موقع الصراط ... الموضوع : النفس في القرآن-7
 
الإثنين - 3 / ذي القعدة / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  النفس في القرآن-7  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 6 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
أقسام ومراتب النفس:
النفس الإنسانية من أعظم مخلوقات الله تعالى، وهي من أجلى آياته تعالى تجلت فيها عظمة خلق الله تعالـى حتى برَّز الله تعالى آياته فيها بقوله تعالى: ((سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقِّ)) (فصلت:53) ولهذا يقول بعض العلماء: والنفس الإنسانية شيء واحد ، ولها صفات كثيرة فإذا مالت إلى العالم الإلهي كانت نفساً مطمئنة، وإذا مالت إلى الشهوة والغضب كانت أمارة بالسوء .وقد ذكر القرآن الكريم النفس بصفاتها العملية المؤثرة فأقسامها اشتقت من أعمالها، وأهم تلك الصفات، أو- إذا صح التعبير - المراتب:
1 - النفس الأمارة بالسوء:
وإنما سميت بذلك؛ لأنها تدفع صاحبها لاتبّاع الهوى، وارتكاب المنكر والانقياد المطلق لقوتي الشهوة البهيمية والغضبية … فهي دائماً تنحى منحى إشباع رغباتها المختلفة كشهوة الجنس، والبطن، وشهوة التسلط، والانتقام والظهور … وهكذا، ولهذا ترى أولياء الله وعباده الصالحين رغم ما آتاهم الله من قوة عقلية فائقة مسيطرة على كل قواهم، يَشْكُون من ميول هذه النفس كما جاء في مناجاة الشاكين للإمام السجاد (ع):
(الهي إليك أشكو نفساً بالسوء أمارة، وإلى الخطيئة مبادرة، وبمعاصيك مولعة، ولسخطك متعرضة، تسلك بي مسالك المهالك، وتجعلني عندك أهون هالك، كثيرة العلل، طويلة الأمل، إن مسها الشر تجزع، وإن مسها الخير تمنع ميالةً إلى اللعب واللهو، مملوءة بالغفلة والسهو، تسرع بي إلى الحوبة، وتسوفني بالتوبة)
ونحن إذا تأملنا هذا النص الشريف نجد فيه أدق بيان لحقيقة النفس الأمارة بالسوء، حيث يتجلى بدقة متناهية مسالك النفس ومساربها للوصول إلى إشباع رغباتها بقوة وإلحاح لا ينجي منه غير اللجوء إلى الله تعالى؛ للتخلص من الوقوع في شباكها، وحدد الإمام (ع) أهم وسائل النفس الأمارة بالسوء كي تخرج بصاحبها عن طريق الصواب فهي تأمر بالسوء والمنكر، فتدفع صاحبها لمخالفة العقل والشرع الشريف، وعصيان أوامر الله تعالى ؛ لهذا تراها مبادرة مسرعة لإيقاعه في الخطيئة؛ لولعها بالمعاصي أي مغرمة ومحبة لذلك، ومتعرضة لكل ما يسخط الله تعالى، وبذلك تسلك المسالك المهلكة، ومن صفاتها أنها طويلة الأمل طولاً تخرج الإنسان عن أبعاده الحقيقية، وتجعله يتجاوز كل معقول وقد تصل به إلى تصور الخلود، وعدم الفناء، كالذي دخل جنته، فقال: ((مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدا)) (الكهف:35).
ومن صفاتها أيضاً التقلب، والتلون حسب مايرد عليها، فإذا مسها ما يخالف رغباتها من المحن والابتلاءات جزعت وتمردت، وإذا مسها الخير فرحت وطمعت، وجمعت، ومنعت، واستأثرت . ومن مخادعها: التسويف، والتحايل، والتبرير، وتخريج المعاصي وإلباسها الشرعية زوراً وبهتاناً، يقول أمير المؤمنين (ع):
(النفس الأمارة المسولة تتملق تملق المنافق، وتتصنع بشيمة الصديق الموافق حتى إذا خدعت، وتمكنت وتسلطت تسلط العدو، وتحكمت تحكم العُتو فأوردت موارد السوء)
وفي هذا النص المبارك بيان لمراحل سيطرة الأهواء والشهوات على الإنسان فهي تبدأ (بالتسويل) وهو تحسين الشيء وتزيينه وتصوير القبيح منه بصورة الحسن، وتحبيبه للإنسان ليفعله، يقول تعالى على لسان يعقوب (ع) في قوله لأولاده لـما غدروا بأخيهم: ((بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسَكُمْ)) (يوسف: 18).
