موقع الصراط ... الموضوع : القرآن الكريم، أهمية دوره وكيفية التفاعل معه
 
الأربعاء - 4 / ربيع الثاني / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  القرآن الكريم، أهمية دوره وكيفية التفاعل معه  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 30 / رمضان / 1433 هـ
     
  بقلم: الشيخ محسن الأراكي
تؤكد النصوص الإسلامية في الكتاب والسنة على المركزية والمرجعية العليا للقرآن بالنسبة إلى الوجود الإسلامي في نظامه وتشريعه وسياسته وكل ما ينطوي عليه.
فالقرآن هو القاعدة التي يرتكز عليها كل البناء الإسلامي بكافّة تفاصيله وجزئياته، ولابدّ لكل حكم أو أمر أن ينتهي في منابعه ومنطلقاته إلى القرآن وليكون إسلامياً ومشروعاً من وجهة النظر الإسلامية.
قال تعالى: (ما فرطنا في الكتاب من شيء). (الأنعام/ 38).
وقال تعالى: (وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوه لعلكم ترحمون). (الأنعام/ 155).
وقال تعالى: (ولقد جئناهم بكتاب فصّلناه على علم هدى ورحمةً لقوم يؤمنون). (الأعراف/ 52).
وقال تعالى: (والذين يمسّكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المحسنين). (الأعراف/ 170).
وقال تعالى: (ما كان حديثاً يُفترى، ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيءٍ وهدىً ورحمةً لقوم يؤمنون).
وقال تعالى: (وما أنزلنا عليك الكتاب إلاّ لتبين لهم الذي اختلفوا فيه). (النحل/ 64).
وقال تعالى: (ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدىً ورحمة وبشرى للمسلمين). (النحل/ 89).
وقال تعالى: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم). (الإسراء/ 9).
وقال تعالى: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً قيماً). (الكهف 1 ـ 2).
وقال تعالى: (وإنه لكتاب عزيزٌ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد).
وقال تعالى: (إنه لقولٌ فصلٌ وما هو بالهزل). (الطارق/ 13، 14).
فهذه الطائفة من النصوص القرآنية المباركة نشير إلى نقاط ثلاث:
الأولى: أن القرآن يحوي على كل ما تحتاجه البشريّة على مرّ الأزمنة والعصور وأنه تبيان كل شيء وتفصيل كل شيء. وأنّه لم يفرّط فيه من شيء، فهو يتكفل لإنسان الأرض بكل ما يبلغ به غاية الهناء ويلبّي له كلّ متطلباته بأحْسن وجه.
الثانية: وجوب التطبيق الكامل الدقيق لمبادئ القرآن ودساتيره وتوجيهاته ونظمه وإن من الإلزام المحتمّ على كل مسلم أن يجري في سلوكه وحياته العملية خلْف الهدى القرآني وفي ضوء التوجيهات القرآنية، فاتباع القرآن والتمسك به من أولى الفرائض الإسلاميّة وأهمّها.
الثالثة: أن الطريق القرآني طريق لا عوج فيه ولا غموض، بل هو طريق يشعّ بأنوار الهُدى، واضح المسالك، مُعَبَّدُ الموطىء، قصير المدى، فهو الأقوم، وهو البريق الخالص عن كل باطل وزيغ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ومن هذا ينتج لنا أن القرآن العظيم هو النّبع الذي تنبثق منه كل المفاهيم الإسلامية والتشريعات والدساتير والنظم والمبادئ والأفكار التي تشكل الهيكل العام للشريعة الإسلامية.
وقد أكد الرسول الأعظم على مصدرية القرآن ومرجعيته التي أشرنا إليها وواصل أهل البيت عليهم السلام التأكيد على ذلك ودعوة المسلمين إلى الرجوع إلى القرآن والتمسّك به.
فقد روى عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) : ((كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، هو الذي من تركه قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، فهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة))(1).
وقال إمام المتقين علي عليه السلام: ((واعلموا أنّ هذا القرآن هو الناصح الذي لا يغشُّ، والهادي الذي لا يضل، والمحدّث الذي لا يكذب ـ إلى أن يقول ـ فكونوا من حرثته وأتباعه، واسْتدلوه على ربّكم، واستنصحوه على أنفسكم، واتّهموا عليه آراءكم، واستغشوا فيه أهواءكم))(2).
