موقع الصراط ... الموضوع : التوكل-1
 
السبت - 10 / صفر / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  التوكل-1  
   
  كتب بتاريخ : الأحد - 8 / شوال / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
((وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)) (المائدة:23)
((وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)) (الطلاق:3)
((وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)) (الأنفال:49)
التوكل هو الاعتماد على الله في تنجيز الأعمال، ومواجهة الأحداث واستمداد العون منه تبارك وتعالى؛ لتحصيل القوة والعزم والتصميم لمواصلة المسير في طريق ذات الشوكة … فهو حركة لا سكون، وصمود لا خمود .
إن الإنسان الذي يسعى لتحقيق أهدافه المشروعة، وإنجاز أعماله يحتاج إلى قوتين: قوة مادية وفق الأسباب الطبيعية، وقوة روحية معنوية وبدون تظافر هاتين القوتين لا يستطيع أن ينجز عمله ويبلغ مراده. فالتوكل هو القوة الروحية التي يستمدها الإنسان من إيمانه بالله تعالى، ويقينه بأنه مسبب الأسباب ولا سبب فوق ذلك، فالمتوكل هو الذي يجري في حركة الأسباب التي وضعها الله تعالى في سننه التي لا تقبل التحويل والتبديل؛ ولذلك لا يخاف أحداً إلا الله تعالى … وهذا المعنى هو الذي أكد عليه أئمة الحق (ع) فعن الحسن بن الجهم قال: (سألت الرضا (ع) فقلت: جعلت فداك ما حد التوكل؟ فقال لي: ألا تخاف أحداً إلا الله)
وروي عن الإمام الكاظم (ع) أنه قال: (من أراد أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله. وسأل عن حد التوكل ما هو؟ قال: لا تخاف سواه)
وروي عنه (ع): (الغنى والعز يجولان فإذا ظفرا بمواضع التوكل أوطنا)
وعن علي بن سويد عن أبي الحسن الأول (ع) قال سألته: عن قول الله عز وجل ((وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُه)) (الطلاق:3) فقال: (التوكل على الله عز وجل درجات: أن تتوكل على الله في أمورك كلها، فما فعل بك كنت عنه راضياً، تعلم أنه لا يألوك خيراً وفضلاً، وتعلم أن الحكم في ذلك له، فتوكل على الله بتفويض ذلك إليه، وثق به فيها وفي غيرها)
إذن التوكل معنى إيجابي لا موقف سلبي، فلابد فيه من تفكير أولاً وتخطيط ثانياً، وتنفيذ ثالثاً. في كل هذا يبذل جهده وطاقته، ثم يعتمد في إنجاح حركته ومواصلة مسيرته على الله تعالى، ولعل هذا ما تفيده الآية الكريمة ((فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ)) (آل عمران:159) فالعزم عملية يسبقها تفكير وتخطيط ويعتمد على الله في إنجاح التنفيذ على يده، يقول العلامة الطباطبائي: (والتوكل عليه اعتماده والاطمئنان إليه في أمر، وتوكيله تعالى , والتوكل عليه في الأمور ليس بعناية أنه خالق كل شيء ومالكه ومدبره، بل بعناية أنه أَذِنَ في نسبة الأمور إلى مصادرها والأفعال إلى فواعلها وملكها إياها بنحو من التمليك، وهي فاقدة للأصالة والاستقلال في التأثير والله سبحانه هو السبب المستقل القاهر لكل سبب، الغالب عليه فمن الرشد إذا أراد الإنسان أمراً وتوصل إليه بالأسباب العادية التي بين يديه أن يرى الله سبحانه هو السبب الوحيد المستقل بتدبير الأمر، وينفي الاستقلال والأصالة عن نفسه، وعن الأسباب التي استعملها في طريق الوصول أليه، فيتوكل عليه سبحانه، فليس التوكل هو قطع الإنسان، أو نفيه نسبة الأمور إلى نفسه، أو إلى الأسباب، بل هو نفيه دعوى الاستقلال عن نفسه وعن الأسباب، وإرجاع الاستقلال والأصالة إليه تعالى مع إبقاء أصل النسبة غير المستقلة إلى نفسه وإلى الأسباب)
ويقول قدس سره: (ولازم اتخاذه تعالى رباً ولياً من جهة التكوين إرجاع أمر التدبير إليه بالانقطاع عن الأسباب الظاهرية والركون إليه من حيث إنه سبب غير مغلوب ينتهي إليه كل سبب وهذا هو التوكل)
فالتوكل إذن عملية اعتصام بالله تعالى؛ لأنه الكافي ولا كافي سواه ((وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)) (الطلاق:3) وجاء في الحديث الشريف عن أبي عبد الله (ع) قال: (أوحى الله عز وجل إلى داود (ع): ما اعتصم بي عبد من عبادي دون أحد من خلقي، عرفت ذلك من نيته، ثم تكيده السماوات والأرض ومن فيهنَّ إلا جعلت له المخرج من بينهن، وما اعتصم عبد من عبادي بأحد من خلقي عرفت ذلك في نيته إلا قطعت أسباب السماوات والأرض من يديه وأسخت الأرض من تحته ولم أبال بأي واد هلك)
وبهذا يتضح أن التوكل معنى روحي عقائدي يترسخ في نفس الإنسان من خلال يقينه أن لا مؤثر في الوجود إلا الله تعالى، وهو معنى عملي لا نظري مجرد عن الواقع، هذا الاعتقاد إذا وصل حد القطع واليقين يمنح الإنسان القوة، والعزم والتصميم … ثم إن التوكل لا يبطل الأسباب، ولا يقعد الإنسان، ولا يعطل قواه بل يمنحه الصبر والصمود والأمل البناء في تحقيق ما يروم، يقول العلامة المجلسي في تفسير الحديث: إن الغنى والعز يجولان فإذا ظفرا بموضع التوكل أوطنا: (ثم إن التوكل ليس معناه ترك السعي في الأمور الضرورية، وعدم الحذر عن الأمور المحذورة بالكلية، بل لابد من التوسل بالوسائل والأسباب على ما ورد في الشريعة من غير حرص ومبالغة فيه، ومع ذلك لا يعتمد على سعيه، وما يحصله من الأسباب، بل يعتمد على مسبب الأسباب .
قال المحقق الطوسي رضي الله عنه في أوصاف الأشراف: المراد بالتوكل أن يكل العبد جميع ما يصدر عنه، ويرد عليه إلى الله تعالى، لعلمه بأنه أقوى وأقدر ويضع ما قدر عليه على أحسن وجه وأكمل ثم يرضى بما فعل، وهو مع ذلك يسعى ويجتهد فيما وكله إليه، ويعد نفسه وعمله وقدرته وإرادته من الأسباب والشروط المخصصة؛ لتعلق قدرته تعالى وإرادته ما صنعه بالنسبة إليه، ومن ذلك يظهر معنى لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين)
يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com