موقع الصراط ... الموضوع : أثر النهضة الحسينية في الشعر العربي-2
 
الجمعة - 4 / شعبان / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  أثر النهضة الحسينية في الشعر العربي-2  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 7 / شوال / 1433 هـ
     
  تطوّر المحتوى الشعري:
لقد بدأ مضمون الشعر الحسيني بالرثائية المحضة الناتجة عن إدراك حقيقة المشهد وفداحة الخطب والاحساس بالتقصير تجاه بطل كربلاء الذي عبّأ الأمة من أجل تشييد صرح العدالة والفضيلة فابتدأ بشير بن حذلم برثائه ونعيه بإشارة من الإمام السجاد(عليه السلام) الذي أراد أن يُديم شعلة الثورة ويبقيها جرساً للإنذار ومصدراً للتوهّج والإضاء، فنادى ابن حذلم:
يا أهل يثرب لا مقام لكم بها * قتل الحسين فأدمعي مدرار
الجسم منه على الصعيد مقطع والرأس منه على القناة يدار(1)
ثم ابتدأت مرحلة الرثاء الممزوج بوعي عناصر الثورة ومكوّناتها الفكرية والمناقبية لهؤلاء الأبطال وجلالة رمزها الشهيد الإمام الحسين، ومحاولة إعلان الانتماء لهذا المنهج وأهل بيته الكرام(عليهم السلام)، ومع انحطاط الحالة الثقافية والفنية والضعف الذي اعترى اللغة العربية آنذاك تمكن الشعراء من تصوير هذا المحتوى وإبراز هذا المضمون بلغة عربية رصينة ساهمت في تشكيل مرحلة فنيّة ومضمونية لشعر هذه الفترة.
ومن هذا المضمون انتقل الشعراء إلى مرحلة أخرى من تصوير القضيّة الحسينية، حيث أدخلت فيها جماليات تعبيرية وقوّة تخييلية إضافية أدّت إلى إبراز مضمون آخر أكثر تطوراً وأوضح تبلوراً وأقوى فكرةً حيث تم إجراء المقارنة بين مضامين الثورة الحسينية وملابساتها وبين خصوصيات الواقع السياسي والاجتماعي المعاش، فصار الشاعر ينتقل من أرض كربلاء ليحيي الأمة الموات في عصره ويستنهض هممهم منطلقاً من عظمة مشاهد الطفّ وصوره الفريدة التي ضربت المثل الأعلى بقدرة الإنسان الرسالي على الصمود والتحدّي والتأثير في مسار التأريخ والأحداث.
وقد مثل هذا الاتجاه المضموني الجديد نخبة من شعراء القرن الرابع والخامس الهجري نخصّ منهم الشريف الرضي وأخاه المرتضى، فلننظر إلى قول الشريف الرضي (٣٥٩ - ٤٠٦ هـ):
راحل أنت والليالي نزول * ومضر بك المقام الطويل
لا شجاع يبقى فيعتنق البيض * ولا آمل ولا مأمول
غاية الناس في الزمان فناء * وكذا غاية الغصون الذبول
إنما المرء للمنية مخبوء * وللطعن تستجم الخيول
من مقيل بين الضلوع إلى * طول عناء وفي التراب المقيل
فهو كالغيم ألفته جنوب * يوم دجناء مزقته قبول
إلى أن يقول:
والأماني حسرة وعناء * للذي ظن أنها تعليل
ما يبالي الحمام أين ترقى * بعدما غالت ابن فاطم غولُ(2)
فالرضي (رضي الله عنه) يستخلص عبرتين من النهضة الحسينية، الأولى تتمثل في ثنائية الموت والحياة وفلسفة الحفاظ على النفس والضنّ بها عن المكاره والخطوب وضرورة وهبها وبذلها في سبيل المصلحة العليا ومباديء الحق والعدالة، إنه يأخذ هذه العبرة ويحرّكها في مجتمعه وواقعه ويحاول أن يعيد في الذهنية الإنسانية حقيقة هذه الحياة وصورتها الواقعية الزائلة وأمانيها الكاذبة تلك التي تشكّل معوّقاً للإنسان عن إدراك الخلود ونيل المعالي، ويحاول أن يلغيها من قائمة الأماني والطموحات لمّا تمثّل أحوال الماضين واندراس آثارهم المادية التي ظنّوا أنّها تخلّدهم في حياتهم الدنيا.