وقال عليه السلام: ((فالقرآن آمر زاجر، وصامت ناطق، حجّة الله على خلقه أخذ عليهم ميثاقه وارتهن عليه أنفسهم، أتمّ نوره، وأكمل به دينه وقبض نبيه صلى الله عليه وآله وقد فرغ إلى الخلق من أحكام الهدى به))(3).
وقال الإمام الصادق عليه السلام: ((إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب الله فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فردّوه))(4).
وعنه أيضاً : ((ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف))(5).
كل هذا وغيره كثير من أحاديث أهل البيت المؤكدة على هذه المصدرية العليا والمرجعيّة التي يحتلّها كتاب الله بالنسبة للدين الإسلامي.
وينتج من هذه المصدريّة التي يستمتع بها كتاب الله أن يكون هو المقياس الأوّل والأعظم لقيمة الأفكار والآراء والمفاهيم فكل مفهوم وآيّة فكرة إنما تتحدّد قيمتها وتأخذ حظّها من الخطأ والصواب في المنطق الإسلامي بمقدار ما توافق كتاب الله وتنسجم من مبادئه وبما تواكب أهدافه ومقاصده.
وهذه الحقيقة تعني أن يكون كتاب الله ضماناً حقيقياً لتابعيه ومتمسّكيه والمستضيئين بنوره من الانحراف أو الضلال والزيغ.
فما دام كتاب الله مُحاطاً برعاية السّماء مصوناً عن عبث الأهواء وتلاعب الأغراض فمن سار في موكبه واعتصم بحبله واستمسك بعروته فهو آمن من التّيه والضلال مطمئن من التردّي والانزلاق.
التفاعل مع القرآن:
وقد خلصنا من الموضوع السابق إلى نتيجة أن القرآن هو النقطة المركزيّة في الإسلام، التي تشدّ إلى نفسها المهتدين بهديها والمتبّعين لأمرها وتحفظهم من كل مسّة شيطانيّة وبهذا أصبح القرآن القوة العظمى التي يبقى ببقائها الإسلام.
ونودّ أن ننتقل من هذا إلى حديث مقتضب عن هذا الانشداد إلى القرآن والاتّباع المطلق له مما هو أقرب الوسائل وأيسرها إلى تحصيله والذي أشار أئمة الإسلام وقادته إليه.
ولا شك أن هذا الإتباع والانقياد إنما يحصل في أيسر طرقه بالاقتراب المتزايد من كتاب الله والانتهال من نبعه الصافي ومورده العذب.
وأفضل سبل هذا الاقتراب والارتشاف من معين القرآن هو التفاعل الحقيقي مع كتاب الله والمواكبة الصادقة مع وحي السماء.
وتعني بالتفاعل معه الامتزاج مع القرآن وامتزاج القرآن مع الإنسان روحاً وعقلاً وعاطفة وعملاً وهدياً وسُلُوكاً.
فالتفاعل في واقعه هو أن تتأثر بالأثر الذي يريده القرآن أن يخلّفه في الوجود الإنساني فإن كانت الآية آية عقاب فحقيقة التفاعل معها هي أن نعيش هذه الآية مضمونها ومعناها بأرواحنا وعقولنا وجسومنا وإن كانت الآية آية أمر وتوجيه فسنستشعر بقلوبنا حين قراءتها وتلاوتها برد الخضوع لله والتسليم المطلق له وإنْ كانت الآية آية إنذار وردْع ونهي فنطوي بضمائرنا على التزام الارتداع ونضمر لله كمال الخلوص والانقياد.
ومن الطبيعي أن تنعكس هذه الأحاسيس والالتزامات القلبيّة الخالصة على سلوك القارئ وعلى أعضائه وجوارحه ما دام ذلك التأثر تأثراً واقعياً حقيقياً وذلك الانقياد انقياداً خالصاً عن شوائب الأهواء بريئاً من علائق النزعات.
وقد دعا قادة الإسلام جماهير المؤمنين إلى هذا التفاعل والانسجام مع القرآن وأكدّوا عليه وجسّدوا في كلماتهم وتوجيهاتهم معاني التسليم والانقياد والتفاعل الحقيقي مع كتاب الله. وفيما يلي نصوص من أئمة أهل البيت تتجلى في خلالها حقيقة التفاعل القرآني.
