موقع الصراط ... الموضوع : أساليب التبليغ-6
 
الثلاثاء - 5 / شوال / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  أساليب التبليغ-6  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 30 / رمضان / 1433 هـ
     
  ثالث عشر: أسلوب ضرب الأمثال:
إنّ من أفضل أساليب تفهيم الناس موضوعاً ما ــ وخاصّة أولئك الّذين لا يتمتّعون بدرجة ثقافية كافية ــ الاستفادة من ضرب الأمثال المحسوسة والمناسبة لذلك المجتمع، حيث يعايش الناس تلك المسائل أكثر من غيرها، ويدركونها بحواسّهم الظاهرية إدراكاً أكيداً، خلافاً للمسائل العقلية الّتي يحتاجون في فهمها إلى استعمال الذهن الوقّاد.
أهمّيّة أسلوب ضرب المثل:
يُعتبر أسلوب ضرب المثل من أساليب القرآن الكريم الهادفة إلى إيضاح الكثير من المعاني والمجرّدات وتقريبها إلى الناس، باستخدام أساليب بيانية وتشبيهات محسوسة من واقع الناس، والمناسبة لبيئتهم ومجتمعهم.
ومن هنا يولي الله عزّ وجلّ هذه المسألة اهتماماً خاصّ, فالقرآن الكريم مليء بالأمثال المبسَّطة وعلى اختلافها عسى أن تبعث الناس على التفكُّر والتذكُّر، قال الله تعالى: ((وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ))
((وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ))
ويدلُّ على تنوُّع تلك الأمثال، الآيات العديدة الّتي نزلت في ذلك الصدد، وسوف نشير إلى بعضها، وإلى ذلك يشير قوله عزّ وجلّ: ((وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ))
ومن الملفت للنظر، أنّ الله عزّ وجلّ يضرب الأمثال بدءاً من أصغر الموجودات، وهو درس ينبغي للمبلِّغ أن لا ينساه، قال تعالى:.. ((إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا))
نماذج الأمثال القرآنية ومواصفاتها:
دوافع الإنفاق ونتائجه: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ))
الشاهد: يشبّه القرآن الإنفاق الّذي يصاحبه الرياء والمنّة والأذى بطبقة خفيفة من التربة تغطي صخرة صلدة لا نفع فيها، فإذا سقط المطر كشف التراب عن تلك الصخرة وأظهر حقيقتها وكذلك الذي ينفق رياء يكشف بمنّته وإيذائه للفقير عن خبث سريرته ومرضه، فالظاهر حسن إلا أنّ الباطن لا نفع فيه.
والنتيجة: والله لا يهدي القوم الكافرين: أي سيسلبهم الله التوفيق والهداية لأنّهم أقدموا على المنّة والأذى، ومثل هؤلاء لا يليقون بالهداية.
الحثُّ على الإنفاق: ومن ناحية أخرى، يشبِّه تعالى إنفاق الأموال في سبيله بالسنابل:.. ((مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ))
وفي آيةٍ أخرى يضرب الله عزّ وعلا مثل هوان الدنيا وعدم قيمتها:. ((وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا))
وأيّ مثال أبلغ ممّا ضرب الله عزّ وجلّ مثلاً لبيان عدم نفاد كلماته تبارك وتعالى:.. ((قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا))...
ومن جملة الأمثال، المثل المتعلّق باليهود:.. ((مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا))
وتَكْثر في القرآن الكريم الاستفادة من ضرب الأمثال بالأمور الطبيعية والمتوفّرة في كلّ حين، ولدى كلِّ واحد، كطلوع الشمس وغروبها..
ويُشبِّه تعالى وجوده جلّت عظمته بالنور: ((اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ))
إنّ المبلِّغ يستطيع الاستفادة من هذه الأمثال، وكذلك الأمثال الواردة في الروايات الشريفة، وعلى سبيل المثال نذكر بعضها:
الصلاة مثلها كمثل نهر جار على باب أحدكم، تغسل الأدران...
إحياء الناس يوم القيامة، كإحياء الشجر والعشب في الربيع..
ومن القرآن قوله تعالى: ((وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ))
وقوله عزّ وجلّ: ((فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ))
إنّ كثيراً من المسائل يُمكن تبسيطها وتقريبها للفهم بالاستفادة من أسلوب ضرب الأمثال، وهنا نذكر بعض الأمثلة على ذلك أيضاً:
الموت والحياة كالنوم واليقظة.
المرأة بدون الحجاب، كالجوهرة غير المصونة، أو كالثمرة البارزة غير المخبأة بالأوراق!!
السيطرة على الغرائز، كالسيطرة على الغاز، فإذا كان في مسيره الصحيح تحوَّل إلى نور يُضيء وحرارة تُعطي الدفء، وإلّا كانت النتيجة الانفجار والدمار.
هل يعقل أن يخاطر الإنسان بدخول جهنّم خالداً فيها، من أجل بضع سويعات يقضيها في اللذَّات المحرّمة؟!
إنّ مثل هكذا شخص كمثل شخص يقتلع حدقة عينه في دقيقة واحدة، ويقضي بقية عمره أعمى!!

