موقع الصراط ... الموضوع : في رحاب خليل الرحمن إبراهيم-5
 
الأحد - 11 / صفر / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  في رحاب خليل الرحمن إبراهيم-5  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 30 / رمضان / 1433 هـ
     
  معالم شخصية إبراهيم (ع):
في كل مشهد من حياة إبراهيم الخليل (ع)، وموقف وقفه مع نفسه، ومع مربيه ومع قومه، ومع طاغوت عصره، بل ومع ربه يتجلى لنا مَعْلَماً من معالم شخصيته النبوية التي لا تعرف مؤثرا في الوجود إلا الله تعالى، مهما كان من القوة والجبروت أو القدسية والملكوت حتى لو كان جبريل الأمين (ع) حامل وحي رب العالمين فقد روى المفسرون والمؤرخون أن إبراهيم (ع) لما ألقي في النار لقاه جبريل في الهواء وسأله هل من حاجة، فقال: أما إليك فلا. فقد روى العلامة المجلسي عن الإمام الصادق (ع): (لما أُجلس إبراهيم في المنجنيق، وأرادوا أن يرموا به في النار أتاه جبرائيل فقال: السلام عليك يا إبراهيم ورحمة الله وبركاته ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا. فلما طرحوه دعا الله، فقال: يا الله، يا واحد،يا أحد، يا صمد،يا من لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، فحسرت النار عنه وإنه لمحتبي ومعه جبرائيل وهما يتحدثان في روضة خضراء). ولهذا نجد القرآن الكريم في معظم الآيات التي ذكرت إبراهيم تُبَرز قوة شخصيته والتي جسدت كل معالم التوحيد. فهو أمة وحده وهو خليل ربه، وهو أُسوة لكل حامل لرسالة الله, وداعي إليها، ومن اصطفاه ربه وجعل في ذريته النبوة والكتاب إلى يوم القيامة، وأراه الله ملكوت السماوات والأرض، وأتاه رشده. وثبت بدعوته أركان التوحيد إلى يوم القيامة، ونحن نذكر بعض تلك المعالم بصورة موجزة مستهدين بكتاب الله تعالى وسنة رسوله (ص):
1- إن إبراهيم (ع) كان أمة:
قال تعالى: ((إِنَّ إبراهيم كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِراً لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)) (النحل:120-121)
وفي هذه الآية الكريمة تتجلى لنا المعالم الرئيسية في شخصية الخليل صلوات الله عليه، وترسم علاقته مع الله بشكل دقيق، فلننظر في كل مَعْلم من هذه المعالم:
أ – إنه أمة وحده: مهما أوتي الإنسان من فطنة في الجنان، ومتانة في البيان لا يمكن أن يحيط معرفة برجل يصفه رب العزة والجلال بأنه أمة من الناس في عقله وفي نفسه، وفي قلبه، وفي عبادته، وتقواه، وتوحيده لله تعالى، وخوفه منه وصموده وفي وجه الطغيان والجهل والكفر والشرك.
أما كيف وبأي صورة يكون أمة فهذا ما تعددت فيه الأقوال والاحتمالات. فقد ذهب البعض إلى أنه وُصف بهذا الوصف البديع؛ لأنه كان أمة في الفضل والفتوة والكمال (أي) بمنزلة أمة كاملة وهذا كقولهم: أنت الرجل كل الرجل. وقول البختري:
ولم أرَ أمثال الرجال تفاوتاً * لدى الفضل حتى عد ألف بواحدٍ
وأنه لما كان أمة وحده في الدين؛ لأنه لم يكن في وقت بعثته موحد لله غيره فهو الذي أحيا الله به التوحيد، وبثه في الأمم والأقطار، وبنى له مَعْلماً عظيماً ولم يزل باقياً على مر العصور.
