موقع الصراط ... الموضوع : نظريات الدولة الإسلامية الحديثة
 
الأربعاء - 17 / جمادي الأول / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  نظريات الدولة الإسلامية الحديثة  
   
  كتب بتاريخ : الأحد - 8 / شوال / 1433 هـ
     
  بقلم علي المؤمن
استغرقت مسيرة الفقه السياسي الإسلامي زمناً طويلاً، وشهدت تحولات كثيرة لتصل إلى مرحلة تدوين فقه الدولة الإسلامية الحديثة. ويمكن إجمال المراحل التي مرت بها المدرستان الرئيستان(1) في الواقع الإسلامي، بما يأتي:
1- مدرسة الخلافة تمثلت المرحلة الأولى، من مراحل هذه المدرسة، في الكتابات التي ظهرت في العهد الأموي، ومعظمها عبارة عن أحاديث وروايات هدفها تسويغ الحكم وممارساته وإضفاء الشرعية عليه من جهة، والتشكيك بالمدرسة المنافسة (الإمامة) من جهة أخرى. ثم ظهرت المؤلفات الأساسية في العهد العباسي، ومعها بدأت المرحلة الثانية التي استمرت حتى أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، حينها دخل الفقه السياسي لمدرسة الخلافة مرحلته الثالثة من خلال النتائج الجديدة للمفكرين والفقهاء الإصلاحيين، وظل يعيش هذه المرحلة حتى الثلاثينات من القرن العشرين، حيث بدأت المرحلة الرابعة التي لا تزال قائمة، وفيها ظهرت مؤلفات وبحوث مهمة استوعبت جميع جوانب فقه الدولة الإسلامية ونظمها.
2- مدرسة الإمامة تمثلت مرحلتها الأولى في الكتابات التي عمقت مبدأ الإمامة وخصائصها من منظور العقيدة، ثم اتسعت لتشتمل على الجانب الفقهي أيضاً. وقد استوعبت هذه المرحلة زمنياً عصر الأئمة الإثني عشر، واستمرت حتى ظهور حركة الاجتهاد ومعها المدونات الفقهية، فكانت المرحلة الثانية التي تبلورت خلال القرن الثالث الهجري، وامتدت إلى عصر الدولة الصفوية، حينها بدأت المرحلة الثالثة التي مثلت نقلة في المسار التاريخي للفقه السياسي الإمامي. أما المرحلة الرابعة فقد بدأت في القرن الثالث عشر الهجري مع ظهور بعض الكتابات الفقهية السياسية المهمة. وبظهور بحوث الإمام الخميني، في أواخر الستينات من القرن الميلادي العشرين، انتهت المرحلة الرابعة، فكانت بحوث الإمام تمثل مرحلة بذاتها، وهي المرحلة الخامسة، ثم بدأت المرحلة السادسة مع نشأة الدولة الإسلامية في إيران.
وشهدت المرحلة الأخيرة ثورة بحثية كبرى في الفقه السياسي لمدرسة الإمامة، بلغت المؤلفات والدراسات في هذا المضمار أرقاماً قياسية كماً ونوعاً، فمجموع ما صدر خلال السنوات العشر الأولى من عمر الجمهورية الإسلامية الإيرانية (1979 1988م) كان أكثر بكثير مما كتب خلال إلف عام سبقتها(2). والاهم من ذلك هو المستوى النوعي لهذه المؤلفات، إذ استوعبت جميع موضوعات فقه الدولة الإسلامية الحديثة ونظمها، وهي موضوعات لم يكن معظمها قد طرح على طاولة البحث الفقهي، أو انه طرح بصور افتراضية مقتضبة. هذا المستوى من الشمولية والوضوح والعمق لم يكن يخطر على بال احد قبل تأسيس الدولة الإسلامية الحديثة، وهو ثمار جهود استثنائية قادها الفقهاء والأكاديميون الإسلاميون في الحوزات الدينية والجامعات في غير بلد إسلامي، ولاسيما في إيران والعراق ولبنان(3).
وقد اخذ مبدأ ولاية الفقيه حقه من التنظير الاستدلالي المعمق، حتى في أدق تفاصيله، التي تستوعبها عناوين: شرعية ولاية الفقيه، حاكمية الفقيه ومساحتها، موقع الولي الفقيه في النظام السياسي الإسلامي،صلاحيات الولي الفقيه، موقع الشورى في إطار حاكمية الفقيه، علاقة الفقيه الحاكم بغيره من الفقهاء، علاقة الفقيه الحاكم بالمسلمين خارج الحدود الجغرافية للدولة الإسلامية، نصب الفقيه ومراقبته وعزله وغير ذلك من قضايا ومسائل.