قال أمير المؤمنين علي عليه السلام في خطبته حول وصف المتقين:
((أما الليل فصافّون أقدامهم تالين لأجزاء القرآن يرتّلونه ترتيلاً، يحزنون به أنفسهم، ويستثيرون به دواء دائهم فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعاً، وتطلّعت نفوسهم إليها شوقاً، وظنوا أنها نصب أعينهم، وإذا مروا بآية. فيها تخويف، أصْغَوا إليها مسامع قلوبهم وظنّوا أن زفيرها وشهيقها في أصول آذانهم))..
فلنطالع قوله عليه السلام: ((يستثيرون به دواء دائهم)) لنفْهم كيف أن الذين سموا في مدارج التّقى وارتفعوا في سماء النهى غاروا وتوغّلوا في عالم القرآن فاستنطقوه أسرار الحياة واستوهبوه دواء معضلاتهم الكبرى وكيف أنهم طالعوا القرآن لا ككلمات يمرون بها ويلقون نظرة عابرة عليها وإنما نظروا إلى القرآن كمشاهد ماثلة أمامهم وعوالم متجسّدة فيما حولهم فنار القرآن ليست نار الكلمة وإنما هي نار الزفير والشهيق، وجنّة القرآن ليست هي جنّة العبادة وإنما هي جنّة الأشواق التي تطير إليها نفوس المتقين وتحلّق في أجوائها أرواح المؤمنين.
وتتجسّد صورة رائعة أخرى لهذا التفاعل في كلام الإمام زين العابدين عليه السلام في المأثور عنه في ختم القرآن:
((اللهم صلّ على محمد وآله واحطط بالقرآن عنّا ثقل الأوزار وهب لنا حُسْن شمائل الأبرار، واقفُ بنا آثار الذين قاموا لك به آناء الليل وأطراف النهار، حتّى تطهّرنا من كل دَنَس بتطهيره وتقفوا بنا آثار الذين استضاءوا بنوره، ولم يُلههم الأمَلُ عن العمل فيقطعهم بخُدع غروره.
اللهم صل على محمد وآله واجعل القرآن لنا في ظُلم الليالي مؤنساً من نزغات الشيطان، وخطرات الوساوس حارساً، ولأقدامنا عن نقلها إلى المعاصي حابسا، ولألسنتنا عن الخوض في الباطل من غير ما آفةٍ مخرساً، ولجوارحنا عن اقتراف الآثام زاجراً، ولما طَوَت الغفلة عنا من تصفُّح الاعتبار ناشراً، حتى توصل إلى قلوبنا فهم عجائبه وزواجر أمثاله التي ضعفت الجبال الرواسي عن احتماله))(6).
في هذه المقاطع البليغة تجسْمت أمامنا صورة رائعة من التفاعل القرآني، ذلك التفاعل الذي ينفذ إلى أعماق الروح والنفس البشريّة فيغسل عنها دَرَن الوساوس والشكوك وأقذار الانحرافات ودنس المعاصي ثم تنعكس على جوارح الإنسان القرآني فتحبس قدمه عن أن تطأ مسالك المعاصي، ولسانه عن الخوض في الترّهات والأباطيل، وتمسك بأعضائه عن أن ترد موارد الآثام.
وقد أكد الإسلام على هذا التفاعل تأكيداً بليغاً وقد وردت عن الرسول وأئمة أهل البيت نصوص تحثّ بإصرار على قراءة القرآن بروح التفاعل والتفاهم. فقد روي عن الصادق عليه السلام أنه قال:
((إن رسول الله أتى شباباً من الأنصار، فقال: إني أريد أن أقرأ عليكم فمن بكى فله الجنّة، فقرأ آخر الزمر: وسيق الذين كفروا إلى جهنّم زمرا… إلى آخر السورة، فبكى القوم جميعاً إلاّ شاباً، فقال: يا رسول الله، قد تباكيت فما قطرت عيني، قال إني معيد عليكم فمن تباكى فله الجنة، فأعاد عليهم فبكى القوم، وتباكى الفتى، فدخلوا الجنّة جميعاً))(7).