والعبرة الثانية تتمثل فيما لقاه (ابن فاطم) وهو الإمام الحسين(عليه السلام)باعث نهضة الأمة ومفجر وعيها وراسم ستراتيجية التحدّي والرفض للسياسات الظالمة، وفي هذا خير دليل على الكلام المتقدّم والعِظة التي يحاول إيصالها إلى مجتمعه حيث لا يخلّد الإنسان كلّ هذه الآمال الكاذبة والطموحات القاصرة بل يخلّده هكذا فعل كبير يهزّ الواقع هزّة عنيفة في بُناه الأساسية ويقلب موازينه وتصوّراته وتعلق مشاريع المتسلطين ويربك مخططاتهم المزمع تنفيذها في الشعوب الإسلامية وأبناء الأمة وبنائها الفكري.
ثم انتقل المضمون إلى مدرسة معاصرة عاصرت الغزو الاستعماري والهجمة الثقافية على الإسلام والمسلمين وهي متسلحة بالآلة الحربية والدعائية ممّا شكل انتهاكاً واضحاً لحضارة المسلمين ومنظومتهم الفكرية، وتحدّياً لشخصيتهم وهويتهم وانتمائهم التأريخي العريق، فعاد الرمز الحسيني يتجدد في هذا الصراع ويلهب نفوس الشعراء بالمادة الأساسية الفنيّة والفكرية للإبداع فوجد فيه الشعراء مضامين كبيرة وأبعاداً واسعة تمكّنوا من تحريكها في ساحة الواقع المشتعل بالصراع الفكري والسياسي والاجتماعي، وعياً وفهماً ورؤىً ومادةً للمقاومة والرفض والدفاع عن حرية الإنسان وكرامته حتى لو تطلّب ذلك الموت والجراح كما تطلّب الأمر من حامي الشريعة وبطل العزّة والكبرياء الإمام الحسين.
حتى انتهى الأمر إلى شعراء الحداثة بمختلف مشاربهم ومدارسهم وتعابيرهم، حيث اتّفقوا على قدر مشترك من تعريف الحداثة: (وعي الشاعر بخصوصيات عصره وتعقيداته ولغته)، وهذا يتضمن تحريك المرموزات الفكرية وفق هذه الرؤية، ولا يهمّنا المدرسة القائلة بالانقطاع عن التراث والتعبير خروجاً عن السائد، فهي خارجة عن موضوع الحداثة الملتزمة فقد عبّرت عن النهضة الحسينية بطريقة معاصرة أدخلت فيها تعقيدات العصر ولغته وأخذت بنظر الاعتبار والتركيبة المعقّدة النفسية والذوقية للإنسان المعاصر وفق هذا التحوّل التكنولوجي والآيديولوجي الهائل في عالم اليوم.
ولكن بقيت النهضة الحسينية مادة لإبداع هذه المدرسة أيضاً، زودّتها بالصور والمضامين والأفكار والمواد اللازمة لعملية الإبداع المعاصر وقد ذكرنا النماذج عليها حين حديثنا عن تطور الشعر الحسيني من حيث الشكل والجانب الفني.
وخلاصة مضمون هذه المدرسة والتي نجحت في تطبيقه على واقعها المعاصر يتمثل في الغوص عن المحور والنواة الأساسية التي انبعث عنها الصراع سابقاً حين ثورة الحسين(عليه السلام)، فوجدته متقوقعاً في ذات الإنسان وإرادته وتركيبته القابلة للانحراف والرقي حسب تحريك الإنسان واختياره وبمحض إرادته وحريته في ارتكاب الجادة التي تقوده إلى سعادته الأبدية أو شقائه الأبدي... وهذا الصراع الذاتي كان قبل الإمام الحسين(عليه السلام) وهو يتكرر ويعيد إنتاج نفسه في كل واقع ويفرز ناسه ونماذجه في كل عصر، فها هي الرموز الدينية المقدسّة التي لازالت تتحدى رموز الطغيان والفساد، تتفجر صيحاتها بين الحين والآخر، وهذا يستدعي من ناحية فنية جمالية يقوم بأعبائها الشعر أن يعاد الصياغة الشعرية والإبداعية لكل الرموز الوامضة التي أضاءت التأريخ في زمن ذروة الظلام وقمة الظلم، وتتمثل هذه الرموز بأبطال كربلاء وقائدهم الإمام الحسين الشهيد(عليه السلام) الذين قاموا بثورة شاملة على التصوّرات والرؤى والمواقع، وأحدثوا الانعطافة الكبيرة في عالم الصمت والخنوع والذلّ.
