موقع الصراط ... الموضوع : من أنوار سيرة أمير المؤمنين-12
 
الثلاثاء - 6 / جمادي الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  من أنوار سيرة أمير المؤمنين-12  
   
  كتب بتاريخ : الأحد - 8 / شوال / 1433 هـ
     
  الكاتب: الشيخ جميل الربيعي
المرحلة الخامسة: علي وآله (ع) يصارعون الظالمين على طول الزمن:
لا نعرف رجلاً في التأريخ أجمعت دولتان عظيمتان, إحداهما في طول الأخرى على إخمال ذكره, ودفن فضائله, بكل ما تملك من قدرات اقتصادية وسياسية وإعلامية سخرتها لمحوه من التأريخ, ورغم ذلك ظهرت من فضائله ما ملأ بين الخافقين, فقد واصل الأمويون منذ أن تسلموا السلطة على إمحاء ذكره, وتشويه صورته ضمن خطة إعلامية محكمة سُخرت لها كل إمكانيات الدولة؛ لتشويه صورته من على منابرها التي بلغت سبعون ألف في طول وعرض المجتمع الإسلامي, فقد حرم ذكر اسمه (ع) وكنيته, إلا باللعن والشتم والبراءة, ورغم ذلك (فقد انتشر من مناقبه وفضائله وصفاته وأفعاله ما تواتر, واستفاض, وملأ الدفاتر والأسفار, وانتشر في جميع الأقطار والأعصار, ولم تجدِ محاولة إنكاره سبيلاً إلى الإنكار) وهذا بحد ذاته يعد من معجزات الإسلام العظيم الذي مثله علي (ع) قولاً وفعلاً.
يقول الشيخ المفيد قدس سره: (ومن آياته (ع) وبيناته التي انفرد بها ممن عداه، ظهور مناقبه في الخاصة والعامة، وتسخير الجمهور؛ لنقل فضائله, وما خصه الله به من كرائمه, وتسليم العدو من ذلك بما فيه الحجة عليه، هذا مع كثرة المنحرفين عنه والأعداء له، وتوفر أسباب دواعيهم إلى كتمان فضله، وجحد حقه، وكون الدنيا في يد خصومه, وانحرافها عن أوليائه، وما اتفق لأضداده من سلطان الدنيا، وحمل الجمهور على إطفاء نوره, ودحض أمره، فخرق الله العادة بنشر فضائله وظهور مناقبه، وتسخير الكل للاعتراف بذلك والإقرار بصحته، وإندحاض ما احتال به أعداؤه في كتمان مناقبه، وجحد حقوقه، حتى تمت الحجة له، وظهر البرهان لحقه)
ويثبت لنا هذا الأمر أي أنها من معجزاته وكراماته إذا عرفنا الجهد الذي بذل لمحو ذكره فقد كان في أيام بني أمية أكثر من سبعين ألف منبر يُلْعن علي بن أبي طالب (ع) من فوقها في كل جمعة, بما شرعه معاوية لهم, وجعلها سنة يشب عليها الصغير, ويهرم عليها الكبير, إن معاوية كان يقول في آخر خطبة الجمعة: (اللهم إن أبا تراب الحد في دينك، وصد عن سبيلك فالعنه لعنا وبيلا، وعذبه عذابا أليما, وكتب بذلك إلى الآفاق، فكانت هذه الكلمات يشار بها على المنابر، إلى خلافة عمر بن عبد العزيز) حتى وصل فيهم الحد أنهم يُحذرون من يسمي ولده باسم علي (ع) ويستبدل اسمه باسم آخر فقد (كان الحجاج -لعنه الله- يلعن علياً (ع) ، ويأمر بلعنه وقال له متعرض به يوما وهو راكب: أيها الأمير، إن أهلي عقوني فسموني عليا، فغير اسمي، وصِلني بما أتبلغ به فإني فقير، فقال: للطف ما توصلت به قد سميتك كذا، ووليتك العمل الفلاني فاشخص إليه)
