موقع الصراط ... الموضوع : أثر النهضة الحسينية في الشعر العربي-1
 
الخميس - 28 / محرم / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  أثر النهضة الحسينية في الشعر العربي-1  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 30 / رمضان / 1433 هـ
     
  بقلم: محمد سعيد الأمجد
تمهيد:
صحيحٌ ما يقال عن الشعر، بأنّ مسرحه الأول هو الإحساس والشعور والخيال واللغة، وأنّ وظيفته الأساسية إنتهاك المجال اللغوي العادي ومواضعات التعبير وتحويل ذلك إلى مرآة سحرية تعكس صور وجماليات اللغة. بحيث تكوّن لغةً جديدة (الشعرية) داخل اللغة، وهنا يكمن الفرق بين القول اللغوي والقول الشعري فتفترق القصيدة عن المقال والقصّة والرواية وغيرها من الأجناس الأدبية الأخرى.
ولكنّ هذا الخيال الخصب وتلك اللغة الجديدة (الشعرية) لا تـنفصل عن الفكر والواقع والأشياء، ويبقى همُّ الشعر الأول ودافعه الأساس هو ما يتلاحق في مخيّلة الشاعر من صور وتعابير عن الواقع وأشكاله وإشكالياته وخصوصياته الزمكانية، فهو يصوّر منطقتين وينفعل في تصويرها، وإن كان عن طريق الإيحاء وإثارة التركيبة النفسية والذوقية للمتلقي، ومن دون رصد مباشر لتلك المنطقتين:
الأولى: الأفكار وما شيّدته صروح الإنسانية الكادحة من حقائق ومعلومات عن الكون والحياة والإنسان والمجتمع، وما أنتجته الذهنيات من عمليات تحضيرية وتركيبية من مادة فكرها ومبادئها الأساسية، ولا زالت تجتهد في منطقة الفراغ لتعكس رؤيتها ووجهة نظرها إزاء الواقع ومستجداته ومتطلّباته.
ولا يعني هذا تصحيح أيّ فكر مهما كان مصدره ودرجة وعيه وأصابته لقلب الحقيقة الخالدة، بل المقصود هو الفكر الملتزم المستقى من أسس وأصول وثوابت منبعثة عن مصدر الغيب وخالق الوجود والمطلّع على دقائق العالم وسرائره وأسراره والواقف على نقاط ضعفه وقوّته والعارف بمصالحه ومفاسده.
الثانية: الأشياء والواقع والأحداث وهي ما يتمخّض عن حركة الإنسانية أثناء تطبيقها لفكرها وتجسيدها لثوابتها ومتبنياتها ورؤاها، وما تنتجه من صراع لإثبات هويتها وملامح وجودها وأهدافها.
وهنا يتخصص الانفعال الشعري بالحدث الخارق للعادة والمتميّز عن غيره من الصراعات الداخلية والأحداث الجزئية اليومية العابرة، فالمقصود خصوص الحدث الذي يحدث هزّة عنيفة في الواقع ويترك بصماته على ذاكرة التاريخ والزمن والإنسان.
ومن هنا ندخل للحديث حول أثر النهضة الحسينية في الشعر العربي فهي ـ النهضة ـ يلتقي فيها الرافدان الشعريان وتقترن فيها منطقتا التأثير الشعري والانفعال الجمالي التعبيري الذي يتوخاه الشعر كرسالة يقترن فيها الهدف الفني الجمالي بالغرض الفكري الإصلاحي.