وعن علي بن أبي حمزة، قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال له أبو بصير: جعلت فداك: أقرأ القرآن في شهر رمضان ليلة؟ فقال: لا، قال: ففي ليلتين؟ فقال؛ لا، فقال ففي ثلاث؟ فقال: ها، وأشار بيده، ثم قال: يا أبا محمد: ((إنّ لرمضان حقاً وحرمة لا يشبهه شيءٌ من الشهور، وكان أصحاب محمد صلى الله عليه وآله يقرأ أحدهم القرآن في شهر أو أقل إنّ القرآن لا يقرأ هذرمة، ولكن يرتّل ترتيلاً، وإذا مررت بآية فيها ذكر الجنّة فقف عندها وسل الله الجنّة، وإن مررت بآية فيها ذكر النار فقف عندها وتعوذّ بالله من النار))(8).
وقد خلصنا من هذا الاستعراض إلى أن التفاعل القرآني هو الذي يجسدّ في الواقع جوهر الاتّصال بالقرآن وهو الذي تتحقق به مصدريّة القرآن ومركزيته في صورتها الإسلامية المطلوبة.
الاتصال بالقرآن:
عرفنا في الأحاديث السابقة ما يتمتع به القرآن في الإسلام من محورية ومركزيّة وعرفنا أن القرآن إنما يقول يقوم بهذا الدور المحوري في كيان الفرد المسلم إذا تفاعل هذا مع كتاب الله وأعطى من نفسه لكتاب الله ما يريد.
وإذا كان هذا التفاعل غير ممكن دون أن يتصّل الفرد المسلم بكتاب الله وإن تخلق بينهما مناسبات تمهّد أرضيّة التأثر بكتاب الله في نفس المسلم وتفتح في كيان المؤمن نوافذ وأبواب تنفذ منها أضواء الهداية القرآنية وأنوار الوحي السماوي إلى قلبه وروحه وعقله، إذا كان ذلك لا يتم إلاّ بأنْ يتّصل الفرد المسلم بكتاب الله فقد خلق الإسلام مناسبات وطرقاً شتى لهذا الاتصال والارتباط بالقرآن، وفيما يلي أهم الطرق والمناسبات التي خلقها الإسلام في المجتمع المسلم للإنشداد إلى القرآن والاتّصال به.
الطريق الأول: تلاوة القرآن، وقد تتابعت توصيات قادة الإسلام على تلاوة القرآن وقراءته وبلغ التأكيد على ذلك من قبلهم مبلغاً عظيماً فقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وآله: من قرأ مائة آية لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ مائتي آية كتب من القانتين، ومن قرأ ثلاثمائة آية لم يحاجّه القرآن(9).
وعن الصادق عن آبائه عليهم السلام عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): ((من كان القرآن حديثه، والمسجد بيته، بنى الله له بيتاً في الجنة))(10) وفي بعض ما أوصى به النبي (صلى الله عليه وآله) أبا ذر: ((عليك بتلاوة القرآن وذكر الله كثيراً فإنه ذكر لك في السماء ونورٌ لك في الأرض))(11).
ولأجل أن تكون قراءة القرآن مولّدة للأثر المطلوب وموجدة للتفاعل بأكبر قدر ممكن فقد وردت النصوص تؤكد على نوع أو أنواع خاصة من القراءة وتفضله على الأنواع الأخرى، فالقراءة في المصحف مثلا أفضل بكثير من القراءة عن ظهر القلب، فقد روى عن إسحاق بن عمار: قلت لأبي عبد الله: جعلت فداك إني أحفظ القرآن عن ظهر قلب فاقرأه عن ظهر قلبي أفضل، أو أنظر في المصحف؟ قال: فقال: ((لا، بل اقرأه وانظر في المصحف فهذا أفضل، أما علمت: أن النظر في المصحف عبادة))(12).
كما أن المفضل أن تكون القراءة بصوت حسن فعن الرضا (عليه السلام) قال: قال رسول الله: ((حسّنوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسناً))، وقرأ (يزيد في الخلق ما يشاء)(13).