بل كان الظالمون والمنافقون يتفاخرون بلعن أمير المؤمنين (ع) وشتمه للتقرب إلى السلطان, يقول ابن أبي الحديد: جاء عبد الله بن هانئ إلى الحجاج- لعنه الله- وقال: (إن لنا مناقب ليست لأحد من العرب، قال: وما هي؟ قال: ما سُبَّ أمير المؤمنين عبد الملك في ناد لنا قط، قال: منقبة والله، قال: وشهد منا صفين مع أمير المؤمنين معاوية سبعون رجلا، ما شهد منا مع أبى تراب إلا رجل واحد، وكان والله ما علمته امرأ سوء، قال: منقبة والله، قال: ومنا نسوة نَذَرْن: إن قتل الحسين بن على أن تنحر كل واحدة عشر قلائص، ففعلن، قال: منقبة والله، قال: وما منا رجل عُرض عليه شتم أبى تراب ولعنه إلا فعل وزاد ابنيه حسنا وحسينا وأمهما فاطمة، قال: منقبة والله)
ولم يكتفوا بذلك بل راحوا يضعون الأحاديث على لسان رسول الله (ص) في ذم علي وأهل بيته (ع) (إن معاوية وضع قوماً من الصحابة، وقوماً من التابعين على رواية أخبار قبيحة في على (ع)، تقتضي الطعن فيه والبراءة منه، وجعل لهم على ذلك جعلا يرغب في مثله، فاختلقوا ما أرضاه، منهم أبو هريرة، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين عروة بن الزبير. روى الزهري أن عروة بن الزبير حدثه، قال: حدثتني عائشة قالت: كنت عند رسول الله إذ أقبل العباس وعلى، فقال: يا عائشة، إن هذين يموتان على غير ملتي أو قال ديني)
قال أبو جعفر: (وروى الأعمش، قال: لما قدم أبو هريرة العراق مع معاوية عام الجماعة جاء إلى مسجد الكوفة، فلما رأى كثرة من استقبله من الناس جثا على ركبتيه، ثم ضرب صلعته مراراً، وقال: يا أهل العراق، أتزعمون أنى أكذب على الله وعلى رسوله، وأحرق نفسي بالنار! والله لقد سمعت رسول الله (ص) يقول: ((إن لكل نبي حَرماً، وإن حرمي بالمدينة، ما بين عير إلى ثور فمن أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين))، وأشهد بالله أن عليا أحدث فيها: فلما بلغ معاوية قوله أجازه وأكرمه وولاه إمارة المدينة)
وروى الواقدي: أن معاوية لما عاد من العراق إلى الشام بعد بيعة الحسن (ع) واجتماع الناس إليه خطب فقال: أيها الناس, إن رسول الله (ص) قال لي: (إنك ستلي الخلافة من بعدي، فاختر الأرض المقدسة، فإن فيها الإبدال، وقد اخترتكم، فالعنوا أبا تراب فلعنوه، فلما كان من الغد كتب كتابا، ثم جمعهم فقرأه عليهم، وفيه: هذا كتاب كتبه أمير المؤمنين معاوية، صاحب وحي الله الذي بعث محمدا نبيا، وكان أميا لا يقرأ ولا يكتب، فاصطفى له من أهله وزيرا كاتبا أمينا، فكان الوحي ينزل على محمد وأنا أكتبه، وهو لا يعلم ما أكتب، فلم يكن بيني وبين الله أحد من خلقه, فقال له الحاضرون كلهم: صدقت يا أمير المؤمنين)
هذا إضافة إلى إصدار حكم معاوية إلى عماله في كل أنحاء الدولة بوجوب التنكيل بأبشع صورة بكل من يوالي أمير المؤمنين علياً (ع) حيث كتب إليهم: كما (روى أبو الحسن على بن محمد بن أبى سيف المدائني في كتاب (الأحداث) قال: كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام الجماعة أن برئت الذمة ممن روى شيئا من فضل أبي تراب، وأهل بيته، فقامت الخطباء في كل كورة, وعلى كل منبر يلعنون عليا, ويبرءون منه, ويقعون فيه, وفي أهل بيته, وكان أشد الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة لكثرة من بها من شيعة على (ع) فاستعمل عليهم زياد بن سمية, وضم إليه البصرة فكان يتتبع الشيعة, وهو بهم عارف؛ لأنه كان منهم أيام على (ع) فقتلهم تحت كل حجر ومدر, وأخافهم وقطع الأيدي والأرجل, وسمل العيون, وصلبهم على جذوع النخل وطردهم وشردهم عن العراق فلم يبق بها معروف منهم.
وكتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق إلا يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة, وكتب إليهم أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان، ومحبيه، وأهل ولايته والذين يروون فضائله ومناقبه فادنوا مجالسهم وقربوهم وأكرموهم, واكتبوا لي بكل ما يروى كل رجل منهم واسمه واسم أبيه وعشيرته. ففعلوا ذلك حتى اكثروا في فضائل عثمان ومناقبه لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات والكساء والحباء والقطائع, ويفيضه في العرب منهم والموالي فكثر ذلك في كل مصر, وتنافسوا في المنازل والدنيا, فليس يجئ أحد مردود من الناس عاملا من عمال معاوية فيروى في عثمان فضيلة، أو منقبة إلا كتب اسمه وقربه وشفعه, فلبثوا بذلك حينا، ثم كتب إلى عماله أن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر, وفي كل وجه, وناحية فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأولين, ولا تتركوا خبرا يرويه أحد من المسلمين في أبى تراب إلا وتأتوني بمناقض له في الصحابة, فان هذا احب إليَّ واقر لعيني وادحض لحجة أبى تراب وشيعته, واشد عليهم من مناقب عثمان وفضله. فقُرأت كتبه على الناس فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها, وجدَّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتى أشادوا بذكر ذلك على المنابر، والقي إلى معلمي الكتاتيب, فعلموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتى رووه، وتعلموه كما يتعلمون القرآن, وحتى علموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم, فلبثوا بذلك ما شاء الله. ثم كتب إلى عماله نسخة واحدة إلى جميع البلدان: انظروا من قامت عليه البينة انه يحب علياً وأهل بيته فأمحوه من الديوان, واسقطوا عطاءه ورزقه, وشفع ذلك بنسخة أخرى من اتهمتموه بمولاة هؤلاء القوم, فنكلوا به, واهدموا داره. فلم يكن البلاء اشد ولا اكثر منه بالعراق, ولا سيما بالكوفة حتى إن الرجل من شيعة علي (ع) ليأتيه من يثق به فيدخل بيته فيلقى إليه سره, ويخاف من خادمه ومملوكه, ولا يحدَّثه حتى يأخذ عليه الأيمان الغليظة؛ ليكتمن عليه, فظهر حديث كثير موضوع, وبهتان منتشر, ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة, وكان اعظم الناس في ذلك بلية القراء المراءون, والمستضعفون الذين يظهرون الخشوع والنسك, فيفتعلون الأحاديث ؛ ليحظوا بذلك عند ولاتهم, ويقربوا مجالسهم ويصيبوا به الأموال والضياع والمنازل حتى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديّانين الذين لا يستحلون الكذب والبهتان فقبلوها, ورووها, وهم يظنون أنها حق, ولو علموا أنها باطلة لما رووها ولا تديّنوا بها فلم يزل الأمر كذلك حتى مات الحسن بن علي (ع), فازداد البلاء والفتنة فلم يبق أحد من هذا القبيل إلا وهو خائف على دمه أو طريد في الأرض, ثم تفاقم الأمر بعد قتل الحسين (ع)، وولي عبد الملك بن مروان, فاشتد على الشيعة, وولي عليهم الحجاج بن يوسف, فتقرب إليه أهل النسك والصلاح والدين ببغض علي وموالاة أعدائه وموالاة من يدعى من الناس انهم أيضاً أعداؤه, فاكثروا في الرواية في فضلهم وسوابقهم ومناقبهم, واكثروا من الغض من علي (ع) وعيبه والطعن فيه والشنآن له)
كل هذا الجهد بُذل لإخفاء فضائل علي (ع) وإعطاء صورة معكوسة عنه وترسيخها في نفوس الشبيبة حتى يشب عليها الصغير, ويهرم فيها الكبير, وقد أصبحت سنة يدينون بها إلى الله وأعطى معاوية على ذلك من بيت مال المسلمين ما لا يعد، ولا يحصى, ضمن خطة إعلامية محكمة كانت تنفذ بدقة.
قال أبو جعفر: (وقد روى أن معاوية بذل لسمرة بن جندب مائة ألف درهم حتى يروى أن هذه الآية نزلت في علي بن أبى طالب: ((وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَاد)) (البقرة:204-205) وأن الآية الثانية نزلت في ابن ملجم، وهي قوله تعالى: ((وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ)) (البقرة:207)، فلم يقبل، فبذل له مائتي ألف درهم فلم يقبل، فبذل له ثلاثمائة ألف فلم يقبل، فبذل له أربعمائة ألف فقبل، وروى ذلك.