ولا يزال الباب مشرعاً أمام كلّ الشعراء، يضيفون هذا الرصيد الإبداعي العظيم وما يدور في خلدهم من صور وتعابير وأفكار شعرية وطرائق جديدة... كل ذلك من أجل صيانة الذات الإسلامية والفكر عبر أطهر قنواته وأخلص رموزه وأبرز كفاحه، تلك النهضة الحسينية التي تظلّ مهما تقادم الزمن شاهداً على حضارية الدين الإسلامي وطبيعة الأيديولوجيا المنفتحة على الواقع والأمة والمجتمع والفرد.

دوافع وخلفيات الشعر الحسيني: لم يكن هذا الإبداع المتواصل في الشعر الحسيني شيئاً منقطعاً عن دوافعه وخلفيّاته كما هو شأن الشعر العبثي الذي يتوخى فيه الشعراء السير على خارطة الإبداع الشعري المحض ويكتب نتيجةً لتفاعلات نفسية داخلية منقطعة عن الواقع الذي يراد إصلاحه بل كان له دوافع عقيدية وخلفيات دينية بالإضافة إلى الهمّ الإبداعي الذي أثرى هذا الرصيد شكلاً ومضموناً، ونلخّصها في شيئين:
الأول: الدافع العقيدي: فإن الإمام الحسين(عليه السلام) لم يقم بثورته لمجد شخصي أو غرض ذاتي أو مصلحة خاصة كما هو مفصلٌ في كتب المقاتل ودراسات النهضة، بل كان مصمماً على الشهادة ـ مع علمه القاطع بالنتيجة ـ لأنّ الواقع كان بحاجة إلى هزّة عنيفة توقظه من سباته العميق، وتبعثه حيّاً من حالة التغييب والإماتة التي تعرّض لها فكره وشخصيته، وهذه المهمة لأنها أنيطت بأعظم شخصية رسالية في عصرها وأقدس نفس تواجدت في الأمة، فقد كانت الهزّة محققةً لأهدافها مع ما قام به الإمام الحسين(عليه السلام) وصحبه وأهل بيته من فعل خلاّق في ساحة المعركة وظروف الثورة، كلّ ذلك أدّى إلى تفاعل الإنسان المسلم مع هذه الثورة ورمزها وأهدافها، ولكنّ السلطات الحاكمة أحكمت القبضة على الشعب وكبّلت إرادته بقيود حديدية قاهرة.
ونتيجة لضعف إرادة الأمة والتعتيم الإعلامي على الثورة ودوافعها والتضليل الأموي، لم تتخذ الأمة موقفها الشرعي الصحيح من ثورة الإمام الحسين(عليه السلام)، ولكن الفعل الحسيني الكبير الذي تمخّضت عنه الأحداث ومقتل سليل النبوّة وامتدادها بين ظهراني الناس جعلهم يدركون حقيقة المشهد الإجرامي للسلطة وعظم تخاذل موقف الأمة المعاصرة، وراح الشعراء يصوّرون الموقف المتخاذل للأمة تجاه أبرز ظاهرة عقائدية تريد أن تعيد للعقيدة الإسلامية صورتها الواقعية النقيّة المشرقة، فكان هذا الإحساس العقائدي العميق المشوب بالخجل والندم والإحساس بالتقصير دافعاً قوياً للإبداع الذي يتوخى اعادة اتخاذ الموقف الصحيح، ويعبّر عن انتماء صاحب النص الشعري إلى هذه الثورة العقائدية وممثل العقيدة الإسلامية، بدون أن يخشى تهديد السلطة أو أن يعيقه الفعل التضليلي لها.