أما على مستوى نظم الدولة الإسلامية، فإنها قامت على أساس النظريات والتشريعات الفقهية التي صاغها الفقهاء والحقوقيون والمتخصصون في إطار مجالس تخصصية -غالبا- وهي تمثل ثمرة الرؤية الفقهية الشمولية للإمام الخميني ومفهومه الواقعي للاجتهاد. وقد تمثلت هذه النظم جميع تفاصيل النظرية والتطبيق، واستوعبت حركة الدولة والمجتمع والسلطة على مختلف المسارات الاجتماعية والثقافية والحقوقية والسياسية والإدارية والاقتصادية والعسكرية وغيرها. إلا أن النظام السياسي للدولة سبق النظم الأخرى في النضج والتبلور، وفي زمن قياسي لا يتجاوز السنتين، في حين واجهت الجمهورية الإسلامية صعوبات وإشكاليات كثيرة على مستوى النظم الأخرى، فظلت لسنوات عديدة، ولا تزال، تعيش مرحلة الاكتشاف وإعادة الاكتشاف والتأهيل والأسلمة. لأنها، في الحقيقة، لم ترث فقها يسد جزءا من حاجاتها الجديدة.
وفي مر حلة(4) تدوين فقه الدولة الإسلامية الحديثة، برزت عدة نظريات وأطروحات فقهية في موضوع الدولة الإسلامية، وهي تنقسم إلى اتجاهين رئيسيين:
الأول: لا يؤمن بقيام دولة إسلامية شرعية في عصر الغيبة، استنادا إلى بعض الروايات والمنقولات التي تعد كل راية، قبل المهدي، راية ضلال، وأصرت على التفسيرات الخاصة التي تحمل رؤى مسبقة. وهي بذلك، كما يقول العلماء، لا تعبر عن الظهور الموضوعي، أو الفهم الموضوعي، للروايات، فضلا عن اصطدامها ببديهيات العقل السليم. هذا الاتجاه يرى أن إقامة الحكومة الإسلامية هو حق خاص بالإمام المعصوم (ع)، فلا ولاية للفقيه على الحكم ولا شورى للأمة، وإنما هناك ولاية للفقيه في الأمور الحسبية، وهو حق مكفول للأمة أيضا، ويعد واجبا كفائياً تحدده الظروف، إضافة إلى قولها بولايتي الإفتاء والقضاء الخاصتين بالفقيه أيضاً.
ويبتعد هذا الاتجاه عن أي جهد عملي في الشأن السياسي وعن ممارسة أي سلوك سياسي، ويحصر جهوده الفقهية في أبواب الفقه التقليدية.
ولا ينحصر هذا الاتجاه بمدرسة الإمامة، بل أن بعض المفكرين السنة يذهب إلى الرأي نفسه، إلا أن المنطلقات تتباين بالكامل، فالاتجاه الفقهي الإمامي القائل بهذا الرأي ينطلق من رؤى دينية ويعبر عن فهم فقهي،في حين ينطلق أولئك المفكرون السنة من رؤية دنيوية سياسية، وان لم تصرح بعلمانيتها، وتتلخص في عدم إيمانها بشمولية الدين لموضوع الدولة وبتناول الشريعة لموضوعات الفقه السياسي والنظام السياسي،وان الذي يمكن طرحه في هذا المجال هو دولة المسلمين والتجربة التاريخية لدولة المسلمين وليس الدولة الإسلامية(5).
الثاني: يؤمن بقيام الدولة الإسلامية، وهو الاتجاه السائد والغالب في حجمه وحجته. هذا الاتجاه يضم النظريات التي تؤمن بشرعية قيام الدولة الإسلامية في عصر الغيبة، لكنها تختلف في عدد من أسسها وأدلتها الشرعية، وتلتقي في معظم الأهداف والنتائج، وفي مقدمتها هدف إقامة الدولة الإسلامية وتحكيم الشريعة وحماية الدين وتحقيق غاياته والدفاع عن المسلمين ومقدراتهم. أما الأساس الأهم الذي تختلف حوله هذه النظريات فهو صاحب الولاية في الدولة ومصدر شرعيتها، حتى أصبح هذا الأساس معيار تقسيم نظريات الدولة الإسلامية الحديثة، وأشهرها وأهمها: نظرية الشورى، ونظرية ولاية الفقيه المنصوب، ونظرية ولاية الفقيه والشورى.