قال: وقد صح أن بنى أمية منعوا من إظهار فضائل على (ع)، وعاقبوا [على] ذلك الراوي له، حتى إن الرجل إذا روى عنه حديثا لا يتعلق بفضله بل بشرائع الدين لا يتجاسر على ذكر اسمه فيقول: عن أبى زينب)
هذا ما عمله بنو أمية, والذي استمر ما يقرب من قرن من الزمان. وأما بنو العباس فقد استمروا على النهج الأموي في معاداة أهل البيت (ع), وإخفاء فضائلهم, ومحاربة أوليائهم قتلاً وسجناً وتشريداً وإرهاباً, حتى قال شاعر أهل البيت (ع) دعبل الخزاعي قدس سره:
لم يبقَ حي من الأحياء نعلمه * من ذي يمان ولا بكر ولا مضر
إلا وهم شركاء في دمائهم * كما تشارك أيسار على جزر
قتلاً وأسراً وتخويفاً ومنهبةً * فعل الغزاة بأرض الروم والخزر
أرى أمية معذورين إن قتلوا * ولا أرى لبني العباس من عذر
قوما قتلتم على الإسلام أولهم * حتى إذا استملكوا جازوا على الكفر
أبناء حرب ومروان وأسرتهم * بنو معيط ولاة الحقد والوغر
أربع بطوس على قبر الزكي بها * إن كنت تربع من دين على وطر
هيهات كل امرئ رهن بما كسبت * له يداه فخذ ما شئت أو فذر
لقد كان هدف بني العباس إبطال كل ما يمت إلى علي (ع) عن الساحة السياسية فقد أرعبوا كل من ينتسب إليهم بنسب أو حسب كما فعل السفاح والدوانيقي وهارون والمتوكل وغيرهم من التوهين والتشهير والتقتيل والإبادة بوسائل بلغت درجة من الوحشية ما لا نظير له في تأريخ البشرية, فقد كانوا يضعون كل من يتهم بتشيعه لأهل البيت (ع) في أسطوانات البناء لئلا يبقى له عين، ولا أثر، ونذكر من ذلك مثلاً واحداً؛ لنعرف مدى ما وصلت إليه وحشية بني عباس وظلامة آل علي رضي الله عنهم. فقد ذكر صاحب كتاب عيون أخبار الرضا (ع):
(حدثنا أبو منصور المطرز قال: سمعت الحاكم أبا أحمد محمد بن محمد بن إسحاق الأنماطي النيسابوري, يقول بإسناد متصل ذكر: انه لما بني المنصور الأبنية ببغداد جعل يطلب العلوية طلباً شديداً, ويجعل من ظفر منهم في الاسطوانات المجوفة المبنية من الجص والآجر فظفر ذات يوم بغلام متهم حسن الوجه عليه شعر اسود من ولد الحسن بن على بن أبي طالب (ع) فسلمه إلى البنّاء الذي كان يبني له، وأمره أن يجعله في جوف اسطوانة ويبنى عليه, ووكل عليه من ثقاته من يراعي ذلك حتى يجعله في جوف اسطوانة بمشهده فجعله البَنّاء في جوف اسطوانة فدخلته رقة عليه ورحمة له فترك [في] الاسطوانة فُرْجة يدخل منها الروح, فقال للغلام:
لا بأس عليك فاصبر فإني سأخرجك من جوف هذه الاسطوانة إذا جن الليل, فلما جن الليل جاء البَنّاء في ظلمه فاخرج ذلك العلوي من جوف تلك الاسطوانة, وقال له: اتق الله في دمي, ودم الفعلة الذين معي وغَيّب شخصك فإني إنما أخرجتك في ظلمة هذه الليلة من جوف هذه الاسطوانة؛ لأني خفت إن تركتك في جوفها أن يكون جدك رسول الله (ص) يوم القيامة خصمي بين يدي الله عز وجل ثم أخذ شعره بآلات الجصاصين, كما أمكن وقال: غيب شخصك, وانج بنفسك, ولا ترجع إلى أمك فقال الغلام:
فإن كان هذا هكذا فعَرَّف أمي إني قد نجوت وهربت؛ لتطيب نفسها, ويقل جزعها وبكاؤها, وان لم يكن لعودي إليها وجه, فهرب الغلام, ولا يدرى أين قصد من وجه ارض الله تعالى, ولا إلى أي بلد وقع؟! قال ذلك البناء: وقد كان الغلام عرفني مكان أمه, وأعطاني العلامة فانتهيت إليها في الموضع الذي دلني عليه فسمعت دويا كدوي النحل من البكاء فعلمت أنها أمه فدنوت منها, وعرفتها خبر ابنها, وأعطيتها شعره وانصرفت)
روي مرفوعاً إلى محمد بن الاسقنطري قال: (كنت من خواص المنصور لأبي جعفر الدوانيقي, وكنت أقول بإمامة أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (ع) فدخلت يوماً على أبي جعفر الدوانيقي, وإذا هو يفرك يديه, ويتنفس تنفسا بارداً, فقلت: يا أمير المؤمنين ما هذه الفكرة فقال: يا محمد إني قتلت من ذرية فاطمة بنت رسول الله (ص) ألفاً أو يزيدون, وقد تركت سيدهم المشار إليه, فقلت له : ومن ذلك يا أمير المؤمنين, فقال: ذلك جعفر بن محمد)
لقد كان بنو العباس يبذلون كل جهدهم لمحو ذكر محمد وأهل بيته, حتى دعاهم حقدهم إلى هدم قبورهم, ومنع زيارتهما كما فعل المتوكل بهدم قبر الحسين (ع).