قال أبو الفرج الأصفهاني: قد رثى الحسين بن علي (عليه السلام) جماعة من متأخري الشعراء أستغني عن ذكرهم في هذا الموضع كراهة الإطالة، وأما من تقدّم فما وقع إلينا شيء رثي به، وكانت الشعراء لا تقدم على ذلك مخافةً من بني أمية وخشيةً منهم(3). وعلى خلاف ما يذهب إليه الأصفهاني، وتأكيداً لكلامنا السابق حول الخلفية العقيدية المشوبة بالندم والتقصير نجد نصاً لأبي الأسود الدؤلي ظالم بن عمرو (ت ٦٩ هـ)، يرثي فيه الحسين(عليه السلام) ومن أصيب معه من بني هاشم:
سأجعل نفسي لهم جنة * فلا تكثري لي من اللائمة
وأرجو بذلك حوض الرسو * لِ والفوز والنعمة الدائمة
لتهلك إن هلكت برة * وتخلص إن خلصت غانمة (4)
فهذا الشعر قيل بعد مقتل الإمام الحسين بقليل، وصاحب النصّ يتدارك موقفه ببذل نفسه لامتداد الإمام الحسين (عليه السلام) ووريثه وهو الإمام السجاد (عليه السلام) ويعلن عن استعداد لمناصرة أهل البيت (عليهم السلام) راجياً بذلك الفوز بالعالم الأخروي العظيم.
وكذا كانت قصائد دعبل الخزاعي وإسماعيل الحميري والكميت وغيرهم من متقدمي الشعراء ومتأخريهم، تضجّ بالروح العقائدية التواقة إلى الالتحام بالحسين (عليه السلام) والاندكاك بمضمون ثورته العقائدي بعد أن أدركوا البعد العقيدي لتحرّك الإمام الحسين (عليه السلام) وأنّها دفاع محض عن العقيدة والمبدأ وليس طلباً لفضول الحطام كما صرّح بذلك قائد النهضة (عليه السلام) في خطبه العديدة وكلماته النورية.
الثاني: الدافع الشرعي: ويتمثّل في إدراك الأئمة(عليهم السلام) لضرورة إطلاق العنان لأفق الثورة أن يمتد وللفيض الشعري أن يتدفق، فحثّوا شيعتهم ومواليهم على إنشاد الشعر في الحسين(عليه السلام) ونعيه ورثائه انطلاقاً من ذلك للتعبير عن التلاحم الصادق والتفاعل المرجو للأمة مع ثورة الإمام الحسين(عليه السلام) وتمثل أبعادها ومعطياتها ورموزها وبطولاتها على شكل واقع حيّ معطاء يعالج به إشكاليات الحياة وتحديات المرحلة الراهنة.
فأول من أمر برثاء الحسين(عليه السلام) هو الإمام السجاد(عليه السلام) المشاهد والمواكب لأحداث الثورة والهاضم لحقيقتها والواقف على عمقها، حيث أمر بشير بن حذلم فقال أبياته المعروفة في المدينة (يا أهل يثرب...)
واحتفى بعد ذلك أئمة أهل البيت(عليهم السلام) بالشعراء الحسينيين وأكرموهم أيّما إكرام تقديراً لجهودهم الإبداعية، وترويجاً للأدب الهادف، وإطلاقاً لمضامين الثورة أن تتحرك بين الأمة بشكل جمالي فني يؤثر في السامع ويلقي في روعه قيم الحق والبطولة والفضيلة، فكان الاستحباب الشرعي والثواب ورضا اللّه تعالى مؤكداً من قبل أئمة أهل البيت(عليهم السلام)بالإضافة إلى إدراك الشاعر أنّ هذا من أبرز مظاهر تعظيم الشعائر المعدودة من تقوى القلوب (ومن يعظم شعائر اللّه فإنها من تقوى القلوب)(5).
وهذا التأكيد من الأئمة (عليهم السلام) ألهب حماس الشاعر وقوّى مخيّلته ودفعه للتنافس والإبداع في سبيل هذا الهدف: ومن ذلك قول الإمام محمد الباقر(عليه السلام) للكميت بن زيد الأسدي لمّا أنشده قصيدته الرائعة:
من لقلب متيم مستهام * غير ما صبوة ولا أحلامِ
بل هواي الذي أجن وأبدي * لبني هاشم أجل الأنام
قال الإمام(عليه السلام): لا زلت مؤيّداً بروح القدس ما ذببت عنّا أهل البيت(6).
وفي رواية المسعودي أنه حينما بلغ:
وقتيل بالطف غودر منهم * بين غوغاء أمة وطغام
بكي(عليه السلام) وقال: يا كميت لو كان عندنا مال لأعطيناك، ولكن لك ما قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) لحسان بن ثابت: لازلت مؤيداً بروح القدس ما ذببت عنا أهل البيت(7).
وأما الإمام الصادق(عليه السلام) فقد قال: ما قال فينا قائل بيتاً من الشعر حتى يؤيّد بروح القدس(8).