ثم تأتي مرحلة (التملق) وهي التودد المصطنع، والتلطف المفتعل المزيّن والمزخرف بالأماني المعسولة , والآمال الوهمية ، والتبريرات المصبوغة بصبغة الشرع، وهي تبعد عنه بعد السماء عن الأرض كي تخدع الإنسان ، وتستدرجه، فتقربه بالتدريج إلى معاصي الله تعالى حتى توقعه في حبائلها، وبذلك تتمكن من السيطرة عليه، ويصبح زمامه بيدها فتقوده كيفما تريد، وتحجبه عن رؤية الحق بل تقلب المقاييس في تصوراته حتى يصبح يرى الحق باطلاً، والباطل حقا وهذا ما عبرت عنه بعض الروايات بأنه( منكوس القلب )وحينئذ يصبح الهوى معبوداً له من دون الله تعالى كما وصف جل وعلا: ((أَرَأَيْتَ مَن إِتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاه)) (الفرقان:43) و((أَفَرَأَيْتَ مَن إِتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةٌ …)) (الجاثية:23).
إذن النفس الأمارة بالسوء هي العدو الداخلي، وهو من أخطر الأعداء على الإنسان. يقول سيد الحكماء والعارفين الإمام أمير المؤمنين (ع) :
(نفسك أقرب أعداءِك إليك)
(نفسك عدو محارب، وضد مواثب إن غفلت عنها قتلتك)
(لا عدو أعدى على المرء من نفسه)
وهذا العدو الخطير هو الأهواء النفسية، وقد سماها القرآن بالهوى، لأنها (تهوي بالإنسان في الدنيا إلى كل داهية مهلكة، وفي الآخرة إلى الهاوية) وليس من خطر يداهم الإنسان ويوقعه في المهالك أخطر من إتباع الهوى، وأخطر ما فيه أنه يخرج الإنسان عن سبيل الهدى إلى دهاليز الضلال. يقول تعالى: ((وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيَضُلُّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ(( (ص:26).
ويعظم هذا الخطر إذا عرفنا استمرارية هذه القوة إلى آخر مراحل العمر فليس هناك مرحلة من المراحل يشعر فيها الإنسان بالاكتفاء والاستغناء، وإنما تبقى الغريزة تلح على الإنسان في كل مراحل حياته. عن رسول الله (ص) قال: (يشيب ابن آدم، وتشّبُ فيه خصلتان: الحرص، وطول الأمل).
2 - النفس اللوامة:
اختلف المفسرون في تفسير النفس اللوامة؛ هل هي نفس المؤمن؟ أم نفس الكافر؟ أم هي الأعم من المؤمن والكافر؟ بحيث تشتمل كل نفس إنسانية سواء كانت: مؤمنة أو كافرة، صالحة أو طالحة.
والظاهر من مجموع آراء المفسرين هي النفس الإنسانية الحيَّة المتيقِّظة التي تراقب حركة الإنسان فتشعره بالندم على ما فاته من النفع والخير، وتلومه على التقصير والمخالفة الشرعية. (والنفس اللوامة الكثيرة اللوم، وليس من نفس برة ولا فاجرة إلا وهي تلوم نفسها يوم القيامة إن كانت عملت خيراً قالت: هلا ازددتُ، وإن كانت عملت سوءاً قالت: يا ليتني لم أفعل)
(وقال مجاهد: تلوم على ما مضى تقول: لِم فعلت ولِمَ لَم أفعل) وقال: (النفس اللوامة: هي التي تلوم نفسها على ما فات، وتندم على الشر لِمَ فعلته؟ وعلى الخير لِمَ لَمْ تستكثر منه؟ فهي لم تزل لائمة وإن اجتهدت في الطاعات)
وقال الحسن: (هي والله نفس المؤمن، ما يُرى المؤمن إلا ويلوم نفسه: ما أردتُ بكلامي؟ ما أردتُ بأكلي؟ ما أردتُ بحديث نفسي؟ والفاجر لا يحاسب نفسه)
ومن خلال ما مر نستنتج أن النفس اللوامة هي القوة الرادعة، الواعية المتيقظة التي تلوم الإنسان على ما وقع فيه من مخالفات، أو تقصير، فعندما يقع الإنسان في عمل منافي للشرع، أو العقل، يثور الرادع الداخلي، وتنطلق سياط اللوم، والتقريع، والتأنيب الداخلي على ذلك العمل غير اللائق. وإن شئت قلت هي (الضمير الأخلاقي) وهذا الضمير يتفاوت قوة وضعفاً من شخص إلى آخر وهذا الضمير لا يندثر بكثرة الذنوب، وإنما تغطيه الأدران، وتحجبه عن النور ويمكن أن ينتفض، وينتعش، ويثور في أي ساعة تتوفر فيها مقتضيات اليقظة وقد شبهها صاحب التفسير الأمثل بالمحكمة , وسماها المحكمة الداخلية وشبهها بمحكمة القيامة من عدة وجوه:
1 – إن القاضي والشاهد والمنفذ للأحكام هو الله كما بينه الله تعالى في هذه الآية حول يوم القيامة: ((عَالِمُ الْغَيْبِ وَالْشَهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ)) (الزمر:46).