فقد (أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي (ع), وهدم ما حوله من المنازل والدور وأن يحرث، ويبذر, ويسقى موضع قبره, وان يمنع الناس من إتيانه, فذكر أن عامل صاحب الشرطة نادى في الناحية من وجدناه عند قبره بعد ثلاثة بعثنا به إلى المطبق فهرب الناس, وامتنعوا من المصير إليه, وحرث ذلك الموضع وزرع ما حواليه)
واستعان باليهود, لتنفيذ هذا العمل الإجرامي الكبير؛ لامتناع المسلمين عن فعله, فقد (وبعث برجل من أصحابه يقال له: الديزج، -وكان يهودياً فأسلم- إلى قبر الحسين، وأمره بكرب قبره, ومحوه وإخراب كل ما حوله، فمضى ذلك وخرب ما حوله، وهدم البناء, وكرب ما حوله نحو مائتي جريب، فلما بلغ إلى قبره لم يتقدم إليه أحد، فأحضر قوما من اليهود فكربوه، وأجرى الماء حوله، ووكل به مسالح بين كل مسلحتين ميل، لا يزوره زائر إلا أخذوه ووجهوا به إليه)
قال أبو الفرج الأصفهاني في مقاتل الطالبيين: (وكان المتوكل شديد الوطأة على آل أبي طالب غليظاً على جماعتهم مهتماً بأمورهم شديد الغلظة والحقد عليهم, وسوء الظن والتهمة لهم واتفق له أن عبيد الله ابن يحيى ابن خاقان وزيره يسيء الرأي فيهم فحسن له القبيح في معاملتهم فبلغ فيهم ما لم يبلغه أحد من خلفاء بني العباس قبله, وكان من ذلك أن كرب قبر الحسين، وعفى آثاره, ووضع على سائر الطرق مسالح له لا يوجدون أحداً زاره إلا أتوه به فقتله أو أنهكه عقوبة)
كما اتخذ المتوكل مسلكاً آخر للتوهين والتشهير والإسقاط لأمير المؤمنين (ع) في أعين الناس, فقد كان (شديد البغض لعلي بن أبي طالب (ع), ولأهل بيته، وكان يقصد من يبلغه عنه أنه يتولى علياً وأهله بأخذ المال والدم, وكان من جملة ندمائه عبادة المخنث, - وهو يتمثل له مثال علي (ع) - وكان يشد على بطنه تحت ثيابه مخدة, ويكشف رأسه وهو أصلع, ويرقص بين يدي المتوكل والمغنون يغنون: قد أقبل الأصلع البطين, خليفة المسلمين، يحكي بذلك علياً (ع) والمتوكل يشرب ويضحك ففعل ذلك يوماً, والمنتصر حاضراً فأومأ إلى عبادة يتهدده فسكت خوفاً منه, فقال المتوكل: ما حالك؟ فقام وأخبره, فقال المنتصر: يا أمير المؤمنين إن الذي يحكيه هذا الكلب ويضحك منه الناس هو ابن عمك, وشيخ أهل بيتك, وبه فخرك فَكُلْ أنت لحمه إذا شئت, ولا تطعم هذا الكلب وأمثاله منه، فقال المتوكل للمغنين, غنوا جميعاً:
غار الفتى لابن عمه * رأس الفتى في حر أمه)
يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com