وحينما طلب من شاعره المفضّل سفيان بن مصعب العبدي أن ينشده في الحسين(عليه السلام)، أمر بتقريب أم فروة وعياله، فلما حضرن، قال سفيان:
فرو جودي بدمعكِ المسكوبِ...
فصاحت أم فروة وصحن النساء، فقال أبو عبداللّه: الباب، الباب واجتمع أهل المدينة، فأرسل إليهم أبو عبد اللّه(عليه السلام): صبيٌ غشي عليه(9).

خاتمة:
ونتيجة لهذه القدرة الذاتية للشعر الحسيني، وقابليته للانفجار والتوهّج والإضاءة لكل ثائر ومصلح وغيور، عمد حكّام الجور على تكميم أفواه الشعراء وملاحقة نتاجاتهم الواعية المستمدة من ثورة الحسين(عليه السلام) العظيمة كردّة فعل إرهابية لما أشاعه أهل البيت(عليهم السلام)وشعراؤهم من مضامين وتعابير فنيّة تحفر في ذاكرة التأريخ والإنسان تبعاً لعظمة مضامين الثورة وقيمها.
ولكن ظلّ الشعراء يتحدّون السلطات ويعاصون التيار الإرهابي إحساساً منهم بضرورة إدامة الثورة وتحريك روحها في الواقع، ووعياً منهم بضرورة الالتزام بهذا الحثّ الشرعي الذي يعتبر الالتزام به انتماءً حقيقياً لصاحب الثورة الشهيد ووفاءً منهم للسير في ضوء خطّته الإصلاحية العظيمة، فهذا دعبل يقول:
يا آل أحمد ما لقيتم بعده * من عصبة هم في القياس مجوس
كم عبرة فاضت لكم وتقطعت * يوم الطفوف على الحسين نفوس
صبراً موالينا فسوف نديلكم * يوماً على آل اللعين عبوس
ما زلت متبعاً لكم ولأمركم * وعليه نفسي ما حييت أسوس(10)
فظلّ ـ بفعل هذا الإصرار والتحدّي من الشعراء الرساليين المؤمنين بنهضة الحسين(عليه السلام) والمدركين لعمقها وأثرها، وبفعل الدافع العقائدي وتوجيه أئمة أهل البيت(عليهم السلام) وبفعل التأثير الواسع لمشهد الثورة العام ـ ظلَّ الشعر الحسيني حلبةً ومضماراً حضارياً لسكب الإبداع وتنافس المبدعين حتى جذب من هم خارج السرب وجعلهم يغرّدون ويصدحون بحقيقة الثورة ومضمونها ممّا أكسب الأداء الشعري بعداً عالمياً وإنسانياً يشير إلى الحق والحقيقة والعزّة والكبرياء ويدلّل على حقيقة المتخاذلين والمجرمين والنفعيين.
ولا زالت هنالك فسحة للأطلال على الواقع الشعري المعاصر، وفجوة لابدَّ من ملئها بما يعرض مضامين الثورة في واقع اليوم الضاج بالصراع على شتّى الأصعدة، وبعكس وجهة النظر الحسينية في هذا العصر، وذلك من خلال ما يسطّره الشعراء الحسينيون بآلتهم الفنية ولغتهم الشعرية ورؤيتهم الإبداعية، من صور وتعابير تفيض في المجتمع فتملأ القلوب والنفوس بحبّ الثورة الخالدة ورمزها الشهيد الإمام الحسين(عليه السلام).

الهوامش:
(1) أعيان الشيعة ٧: ٣٠٨ طـ دار التعارف.
(2) واقعة كربلاء في الوجدان الشعبي، محمد مهدي شمس الدين: ١٨٤ طـ المؤسسة الدولية.
(3) مقاتل الطالبيين: ١٢٢، تحقيق أحمد صقر.
(4) أدب الطف لجواد شبّر ١: ١٠١ طـ ١ بيروت.
(5) الحج: ٣٢.
(6) واقعة كربلاء في الوجدان الشعبي: ١٤١ مصدر سابق.
(7) مروج الذهب ٢: ٦٦ .
(8) عيون أخبار الرضا للصدوق ١: ٧ طـ دار العلم.
(9) الروضة من الكافي: ٢١٥، حديث رقم ٢٦٣.
(10) واقعة كربلاء في الوجدان الشعبي ١٦٤ مصدر سابق.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com