هو حدث فريد من أحداث الإنسانية وصراعها لإعلاء قيم الحق والشجاعة والخير والفضيلة، إذ يمثّل صرخة الثائر البطل، الإمام الذي تبرمج في وعيه عذابات الإنسانية وواقعها المنحرف وسلطاتها الاستبدادية ورؤاها المشوّهة، فآثر سليل النبوّة الخاتمة ووريث الرسالة الإسلامية الخالدة الإمام الحسين(عليه السلام) الموت تحت ظلال السيوف على العيش الذليل والحياة الخانعة، وألقى بكل ثقله وفكره وعياله في ساحة الصراع من أجل إيقاظ الأمة من سباتها وإعادة الثقة لها بدورها المحوري في صنع التاريخ والحضارة، فكان مآل أمره مقطعاً بالسيوف معمّداً بالدماء مع أصحابه وأهل بيته ليكون رمزاً لكل ثائر ومصلح، تتكامل عنده عناصر الإبداع فكراً وسلوكاً، ويصيح في عالم الصمت والاستبداد:
لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أقرّ لكم إقرار العبيد... وهو فكرٌ خالد أزاح الرواسب والضبابية التي أُلحقت بالذهنية الإسلامية ورؤيتها التطبيقية للواقع جرّاء الممارسات اللاأخلاقية والسياسات الجهنمية التي كان ينتهجها يزيد وأتباعه النفعيون، فكان ثورة ضد التطبيق المنحرف لرسالة شيّدت عبر تأريخ مُضني من التضحيات والشهداء والنتاجات، أعادت للرؤية الإسلامية في زمن ذروة الكبت والاستبداد والانحراف نصابها الواقعي ونموذجها الذي تمثّلها وعياً وفهماً وجهاداً وإيثاراً، فعادلت تيارات الاستلاب والتهميش والنفعية.
فكان حقاً للشعر أن ينفعل وللشعراء أن يصرحوا بآلياتهم الفنية والجمالية وتعابيرهم الساحرة من أجل تصوير حقيقة النهضة الحسينية واستكناه أبعادها ومضامينها وأهدافها ودوافعها، ليشيدوا ملامح مدرسة أدبية شعرية حسينية تأخذ على عاتقها الجانب الرؤيوي الجمالي والذوقي الحضاري والجانب الفكري الثقافي الإعلامي التبليغي.
وهكذا قامت مدرسة أدبية حسينية عبر تأريخ طويل ابتدأ بوصول خبر مقتل الرمز البطل الشهيد (عليه السلام) إلى المدينة ونعيه شعراً انتهى إلى شعراء الحداثة وأساليبهم الجديدة في التعبير والأداء.
فتهيكل ـ ببركة أنفاس النهضة وروحها ـ صرح شعري كبير كان له الدور الكبير في إرساء قيم الحق والخير والفضيلة وصد تيارات التخريب والنفعية والاستبداد.

تطوّر المستوى التعبيري:
انفعل الشعراء الواعون بالقضية الحسينية وأبعادها الحضارية باعتبارها ـ كما قلنا ـ حدثاً يمثّل انعطافة كبيرة في تاريخ الإنسانية وكدحها الدؤوب من أجل إرساء قيم الحق والخير والفضيلة، ويؤسّس مفهوم وأسلوب المواجهة الحقيقية ضد الظلم والاستبداد والانحراف، وبما أنه ـ كما أسلفنا ـ حدث مبرمج بشكل مطلق عن الزمان والمكان يحمل خصوصية في رمزه الشهيد الإمام الحسين(عليه السلام) وقداسة شخصيته يعادله في الطرف الآخر بشاعة الأسلوب الإجرامي وانحطاط السلطة الحاكمة ومدى جبن الأمة المعاصرة له وتخاذلهم عن نصرة الحق وظروف اُخرى لابست التحرّك... كلٌّ ذلك جعلت من القضية الحسينية حدثاً فريداً راح يحفر في ذاكرة الإنسان والشاعر وحركة الإبداع، الأمر الذي ألهم الشعراء ـ باعتبارهم لسان الأمة المعبر عن آلامها وآمالها وقضاياها وتطلّعاتها ـ مادةً شعرية ثريّة من حيث الشكل والمضمون، فانفعلوا بهذا الحدث وأبدعوا في التعبير عنه أيّما إبداع.