وذهب آخرون إلى أنه كان أمة؛ لأنه أنموذج للهداية والإنابة والطاعة والشكر واللفظ يحتمل أنه يعدل أمة كاملة بما فيها من خير وطاعة وبركة أو أنه إمام يقتدي به في الخير.
وقال آخرون: إن إبراهيم إنما كان أمة لتكامل شخصيته بحيث أصبح شعاعها في بعض الأحيان يزدادا حتى يتعدى الفرد والفردين والمجموعة فتصبح شخصيته تعادل أمة بكاملها. أو أنه منبع لوجود أمة؛ ولهذا كان إبراهيم (ع) أمة، وكان إماماً عظيماً، وكان رجلاً صانع أمة، وكان منادياً بالتوحيد وسط بيئة اجتماعية خالية من أي موحد. قال الشاعر:
وليس على الله بمستنكر * أن يجمع العالم في واحد
وقد يساعد التفسير الروائي على معظم المعاني المتقدمة ففي تفسير العياشي. عن سماعة بن مهران قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: (لقد كانت الدنيا وما كان فيها إلا واحد يعبد الله، ولو كان معه غيره لإضافة إليه حيث يقول: ((إِنَّ إبراهيم كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)) فصبر بذلك ما شاء الله ثم إن الله تبارك وتعالى آنسه بإسماعيل وإسحاق فصاروا ثلاثة)
وقال مجاهد: (سمي أمة واحدة لانفراده بالإيمان في وقته مدة ما)
وقال ابن عباس رضي الله عنه: (عنده من الخير ما كان عند أمة)
وقال ابن مسعود: (إنه معلم خير)
والسر في كون الخليل صلوات الله عليه أمة (أن الرساليين، ولا سيما الأنبياء منهم لا ينطلقون من حالة ذاتية تتحول إلى دائرة مغلقة تحجبهم عن الآخرين، وتخنق في داخلهم روح الامتداد، بل ينطلقون من الروح الرسالية التي تمتد في شخصيتهم لتحوي الأمة بأسرها في حركة الرسالة، فيسقط الحاجز بين روح الفرد، وروح الجماعة)
ب- قانتاً: القنوت حالة عبا دية يتوجه فيها الإنسان إلى الله بخضوع وخشوع وتضرع، يقوم بها استجابة لأمر الله مع لزوم الطاعة والاستمرار عليها وهي حالة يحبها الله. وقد أمر بها عباده ومدحهم بها. يقول تعالى: ((وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ)) أي داعين مطعيّن مقرين لله تعالى بالعبودية... ومريم بنت عمران (ع) مع تفرغها لله وطهارتها تأتيها وصية السماء: ((يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ)) ولهذا مدحها تعالى لقيامها بحالة القنوت فقال: ((وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ)) ومدح القانتين لله بعمومهم فقال: ((أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ)) (الزمر:9)
(والقنوت من أفضل مقامات العبودية، وله مراتب كثيرة شدة وضعفا، والمراد به في المقام الخضوع والخشوع الخاص)
ويقول السيد السبزواري  في تعليقه على قوله تعالى: ((وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ)) (على إيجازها تكفي في الإهداء إلى عالم النور، العالم الذي يرى فيه الإنسان آثار أعماله بل يجد في حقيقة نفسه وفطرته، ويلتذ بما يشاهد من مقامه الرفيع.وهو يعم جميع أوامر الله جل جلاله وأحكامه المقدسة ويرشد إلى ترك نواهيه حتى يسير الفرد من الله، وإلى الله، وتنهدم فيه الأهواء النفسية، ولا يبقى في نفسه سوى حبه جل شأنه)
وإبراهيم (ع) وصفه تعالى بأنه قانت لله؛ لانقطاعه الكامل لله تعالى في كل حركة من حركاته، وسكنة من سكناته حتى صار قنوته لله تعالى يعادل قنوت أمة بكاملها ولا أظن أن هناك بيان – بعد بيان الله – يمكن أن يصور هذا القدر من الخضوع والخشوع والانقطاع لله تعالى، فماذا يقول القائل بعد قول رب العزة والجلالة في وصف عبده الكريم ((قَانِتاً لِلَّهِ))