وعن معاوية بن عمار قال: قلت لأبي عبد الله، الرجل لا يرى أنه صنع شيئاً في الدعاء والقراءة، حتى يرفع صوته، فقال: ((لا بأس، إن علي بن الحسين (عليه السلام) كان أحسن الناس صوتاً بالقرآن، وكان يرفع صوته حتى يسمعه أهل الدار، وإن أبا جعفر (عليه السلام) كان أحسن الناس صوتاً بالقرآن، وكان إذا أقام من الليل، وقرأ رفع صوته فيمرُّ به مارّ الطريق من السّقّائين وغيرهم، فيقومون فيستمعون إلى قراءته))(14).
الطريق الثاني: اتخاذ المصحف في البيت، فقد أكّدت أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) على اتخاذ المصحف في البيت مما يدل على أن اتخاذ المصحف في البيت أمر مستحب مندوبٌ إليه في الشرع بنفسه، ولا شكّ أن اتخاذ المصحف في البيت يمهد أرضيّة الاتّصال بالقرآن فإنّ الذي يعلّق المصحف في بيته أو يستنسخ نسخة منه يضعها في متناول يده فلابد أن يدعوه ذلك إلى أن يتلو أجزاءً من القرآن في بضع المناسبات الخاصة أو الحالات المعينة إذا لم يكن هناك التزام منهجي من قبل الرّجل بتلاوة القرآن كما هو المستحسن المطلوب، وحتى إذا كان المسلم أمّياً لا يعرف من القراءة والكتابة شيئاً أو غير عربي لا يفقه من العربية شيئاً فإن وجود المصحف في بيته مما يذكره، دائماً برسالته التي يرتبط بها بعقله وروحه وجسده ويعيد في خاطرته مبادئه العليا ومثله الإسلامية التي عاهد الله على السير عليها والالتزام بها ومن هذه النقطة نستطيع أن نفهم التعبير الوارد في أحاديث أهل البيت من أن وجود المصحف في البيت يطرد الشياطين عن البيت، وفيما يلي بعض النصوص الواردة في هذا المجال:
عن الصادق عن أبيه عليهما السلام أنه كان يستحب أن يعلّق المصحف في البيت يتقى به من الشياطين، قال: ويستحب أن لا يترك القراءة فيه(15).
وعنه أيضا عن أبيه عليهما السلام قال: ((إنه ليعجبني أن يكون في البيت مصحف يطرد الله به الشياطين))(16).
الطريق الثالث: استنساخ المصحف وكتابته فقد ندب إلى ذلك في أحاديث أهل البيت فقد روي عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: ((ستّ خصال ينتفع بها المؤمن من بعد موته: ولدٌ صالح ليستغفر له ومصحف يقرأ فيه وقليب يحفره وغرس يغرسه، وصدقة ماء يجريه وسنة حسنة يؤخذ بها بعده))(17).
الطريق الرابع: النظر إلى المصحف، فإن الظاهر من كثير من الأحاديث المروية بهذا الصدد عن رسول الله والأئمة عليهم السلام أن النظر إلى المصحف عبادة مستقلة بنفسها وإن لم تصحبه القراءة في المصحف، ولذلك فقد كانت القراءة في المصحف تزيد فضل القراءة ومحبوبيتها فضلاً جديداً ومحبوبية، وهذا الطريق الثاني وهو اتخاذ المصحف، ومع الطريق الأخير الذي سوف نعرض له وهو الاستماع إلى القرآن، توسّع من دائرة الاتّصال بالقرآن حتى يتسع صدره للأميّين وغير العرب وكافة طبقات الناس من عالمهم وجاهلهم، ودنيّهم وفاضلهم، وكبيرهم وصغيرهم. مما يزيد الإنسان إعجاباً بعظمة التشريع الإسلامي ووعي قادة الإسلام إذ فتحوا للجماهير طرق التفاعل مع القرآن وسهّلوا سبل الاتصال بأحكم الأساليب وأتقن الطرق وأمتنها.
وقد روى حول النظر إلى المصحف عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: ((النظر إلى علي بن أبي طالب عبادة(18) والنظر إلى الوالدين برأفة ورحمة عبادة، والنظر في المصحف يعني صحيفة القرآن عبادة، والنظر إلى الكعبة عبادة))(19).