2 – إن هذه المحكمة ترفض كل توصية ورشوة وواسطة كما هو الحال في محكمة يوم القيامة فيقول الله تعالى: ((وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ)) (البقرة:48).
3 – إن محكمة الضمير تحقق وتدقق الملفات بأقصر مدة وتصدر الحكم بأسرع وقت، فلا استئناف في ذلك، ولا إعادة نظر , ولا تحتاج في ذلك شهوراً وسنين وهذا هو ما نقرأه أيضاً في محكمة البعث ((وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَاب)) (الرعد:41).
4 – مجازاتها وعقوباتها ليست كعقوبات المحاكم الرسمية العالمية. فإن شرر النيران تتقد في الوهلة الأولى في أعماق القلب والروح ثم تسري إلى الخارج فتعذب روح الإنسان أولاً ثم تظهر آثارها في الجسم فيكون تغيير ملامح الوجه وطبيعة النوم والأكل ظاهر وواضح فيعبّر تعالى عن ذلك في قوله: ((نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ  الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ)) (الهمزة:6-7).
5 – عدم احتياج هذه المحكمة إلى شهود، بل إن المعلومات التي يعطيها الإنسان المتهم بنفسه والذي يكون شاهداً على نفسه هي التي تقبل منه نافعه كانت له أم ضارة! كما تشهد ذرات وجود الإنسان حتى يداه وجلده على أعماله في محكمة البعث، فيقول الله تعالى: ((حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)) (فصلت:20))
3 - النفس المطمئنة:
هي النفس المؤمنة العارفة بالله، الموقنة بوعده ووعيده، والراضية بقضائه وقدره، المرضية عنده جل وعلا، والمسلمة أمرها ووجهها إليه العاملة بأمره والسالكة سبيله، والمتجردة عمن سواه يقول العلامة الطباطبائي:
(النفس المطمئنة هي التي تسكن إلى ربها وترضى بما رضي به، فترى نفسها عبداً لا يملك لنفسه شيئا من خير، أو شر، أو نفع، أو ضر، ويرى الدنيا دار مجاز، وما يستقبله فيها من غنى، أو فقر، أو أي نفع وضر ابتلاء وامتحاناً إلهياً فلا يدعوه تواتر النعم عليه إلى الطغيان وإكثار الفساد والعلو والاستكبار، ولا يوقعه الفقر والفقدان في الكفر وترك الشكر، بل هو في مستقر من العبودية لا ينحرف عن مستقيم صراطه بإفراط أو تفريط)
(وفي الكافي عن سدير الصيرفي قال: قلت لأبي عبد الله (ع) جعلت فداك يا ابن رسول الله هل يكره المؤمن على قبض روحه؟ قال: لا والله إنه إذا أتاه ملك الموت لقبض روحه جزع عند ذلك، فيقول له ملك الموت: يا ولي الله لا تجزع فوالذي بعث محمّداً (ص) لأنا أبرُّ بك و أشفق عليك من والد رحيم لو حضرك، افتح عينك فانظر، قال: ويمثل له رسول الله وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من ذريتهم (ع)، فيقال له: هذا رسول الله وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين والأئمة (ع) رفقاؤك، قال: فيفتح عينه فينادى روحه مناد من قبل رب العزة فيقول: ((يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ)) إلى محمّد وأهل بيته ((ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً)) بالولاية ((مَرْضِيَّة)) بالثواب ((فَادْخُلِي فِي عِبَادِي)) يعني محمّد وأهل بيته ((وَادْخُلِي جَنَّتِي)) فما من شيء أحب إليه من استلال روحه واللحوق بالمنادي)
هذه هي عاقبة النفوس المطمئنة الراضية عن الله المستسلمة إليه وهي على عكس النفس الكافرة الجاحدة لربها حين يأتيها الموت وتنظر إلى عملها فتقول: ((يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً)) (النبأ:40) وأنى لها ذلك وقد بدأت لها حياة جديدة مليئة بالشقاء والعذاب الذي لا تموت فيه ولا تحي، والذي لم تره عين ولم يخطر على قلب بشر … وهكذا يصل الإنسان إلى النتيجة، ويقف أمام المحكمة الإلهية ينظر ما قدمت يداه فيشاهد (شريط) أعماله وتأخذه الحسرات والألم فـــ((يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي)) (الفجر:24).
والنتيجة أن النفس المطمئنة هي (التي ترجع عند كل هول يعصف بها إلى ربها راضية مرضية لا تكتفي بغيره ولا تسترشد بسواه …)
اللهم اجعل نفسي مطمئنة بقدرك راضية بقضائك …

المصدر: كتاب دراسات أخلاقية في ضوء الكتاب والسنة
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com