ج – حنيف: وهو المائل عن جهة الضلال إلى جهة الهدى ميلا كاملا لا يزول عنه أبدا. قال ابن عباس رضي الله عنه: (إنه أول من اختتن، وأقام مناسك الحج، وضحى وهذه صفة الحنيفية)
وإبراهيم (ع) لأنه عزف عن جميع الأديان، ورفضها، واستهان بها، بل جد واجتهد في القضاء عليها، ومال عنها إلى الله تعالى واستقام على دينه؛ لذلك وصفه بالحنيفية، فقال تعالى لنبيه: ((ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفاً)) (النحل:123) وهي الحنيفية العشرة التي تقدم ذكرها، والتي لن تنسخ إلى يوم القيامة. والحنفية الإبراهيمية قائمة على التوحيد الخالص من كل شائبة شرك؛ لذلك عقبها تعالى بقوله: ((حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)) (النحل:120)
ولما أمر الله نبيه باتباع ملة إبراهيم قال عنه بعد آية واحدة من هذه بأنه كان ((حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)) (آل عمران: 95) وهذا المعنى تكرر في عدة آيات كريمة منها قوله تعالى: ((قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)) (البقرة:135)
((مَا كَانَ إبراهيم يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)) (آل عمران:67)
((قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)) (آل عمران:95)
وعلى لسان إبراهيم في حواره مع قومه واستدراجه لهم ينقل القرآن الكريم قوله: ((... يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)) (الأنعام:78-79)
هكذا يتجلى التوحيد الخالص في الحنيفية الإبراهيمية بشكل واضح وصريح لا لبس فيه. إذن البناء التحتي الذي قامت عليه ملة إبراهيم هو التوحيد فقط. وأما النظام الفردي والاجتماعي والسياسي فيها فهو البناء الفوقي.
د – شاكراً لأنعم ربه: وشكر إبراهيم (ع) هو صفة عملية من صفاته العالية التي غلبت على حياته وبرزت بشكل واضح على شخصيته التي تجلت فيها العبودية الخالصة لله تعالى من خلال شعوره العميق بنعم الله وفضله. ثم جسد هذا الشعور في الواقع الخارجي حتى صار سمة بارزة في حياته العملية، لتأصل صفة الشكر فيه تصورا وقولا وفعلا فكأنه طبع على شكر النعم فتحول الشكر في نفسه إلى صفة أصيلة لا يستطيع عنها تحولا أبدا، وقد قيل أن الشكور هو (المتوفر على أداء الشكر الباذل وسعه فيه قد شغل فيه قلبه ولسانه وجوارحه اعترافا وكدحا وخليل الرحمن توفر على أكمل من ذلك.)
وبعد أن أصبح إبراهيم أمة قانتا لله مستقيما على شريعته اجتباه لحمل الرسالة والولاية والعبودية المحضة لله تعالى ((وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخرة لَمِنَ الصَّالِحِينَ)) (البقرة:130) وهذا الانتخاب والاصطفاء لإبراهيم من قِبل الله دلالة على المقام السامي الذي بلغه إبراهيم. بما حوى من ملكات عالية جعلته أهلا للنبوة والإمامة كقائد رباني يقود البشرية إلى ساحل النجاة؛ ولهذا هداه إلى الصراط المستقيم وهو الإسلام الدين الحق يقول الإمام الصاد (ع): (إن الله تبارك وتعالى اتخذ إبراهيم عبدا قبل أن يتخذه نبياً، وإن الله اتخذه نبياً قبل أن يتخذه رسولا، وإن الله اتخذه رسولا قبل أن يتخذه خليلاً، وإن الله اتخذه خليلا قبل أن يجعله إماما، فلما جمع له الأشياء قال: إني جاعلك للناس إماماً)
يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com