الطريق الخامس: تعلم القرآن وتعليمه. وهذا الطريق من أخصب طرق الاتصال بالقرآن والتفاعل معه ومن أكثرها أهميّة، وقد استأثر في الإسلام باهتمام بالغ من قبل صاحب الشرع، وقد استعمل هذا الطريق في أولى أيامه تحت منهجية خاصة ورعاية نبويّة معينة وقد كان في أيامه الأولى ـ بالإضافة إلى ما ينطوي عليه من فوائد تربوية وتوجيهية يكون الاتصال بالقرآن في مقدمتها ـ طريقاً إلى محو الأمية والتثقيف الجماهيري العام ولا يزال القرآن العظيم نتيجة لتلك التربية التي وضع بذورها قائد الإسلام الأعظم النبي محمد (صلى الله عليه وآله) الكلمة الأولى التي توضع على ألسنة المتعلمين والمتأدبين. من الصبيان والصبايا في كثير من أنحاء بلاد الإسلام ورقعته الواسعة.
وقد جاء التأكيد على تعليم القرآن وتعلمه من قبل صاحب الشرع بما لا يسع مقالنا لاستيعاب جزء منه مع أن تعلم القرآن وكذا تعليمه واجبان إجمالاً وفي بعض الظروف الخاصة.
وقد روى علي عليه السلام عن النبي (صلى الله عليه وآله): أنه قال: ((خياركم من تعلم القرآن وعلمه))(20).
وعن الصادق (عليه السلام): ((ينبغي للمؤمن أن لا يموت حتى يتعلم القرآن أو يكون في تعلّمه))(21).
الطريق السادس: الاستماع إلى قراءة القرآن، وقد أكّد على الاستماع إلى القرآن حتى في القرآن نفسه، مع ما ورد في السُنة من الحثّ عليه والدعوة إليه.
قال تعالى: (وإذا قُرء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم تُرحمون) ـ (الأعراف/ 203).
وعن زرارة قال: ((سمعت أبا عبد الله يقول: يجب الإنصات للقرآن في الصلاة وغيرها، وإذا قُرئ عندك القرآن وجب عليك الإنصات والاستماع))(22).
وإن كانت هناك مقتضيات علميّة معيّنة توجب صرف هذه التعابير عن ظهورها في الوجوب الشرعي المصطلح فإن دلالتها على الاستحباب المؤكد مما لا ريب فيه.

الهوامش:
(1) البحار.
(2) نهج البلاغة بشرح الإمام محمد عبدة ج2 ص29 وقد ذكر الشيخ محمد عبدة في توضيح هذا المقطع الأخير من كلام الإمام: إذا خالفت آراؤكم القرآن فاتهموها بالخطأ واستغشوا أهواءكم: أي ظنّوا فيها الغشّ وارجعوا إلى القرآن.
(3) نفس المصدر، ص111.
(4) وسائل الشيعة ج81 ص48.
(5) الوسائل ج18 ص78.
(6) الدعاء الثاني والأربعون من أدعية الصحيفة السجادية الكاملة.
(7) الوسائل ج4 ص865.
(8) وسائل الشيعة ج4 ص865.
(9) البحار ج92 ص199.
(10) المصدر السابق.
(11) المصدر نفسه ص198.
(12) البحار ج92 ص196.
(13) نفس المصدر ص194.
(14) البحار ج92 ص195.
(15) البحار ج92 ص195.
(16) البحار ج92 ص 195
(17) البحار ج92 ص34.
(18) لا يخفى لطف الصياغة والتنسيق في هذا الحديث فكأن إقران علي بالوالدين لمناسبة الولاية والأبوة الروحيّة التي بين علي وبين الأبوين وأقرانه بالمصحف يشير إلى نكتة التشابه بينهما من حيث القيادة والمرجعية والمصدرية لرسالة الله وإقرانه بالكعبة إلماع إلى جامع الشبه بينهما من حيث المركزية لحركة الاجتماعية في الإسلام إذ الإمام هو النقطة الغائيّة التي يتحرّك المسلمون في تكاملهم المعنوي إليها.
(19) البحار ج 92 ص199.
(20) البحار ج2 ص186.
(21) نفس المصدر ص189.
(22) نفس المصدر ج92 ص221.

المصدر: مجلة رسالة القرآن، العدد الثاني.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com