ونستعرض هنا أهم معالم النظريات الثلاث، ليس بهدف دراستها، ولكن بهدف دراسة تطور نظرية الدولة في الفقه الإسلامي، على اعتبار أن هذه النظريات هي خلاصة أهم ما توصل إليه الفقهاء المسلمون المعاصرون بوصفه امتدادا لجهود الفقهاء المتقدمين. النظرية الأولى: نظرية الشورى ويتمسك بها معظم الاتجاهات الفقهية المعاصرة لمدرسة الخلافة، إضافة إلى بعض الاتجاهات الفكرية في مدرسة الإمامة.
وتتلخص، في مفهومها للولاية، إذ تحصر حق الولاية بالأمة التي تنتخب من تفوضه في رئاسة الدولة، ليكون وكيلا عنها وليس وليا عليها في إدارة الدولة وممارسة الحكم. وتستند هذه النظرية إلى قاعدة الشورى في اختيار رئيس الدولة وممارسة السلطة، عبر عدد من الآليات، أهمها: الاستناد إلى رأي أكثرية الأمة، فيمكن حينها لجميع أفراد الأمة احتلال موقع رئاسة الدولة الإسلامية من دون اشتراط العلم الشرعي أو الفقاهة. بيد أن هذه النظرية لا تمانع في أن يكون رئيس الدولة فقيها، ولكن ليس لأنه فقيه، بل لكونه مواطناً، إذ ليس للتخصص العلمي الشرعي أي مدخلية في الانتخابات والتعيين.
ويذهب فقها هذا الاتجاه من الشيعة إلى عدم وجود شكل محدد للنظام السياسي في الإسلام، وعدم وجود ولاية لأحد على احد من المسلمين. وبذلك تضع هذه النظرية موقع رئاسة الدولة، أو ولاية الحكم، في إطار الشكل وليس المضمون.
ويختلف دعاة هذه النظرية حول آيات تنفيذ الشورى، الأمر الذي قسمها إلى عدة نظريات. ولكن على المستوى النظري، فان آلية انتخاب رئيس الدولة الإسلامية أما تكون بالانتخاب المباشر وضمن مرحلة واحدة، أي الابتداء بالبيعة والانتهاء بالتنصيب، أو الانتخاب غير المباشر على مرحلتين، وفيه يتم انتخاب الحاكم الأعلى من قبل أهل الحل والعقد الذين ترتضيهم الأمة، ثم تنتهي عملية التنصيب بالبيعة. وفي كلتا الحالتين، فان الانتخاب الشعبي هو الذي يمنح الحاكم الأعلى شرعية ممارسة الحكم. وإذا تجاوزنا الجوانب العقدية والمنطلقات الفكرية في هذه النظرية، وأمعنا النظر في نظامها السياسي وطبيعة ممارسته السلطة، فسنجدها اقرب إلى الديمقراطيات التقليدية.
وحول أرضية نمو الشورى ونضجها، في إطار مدرسة الخلافة، يمكن القول: أنها أرضية خصبة للغاية، ولعلها الخيار الأبرز لمدرسة الخلافة، لانسجامها مع المباني العقدية والفقهية للمدرسة، فضلاً عن مسارها التاريخي. يقول أحد الفقهاء السنة المعاصرين: ((إن طريقة الإسلام الصحيحة، عملاً بمبدأ الشورى وفكرة الفروض الكفائية، هي طريقة واحدة، وهي أهل الحل والعقد وانضمام رضا الأمة باختياره، وأما عدا ذلك فمستنده ضعيف))(6).
ولكن، على صعيد مدرسة الإمامة، فإن نظرية الشورى تواجه العديد من العقبات الشرعية، فضلاً عن العقبات النفسية، وهي لا تمتلك من الأدلة ما تعتد به، بالنظر لغربتها عن مبدأ الإمامة وامتداداته، غياب معظم الأبعاد الدينية والروحية لمبدأ الإمامة في مضامين الدولة وأشكالها وفي علاقة القاعدة بالقمة، إذ ستكون هذه العلاقة مجرد علاقة سياسية وعقد اجتماعي، هشة في مضامينها الدينية التي تؤكد عليها مدرسة أهل البيت(ع).