رابع عشر: أسلوب الاستفادة من الفنون:
حيث إنّ طبيعة الإنسان تأنس بالفنّ وتنفُر من المواضيع الجافَّة والروتينية, فينبغي ـ ومن أجل تبليغ المسائل الدِّينيّة ـ الاستفادة من الأساليب الفنيّة والإيحاء غير المباشر.
واليوم، في بلاد العالم المتطوّر، أصبح ذلك العمل أمراً طبيعياً ومقبولاً، فالمستعمرون ومن أجل الوصول إلى أهدافهم المشؤومة لا يقومون بالدعوة إلى أفكارهم بشكل مباشر، بل يدعون إليها بشكل غير مباشر, بحيث يجذبون الناس إليهم بسرعة. وإنّه لممّا يبعث على التأسُّف والأسى أنّ الكفّار جدِّيّون تماماً في طرح أفكارهم المنحرفة، فيستفيدون لذلك من جميع الإمكانات المتوفّرة كالأفلام والمسارح والرسم والنحت والخطّ والهندسة المعمارية وما شابه ذلك ممّا تختصره كلمة "الفنّ"، وهم بذلك يُحكمُون أسس الكفر، بينما نلاحظ في عالم المسلمين أنّ هذه الأمور لا تتمتّع بما يجب من الاهتمام فصار تبليغنا منحصراً بفنّ الخطابة. والحال أنَّ الخطابة - والمقصود هنا الخطابة المشتملة على جميع ظروف النجاح - ليست سوى إحدى الوسائل، وحيث إنّها أسلوب مباشر فإنّ أثرها يقلّ عن أثر الأسلوب غير المباشر.
اليوم تقوم البلاد الغربية والمتموِّلون الفاسدون وبالاستفادة من الوسائل الفنيَّة "بخطف" أفكار الشباب حتّى صاروا ينحرفون بسرعة، تماماً كما حدث على يد السامريّ الّذي "خطف" أفكار الناس وحوَّلها عن عبادة اللَّه تعالى بوسيلة بعض المعادن البرَّاقة، فضلَّل الناس بها مدَّعياً أنّها إله موسى عليه السلام: ((فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ))
عن أمير المؤمنين عليه السلام: "ردُّوا الحجر من حيث جاء فإنّ الشرّ لا يدفعه إلاَّ الشرّ..."
بعد الثورة المباركة في إيران حصل اهتمام خاصّ بمثل الفنون المذكورة، إضافة إلى الاهتمام بفنون القصص وكتابة المسلسلات التمثيلية والشعر وغير ذلك ممّا يفيد في عملية التبليغ.
غير أنّ ذلك الاهتمام لم يكن بدرجة كافية. وإنّه لممّا يليق أن يقوم بعض طلّاب العلوم الدِّينيّة من الّذين توجد لديهم الاستعدادات الكافية بتعلّم تلك الفنون بشكل جدِّي أكثر على أمل أن يستفاد منها في العملية التبليغيّة.
إنّ من أحد الأساليب الفنيَّة "أسلوب التمثيل" وسنرى نماذج منه في تعامل أولياء اللَّه عزّ وعلا مع الآخرين:
أ - نقرأ في القرآن الكريم كيف أنّ الله عزّ وعلا أرسل غراباً يُعلّم قابيل كيفية مواراة أخيه، وفي ذلك استفادةٌ من أسلوب التمثيل حيث راح الغراب ينكت الأرض: ((فَبَعَثَ اللّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ))
ب - ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "صلّوا كما رأيتموني أصلّي".
ج - وهذا أمير المؤمنين عليه السلام ومن أجل تذكير أخيه عقيل بنار جهنّم، أحمى حديدة وقرَّبها من يده. د - والإمامان الحسن والحسين عليهما السلام استفادا من أسلوب التمثيل لإلفات نظر ذلك الرجل إلى كون وضوئه غير صحيح، فراحا يتوضّئان أمامه ثمّ طلبا منه أن يحكم بينهما، فعلم أنّه هو كان على خطأ في وضوئه.
هـ - والإمام الباقر عليه السلام، ومن أجل بيان حقيقة وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قام وتوضّأ أمام الناس.
و - وفي زماننا هذا نشهد نوعاً من تمثيل واقعة عاشوراء، والّذي يُعدُّ أحد سبل بقاء تاريخ عاشوراء حيّاً بيننا.
من الواضح أنّ الاستماع إلى موضوع معيّن لو انضمّ إلى رؤية تفاصيل معيّنة حول ذلك الموضوع، لكان الأثر مضاعفاً، ما ينتج الاطمئنان القلبيّ لدى الآخرين.
فهذا خليل الله إبراهيم عليه السلام يطلب من ربّه تبارك وتعالى أن يُريه كيف يُحيي الموتى "ليطمئنّ قلبه": ((إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي))
وهذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن أجل توضيح موضوع ما، يصنع مقدِّمات خاصّة، كقوله لأصحابه وقد كانوا جميعاً في صحراء قاحلة لا يظهر فيها سوى التراب: اجمعوا حطباً... وبعد أن جمعوا الحطب من كلّ ناحية، قال صلى الله عليه وآله وسلم: "هكذا تجتمع الذنوب الصغيرة...".