وقد توزعت إبداعاتهم على محوري الشكل والمضمون، فالخصائص الشكلية تمثلّت في استخدام ألفاظ الرثاء والتوريخ للحدث والبكائية وصياغة المفهوم، كلّ ذلك بلغة عربية رصينة وسباكة للبيت الشعري يتلاءم وابداعات كل عصر، فقول سليمان بن قتّة:
وإن قتيل الطف من آل هاشم * أذل رقاب المسلمين فذلت(1)
يختلف كثيراً بحسب المعايير النقدية والظروف الإبداعية المكتنفة لنص الشاعر ـ عن البكائية المحضة عند بشير بن حذلَم الذي يعتبر أوّل من قال شعراً في الحسين(عليه السلام):
يا أهل يثرب لا مقام لكم بها * قتل الحسين فأدمعي مدرار
الجسم منه على التراب موزع * والرأس منه على القناة يدار(2)
فسليمان يريد أن يقيم علاقة فنيّة ـ وإن تبعها علاقة من حيث المعنى ـ بين الاستشهاد وإذلال الرقاب مع أنّ المفروض قيام علاقة بين الاستشهاد والافتخار، ولكن هذه العلاقة المضادة التي أقامها سليمان تريد أن تختزل المسافة بين الشعور بالندم واتخاذ الموقف الملائم من جرّاء هذا الشعور، فصدم المتلقي بهذه الصورة أسرع في تحوّل الأمة نحو موقفها المرجو وهو الثورة ضد هذا النظام كامتداد للرفض الحسيني والنهضة، وهذا الفارق بين بشير بن حذلم وسليمان بن قتة يتأتّى من بروز أثار وعي النهضة في نفوس المبدعين وتمثّل حقيقتها بمرور الزمن.
ثم يرجع سليمان في قصيدته، ويقول:
وقد أعولت تبكي السماء لفقده * وأنجمنا ناحت عليه وصلتِ (3)
وهذه أيضاً صورة تجعل السامع أمام جمالية في التعبير وتفرّد في الأداء تجبره على التفاعل مع طهارة الرمز ونقائه، والإحساس بأنه أولى من هذه الجمادات المضيئة بالتفاعل والبكاء واستلهام أبعاد الثورة في حياته الاجتماعية.
والصورة التي يصوّرها الحميري للجسد المقدّس للإمام(عليه السلام) تسعى إلى تخليد الفكر الحسيني وتحويله إلى رمز مقدّس المضامين، حتى الأبعاد، قابل للعطاء والاضاءة، بشكل فنّي ساحر يؤثر في دواخل المتلقي وتجعله يتطلّع باستمرار لمعرفة حقيقة النهضة الحسينية بل لعشقها والاندكاك برموزها الوامضة بشكل حياتي عملي:
امرر على جدث الحسين وقل لأعظمه الزكية * يا أعظماً ما زلت من وطفاء ساكبة روية(4)
وحينما عدّ المتنبّي مجدداً في حركة الشعر العربي بالقياس إلى خصوصيات عصره في التعبير عن رؤيته للواقع ولأنه ابتكر اللغة الشعرية الخاصّة ; برز أبو العلاء المعرّي كمجّدد في عصره، من خلال تعبيره الفريد عن القضية الحسينية فكان مجدّد الشعر الحسيني العربي في عصره حينما دخل في تعبيره مدخلاً غير معتاد في الشعر الحسيني، قائلاً:
عللاني فإن بيض الأماني * فنيت والزمان ليس بفانِ
ليلتي هذه عروس من الزنج * عليها قلائد من جمانِ
إلى أن نقول:
وعلى الدهر من دماء الشهيدين * علي ونجله شاهدان
فهما في أواخر الليل فجران * وفي أولياته شفقان(5)
أمّا المدرسة النجفية سواء القديمة منها أو الحديثة، فقد استطاعت أن تدخل صوراً ولغةً جديدتين على الأداء الحسيني، وهذه الصورة وتلك اللغة هي ما أمكن اقتباسه من أرض الواقع، حيث الصراع المرير بين القديم والجديد وتعرّض الإنسان المسلم لحالة الاستلاب وغربة الذات وسط تيارات التعتيم السياسي والتغييب الثقافي، ومن خلال المقارنة في الواقع والتحدّيات بين عصرهم وعصر صاحب النهضة(عليه السلام) تم إدخال المفردة والصورة الجديدة مثل ما نراه في إحدى القصائد:
أأبا العقيدة والنضال الدامي * قدست ذكرك يا ابن خير إمامِ
وجعلت يومك رمز كل بطولة * غراء تعبق في فم الأيام
يا أيها الفلك المشع قداسة * الناظر الدنيا بعين وئامِ
غنيت في ذكراك أروع آية * هبطت على وتري الجريح الدامي
أنّى التفتُّ رأيت جرحك ماثلاً * لنواظري في يقظتي ومنامي(6)
فمفردات مثل (أبا العقيدة، غنيّت جرحك، الفلك المشع قداسةً) لم تألفها المدرسة التقليدية القديمة، وهكذا تطوّرت الحركة الشعرية في هذا المضمار الإبداعي الثوري، فمن مدرسة النجف القديمة (حيدر الحلي، جعفر الحلي، صالح الكواز والسيد رضا الهندي والقزويني وغيرهم) إلى مدرسة النجف الجديدة (مصطفى جمال الدين، اليعقوبي، الوائلي، السيد محسن الأمين، محمد جمال الهاشمي، وغيرهم) والتي ورثها الجواهري وطوّرها حتى استقلَّ وصار ظاهرة لوحده من حيث الأداء واللغة والمضمون الجديد حتى عدّ رائد الكلاسيكية الحديثة، خصوصاً في أدائه الرائع وقصيدته العينية المشهورة (شممت ثراك فهبَّ النسيم).