النظرية الثانية: نظرية ولاية الفقيه وتستند إلى دعامة النصب الشرعي للفقيه العادل الكفؤ ولياً للأمة، بوصفه نائباً عاماً للإمام المهدي(عج)، الأمر الذي يحصر الحق الشرعي في رئاسة الدولة الإسلامية به، بوصفها احد مظاهر ولايته، من دون أن يكون للشورى مدخلية في منحه شرعية الحكم، لأنها شرعية مكتسبة من ولاية الإمام المعصوم، ولكن الشورى يمكن أن تكون معياراً للتفاضل بين الفقهاء الجامعين لشروط القيادة فيما لو تعددوا. أما البيعة فهي مظهراً لإعلان الطاعة من جانب الأمة. ويتولى الولي الفقيه من أمور المسلمين ما كان يتولاه النبي(ص) والإمام (ع)، لأنه مفوض من قبل الإمام في قيادة المجتمع عند غيبته.
وتأسيس الدولة الإسلامية واجب كفائي على الفقهاء العدول، ولو أقامها احدهم وجب على الفقهاء الآخرين إطاعته وعدم مزاحمته في مساحة ولايته. وهكذا فالفقيه الحاكم غير ملزم بالشورى في ممارسة الحكم إلا بمقدار الترجيح بين آراء المشيرين وان تجاوزت مساحة المشيرين أهل الحل والعقد وأصحاب الاختصاص إلى الأمة. وعدالة الفقيه هي ميزان استمراره في الحكم. والفقيه هو مصدر شرعية الدولة وسلطاتها، ويقول بهذا الرأي معظم فقهاء مدرسة الإمامة السلف ممن يعممون ولاية الفقيه على موضوعة الحكم. أما ابرز من نظر لها من الفقهاء المعاصرين فهو الإمام الخميني، الذي حولها إلى واقع عملي. كما أسهم معظم تلامذته، ومعهم أيضاً فقها ينتسبون علمياً إلى اتجاهات مرجعية أخرى، في شرحها وتعضيد أدلتها وبلورتها. ويقسم بعض أصحاب الاختصاص ولاية الفقيه إلى مطلقة ومقيدة.
والحقيقة أن نظرية ولاية الفقيه المنصوب لا تلتقي، من ناحية مصدر الولاية وإطلاقها، مع اتجاهات مدرسة الخلافة، لتقاطعهما في مبدأ شرعية المصدر وحقه في منح الشرعية، وهو أساس عقدي مهم عنوانه: الإمامة. ولكن من النواحي الأخرى، كما سيأتي، يختفي التقاطع ويأخذ الاختلاف حجمه الطبيعي، بل قد تنعدم كثير من الاختلافات عند تلمس النتائج.
النظرية الثالثة: نظرية ولاية الفقيه والشورى أو ولاية الفقيه المنتخب، وهي نظرية حديثة تتوسط نظرية ولاية الفقيه ونظرية الشورى، إذ أنها تشترط الفقاهة في ولي الأمر، ولكن اختياره يتم في إطار الشورى التي تمثل الأمة، وانتخاب الأمة هو الذي يمنحه شرعية ممارسة الحكم، كما أن أساليب إدارة السلطة متروكة للأمة أيضاً من خلال ممثليها.
وبذلك تكون للأمة ولاية الحكم، وللفقيه ولاية الرقابة والإشراف والإدارة العليا، بوصفه نائباً للإمام المعصوم، ومظاهرها قيادة الأمة ورئاسة الدولة الإسلامية. وطبقا لهذه النظرية فإن الشورى ملزمة للولي الفقيه.
وأول من طرح هذه النظرية وبلورها الإمام الشهيد محمد باقر الصدر(7)، الذي يعبر بدقة عن طبيعة هاتين الولايتين وطريقة تكاملهما، فسمى الأولى خلافة الأمة، باعتبار الخلافة الممنوحة للإنسان على الأرض، والثانية شهادة الفقيه، باعتبار نيابته العامة للإمام المعصوم، ومن خلال انتخاب الأمة للفقيه سيلتقي خط الخلافة بخط الشهادة، فيكون الفقيه(8) حينها مجسداً للخطين. ويشترط الشهيد الصدر في الولي الفقيه أن يكون مرجعاً دينياً بالفعل، ومرشحا من قبل مجلس المرجعية (أهل الحل والعقد)، ومنتخبا من قبل الأمة (في حالة تعدد المرجعيات المتكافئة المرشحة). وتقف هذه النظرية على عدد من الأسس الشرعية:
1- لا ولاية بالأصل إلا للّه تعالى.