خامس عشر: أسلوب القَصَص:
من جملة الأساليب الفنيَّة، أسلوب القصّة. وقد أولى القرآن الكريم هذا الأسلوب اهتماماً خاصّاً: ((وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ...)).
إنّ قَصَص القرآن الكريم أحسن القصص. وفي القرآن ما يقرب من 268 قصّة: ((نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ...)). وقصص القرآن الكريم تتمتّع بقيمة خاصّة، وذلك لأنّها حقٌّ وواقع وليس فيها من الخيال شيءٌ، ولها جاذبية خاصّة، وهي متنوّعة تشتمل على المواضيع الفلسفية والحقوقية والاجتماعية وغير ذلك، وهي فوق كلّ هذا تبعث على التفكُّر:
((...فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ...)).
((...لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي...)).

سادس عشر: أسلوب تحقير المتكبِّرين وجعلهم يعترفون بالحقّ:
لقد هيّأ الله جلّ وعلا لعباده كثيراً من النعم المادّية والمعنوية، وجعل لهم في ظلّ دينه عدّة امتيازات لا ينكرها لهم عاقل مهما كان مشربه.
وعلى ذلك ينبغي للمبلِّغ جعل المتكبّرين والمعاندين يعترفون بذلك الحقّ المتعلِّق بتلك النعم والامتيازات غير القابلة للإنكار، ثمّ يدعوهم إلى إطاعة صاحب تلك النعم العظمى وتلك الامتيازات. وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك المعنى في قوله تعالى: ((قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ...)).
نعم، فهذه الأمور ممّا لا يمكن لأحد أن يفرّ من التسليم والاعتراف بها.
وكذلك خلق السموات والأرض وتسخير الشمس والقمر ممّا يخرج عن كلِّ قدرةٍ غير قدرة الله تبارك وتعالى: ((وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ)).
فإذا لم يعترف المتكبّرون بهذه الحقائق واستمرّوا في طغيانهم وغرورهم، فقد وجب تحقيرهم وإذلالهم، ليعلموا أن لا قيمة لهم أصلاً وأنّهم لا يقدرون على منع الرسل الإلهيين من مواصلة عملهم التبليغيّ.
وهذا الأسلوب نستفيده من بعض الآيات القرآنية الشريفة: مثل:
((...بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ...))
((...ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً...))
((...صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ...))
وقد استعمل الله عزّ وجلّ تعابير مختلفة في وصف الكفّار المتكبّرين، فشبَّههم مرّة ببعض الحيوانات تحقيراً لهم: ((فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ * فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ ))
((أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ))
وأخرى يُحقّرهم بإعلانه عن كونه غنيّاً عنهم:
((فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ...))
وثالثة يُحقِّرهم بإعلانه أنّه غني عمّا لديهم من أموال مهما عظُمت:
((هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ * يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ))
والتأكيد على أنّ العزّة لله ولرسوله وللمؤمنين، ليس إلا تحقيراً للكفَّار:
((وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ...))
وفي بعض الآيات يأمر الله عزّ وجلّ رسوله الكريم بعدم المبالاة بأولئك المتكبرين.
((فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ)).
((وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا...)).
ومن الطبيعيّ أن نلفت النظر إلى أنّ الكافرين يسعون دائماً إلى تحقير المؤمنين، ولذلك ينبغي الوقوف بوجههم وتحقيرهم.
مثلاً: عن لسان رؤساء قوم نوح عليه السلام:
((فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ...)).
وقالوا في موضع آخر:
((مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ...))
وكان يصنع السفينة، فيسخر منه قومه:
((وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ...))
يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com