ثم انفعلت مدرسة الحداثة بالقضيّة الحسينية، فوصل الأُسلوب على أيد شعرائها إلى مستوىً راق حيث استطاعوا أن يغوصوا في عمق فكرة التضحية والفداء ويصوّروا الجدلية الحادة بين القضية الحسينية والواقع، وجعلوا منها صراعاً مستمراً يدور بين الإنسان وذاته ويتكرر على مر العصور، مع اكتشاف مساحة حركية واسعة للتلقي والأداء ونوعية القصيدة (من العمود إلى التفعيلة وحتى النثر)، فصار التعبير عن القضيّة الحسينية ليس رصداً متلاحقاً لأحداثها أو تسجيلاً لمناقب رموزها أو مميزات حدوثها، بل راح الشاعر يتقمّص روح القضيّة الحسينية ويسجّل أدوارها وأبعادها وجدلياتها ويحاور بطلها الإمام الحسين(عليه السلام)، كلّ ذلك بصور مكثّفة وأساليب عصرية مختلفة وتعابير حديثة، وهذا أدّى إلى اكتشاف مضامين جديدة للثورة واستكناه أوسع لامتداداتها في الحياة المعاصرة.
فكتب شاعر (الحسين يكتب قصيدته الأخيرة) وكتب آخر (مسرحية الحر الرياحي)، بل راح الشعراء الإسلاميون يصدرون مجاميع كاملة لسبر أغوار هذه الملحمة وتصوير جدلياتها المعاصرة واكتشاف معطياتها في الحياة السياسية والاجتماعية المعاشة، فأصدر أحدهم (الحسين... لغة ثانية) كما أصدر ـ كاتب هذا المقالة ـ (نداءات الحسين العشرون).
كما أنّ هنالك مساحة إبداعية تظلّ دائماً مسرحاً يجول فيه فرسان الشعر مستلهمين من الثورة الحسينية ورمزها الشهيد(عليه السلام) كلّ عناصر الإبداع والجمال والفكر، على الشعراء الرساليين أن يتمثّلوها فناً ووعياً وأداءً بما يتلاءم وخصوصيات العصر الثقافية وأساليب تعبيره ومميزات لغته ليشارك الشعر ـ وهو حريٌّ بذلك ـ في صيانة الفكر الإسلامي والمجتمع من تيارات التخريب بل ويشارك في تصدير الرؤية الإسلامية الرشيدة إلى العالم.

الهوامش:
1- أعيان الشيعة ٧: ٣٠٨ طـ دار التعارف.
2- أعيان الشيعة ٣: ٥٨٢ طـ دار التعارف.
3- أعيان الشيعة ٧: ٣٠٨.
4- أعيان الشيعة ٣: ٤١٧.
5- نسمة السحر فيمن تشيع وشعر ليوسف الصنعائي ١: ٥١٣ طـ دار المؤرخ العربي.
6- أدب الطفّ لجواد شبّر ١: ١٦.

يتبع..
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com