً بطاعتك، مؤثراً لرضاك على ما سواهما في الأولياء و الأعداء، حتي يأمن عدوّي من ظلمي وجوري، ويأيس وليِّي من مَيْلي وانحطاط هواي".
وبعد فهذه نماذج من الأدعية الإسلامية التي لم يحاول منشئوها أن يجعلوا الإنسان يبتعد بها عن حياته، بل حاولوا أن يشدّدوا معها على صلته بالحياة، ويرشدوه إلى المجالات التي يستطيع أن ينتبه فيها إلى مواضع الخطأ فيصلحها، وإلى مواطن الانحراف فيصحّحها وإلى زيغ النيات فيخلّصها من الشوائب. الأمر الذي يجعلنا نستوحي منها الفكرة التي تقول: إنّ الإسلام يريد من المسلم أن لا يصرِف بوجهه عن حياته حتى وهو بين يديّ الله، بل يريدُ منه أن يندمج بالحياة بكلّ قوة. يجسّد كلّ إرادات الله وكلّ تعاليمه التي تغدو الأرض معها جنّة مصغّرة، نتعلّم فيه كيف نمارس نعيم الله في الدنيا، قبل أن نعيش معه في الآخرة.
وفي ختام الحديث، نريد للإنسان المسلم في هذا الشهر المبارك أن ينطلق مع هذه الأجواء التي تمثّل السموّ في الأخلاق والروح والفكر، ليحلّق بأجنحة الإيمان إلى المدى الذي يلتقي فيه بمعاني المحبّة والتسامح والتعاون وبناء الحياة على أساس الإيمان، من أجل مواصلة السير في طريق الله، طريق الحياة الرّضية المرضية الوادعة المطمئنّة التي لا تستجيب إلاّ للنور، ولا تنطلق إلاّ مع الخير، حياة الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com