موقع الصراط ... الموضوع : في رحاب خليل الرحمن إبراهيم-6
 
الخميس - 5 / ربيع الأول / 1442 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  في رحاب خليل الرحمن إبراهيم-6  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 7 / شوال / 1433 هـ
     
  2 - خليل الرحمن:
((وَاتَّخَذَ اللَّهُ إبراهيم خَلِيلاً )) (النساء:125)
الخليل مشتق من الخلة بضم الخاء وهي المحبة الخالصة التي لا يخالطها شيء بل تتسم بالصفاء التام وقيل: إنما اتخذ الله إبراهيم خليلا؛ لأنه مودته تتخلل القلب. وتستوعبه ويستغرق هو بها فلا يعرف سواه كما قال الشاعر:
قد تخللت مسلك الروح مني * وبه سمي الخليل خليلا
(والخليل في كلام العرب الصاحب الملازم الذي لا يخفي عنه شيء من أمور صاحبه مشتق من الخلال وهو النواحي المتخللة للمكان ((فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ))((وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً)) )
وقيل الخليل من يسد خلل صاحبه، والخليل هو الذي يتخذ ويتوافق مع صديقه في الخلال والصفات والأخلاق،أو هم من يتخلل الإنسان في مساتره ويتخلل هو أيضا في مساتر الإنسان.
واتخذ الله إبراهيم خليلا (لكمال خلته، والمراد بخلته لله أنه كان مواليا لأولياء الله ومعاديا لأعداء الله، والمراد بخلة الله له نصرته على من أراده بسوء كما أنقذه من نار نمرود وجعلها عليه برداً وسلاماً)
وبهذا يتبين أن خلة الرحمن لإبراهيم (ع) مقام شامخ منحه الله تعالى له بعد أن عَبَرَ مقامات كثيرة دون هذا المقام العظيم (وأن الله تعالى اصطفاه وخصه بكرامة الخلة وهي من المقامات العالية، والمنازل الرفيعة، ولن ينالها إلا الأوحدي الذي ترك ما سواه عز وجل لوجهه الكريم، فأورد في قلبه محبة لمعبوده، وتوجها لخالقه، ولم يصل الخليل إلى هذا المقام إلا بعد اجتياز مراحل، وطي منازل كثيرة، وهي مرحلة الفتنة والافتتان، ثم التسليم، ثم العبودية، ثم النبوة، ثم الرسالة، ثم الإمامة، وقد اجتاز إبراهيم (ع) كلها بأمان فخصه الله تعالى بالخلة والإمامة، كما يظهر من الآيات الشريفة، التي نزلت في حق إبراهيم (ع) )
ولا بد أن نشير أن خلة الرحمن لعبده تختلف عن الخلة بين الناس وإن كانت فيها فرط حب كما في تلك إلا أن المحبة بين الناس تشوبها المصلحية والنفعية فإن الإنسان بطبعه مجبول على حب من ينفعه وبغض من يضره، وأما الخلة الإلهية فهي مجردة عن المصالح الذاتية فالله يحب عبده ولا حاجة إليه فلا تضره معصية من عصاه ولا تنفعه طاعة من أطاعه (فإن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق حين خلقهم غنيا عن طاعتهم، آمنا من معصيتهم؛ لأنه لا تضره معصية من عصاه، ولا تنفعه طاعة من أطاعه)؛ ولأن الإنسان محتاج، مشروط، محدود القدرات، محدود العمر، فما لله فيه من حاجة، (لكن لا ينبغي أن يتوهم أن الخلة الإلهية كالخلة الدائرة بين الناس الحاكمة بينهم على كل حق وباطل التي يفتح لهم باب المجازفة، والتحكم فالله سبحانه مالك غير مملوك، ومحيط غير محاط بخلاف الموالى والرؤساء والملوك من الناس فإنهم لا يملكون من عبيدهم ورعاياهم شيئا إلا ويملكونهم من أنفسهم شيئا بإزائه، ويقهرون البعض بالبعض، ويحكمون على طائفة بالاعضاد من طائفة أخرى ولذلك لا يثبتون في مقامهم إذا خالفت إرادتهم إرادة الكل، بل سقطوا عن مقامهم وبان ضعفهم)

لِمَ اتخذ الله تعالى إبراهيم (ع) خليلاً:
لا يمكن أن ندرك الأسرار الإلهية بمداركنا المحدودة، وكيف يعرف المحدود في كل شيء الأسرار التي لا نهاية لها ولا حدود إلا عند مُسِرها؛ ولهذا لا بد أن نرجع إلى خزنة الأسرار الإلهية؛ لنعرف شيئا من ذلك، واتخاذ إبراهيم (ع) لله تعالى خليلاً هو أيضا له أسرار لا يعلمها إلا أهلها فلنرجع إلى آل محمد (ع) لنعرف سر ذلك فقد بيّنوه في أحاديث عدة نذكر من تلك الأسرار.
أولاً: لكثرة سجوده لله تعالى فعن ابن أبي عمير قال: قلت لأبي عبد الله (ع) لِمَ اتخذ الله إبراهيم خليلاً؟ قال: لكثرة سجوده على الأرض)
ثانياً: لطاعته المطلقة لله تعالى: فعن الصادق (ع) أن الله تعالى (إنما اتخذ إبراهيم خليلاً؛ لطاعته ومسارعته إلى رضاه لا لحاجة منه سبحانه إلى خلته)
ثالثاً: لأنه لم يرد سائلاً، ولم يسأل أحداً، فعن أبي الحسن الرضا (ع) قال: (سمعت أبي يحدث عن أبيه أنه قال: إنما اتخذ الله إبراهيم خليلاً؛ لأنه لم يرد أحداً ولم يسأل أحداً قط غير الله عز وجل)
رابعاً: لأنه مضايف يكرم الضيف: عن الإمام الرضا عن آبائه عن علي (ع) قال: (كان إبراهيم أول من أضاف)
وفي رواية أخرى عن أبي عبد الله (ع) لما جاء المرسلون إلى إبراهيم جاءهم بالعجل فقال: (كلوا، فقالوا: لا نأكل حتى تخبرنا ما ثمنه، فقال: إذا أكلتم فقولوا: بسم الله، وإذا فرغتم فقولوا: الحمد لله، قال فالتفت جبرائيل إلى أصحابه وكانوا أربعة وجبرائيل رئيسهم، فقال: حق لله أن يتخذ هذا خليلاً)
ومن كل ما تقدم نستنتج أن الله تعالى إنما اتخذ إبراهيم خليلاً لإيمانه المطلق، وطاعته الخالصة، وتخلقه بخلق الله، وتجرده لله دون سواه حتى عاد (لا يرى لنفسه شيئاً في مقابل مخلوقات الله؛ ولذا ترى أن إبراهيم خليل الرحمن لا يدعو في دعواته الكريمة إلا لأهل الإيمان مطلقاً كما حكاها عز وجل في كتابه العزيز قال تعالى محكياً عنه: ((رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ)) (إبراهيم:41) )
يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com