2- النيابة العامة عن الإمام المعصوم هي للمجتهد المطلق العادل الكفوء، وهي مصدر الولاية الممنوحة للفقيه، بمعنى القيمومة على تطبيق الشريعة وحق الإشراف الكامل.
3- الخلافة العامة للأمة على أساس قاعدة الشورى، هي التي تمنحها حق ممارسة أمورها بنفسها ضمن إطار الإشراف والرقابة الدستورية من نائب الإمام.
4- فكرة أهل الحل والعقد، التي طبقت في الحياة الإسلامية، والتي تؤدي بتطويرها على النحو الذي ينسجم مع قاعدة الشورى وقاعدة الإشراف الدستوري من قبل نائب الإمام إلى افتراض مجلس يمثل الأمة وينبثق عنها بالانتخاب.
وبناء على ذلك، يخلص الشهيد الصدر إلى أن الإسلام يرفض نظرية القوة والغلبة في تكوين الحكومة، ونظرية التفويض الإلهي الإجباري، ونظرية العقد الاجتماعي، ونظرية تطور الدولة عن العائلة، ويذهب إلى أن الدولة ظاهرة نبوية وتصعيد للعمل النبوي. أما من الناحية الوظيفية فان الدولة -كما يقول- وظيفتها تطبيق الشريعة الإسلامية التي وازنت بين الفرد والمجتمع، وتحمي المجتمع لا بوصفه وجوداً (هيغليا) مقابلاً للفرد، بل بوصفه تعبيراً عن مجموعة الأفراد(9).
وتبنى هذه النظرية، في ما بعد، وبحثها بمزيد من التفصيل والاستدلال عدد من الفقهاء، الذين وجدوا عند دراستهم لنظريات الدولة في فقه الإمامة أن القول الظاهر لفقها الإمامية السلف يتمحور حول نظرية ولاية الفقيه المنصوب من قبل الإمام المعصوم، والتي لا يكون لانتخاب الناس اثر في تعيينه. ويجمع هؤلاء الفقهاء بين نظرية ولاية الفقيه ونظرية الشورى بنحو الطولية، باعتبار أنهما غير متقاطعتين، بل تكمل أحداهما الأخرى، ويخلصون إلى القول: إن النصب المباشر للولاية هو من قبل اللّه تعالى كما في حالة النبي (ص) والأئمة الإثني عشر (ع)، ولا تنعقد الإمامة لغير المنصوب إلهياً مع وجوده والتمكن منه، وفي حالة عدم وجوده(غيابه) كان للأمة حق الاختيار، ولكن ليس الاختيار المطلق، بل لمن وجد الشرائط والمواصفات المعتبرة، وهنا تنعقد الإمامة للفقيه بانتخاب الأمة له. وهناك من فقها مدرسة الخلافة المعاصرين من يتبنى هذه النظرية بنحو أو آخر، كالدكتور محمد المبارك الذي يقول: إن ((رئيس الدولة إمام المسلمين وأميرهم هو المرجع الأعلى في شؤون الدولة للاجتهاد في التشريع... مع وجود مبدأ الشورى، ولذلك كان الأصل أن يكون رئيس الدولة الإسلامية بالغا درجة عالية من فقه الإسلام وفهم مبادئه وحسن تطبيقها، وان كان ينبغي أن يكون معه من العلماء من يستشيرهم ويأخذ أراهم تجنبا للاستبداد))(10). فهو يشترط في ولي الأمر أن يكون فقيها تفرزه الشورى ويعمل بالشورى.
مقارنة وإذا حاولنا عقد مقارنة بين الأطروحتين الأخيرتين (أطروحة ولاية الفقيه وأطروحة ولاية الفقيه والشورى)، نجد أن الاختلاف بينهما لا يتجاوز الجانب النظري غالبا، ويكاد ينعدم في الجانب التطبيقي. ويمكن القول:أن أطروحة ولاية الفقيه (النظرية الثانية) تتمتع بقبول أوسع في أوساط فقهاء الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ويطلقون عليها ((ولاية الفقيه المطلقة))، في حين أن نظرية ولاية الفقيه والشورى (النظرية الثالثة) والتي يطلق عليها بعضهم ولاية الفقيه المقيدة، بمعنى المقيدة بالدستور، وليس بمعنى الناقصة، فهي النظرية الحاكمة في الواقع السياسي الإيراني القائم، على مستوى الدستور والتطبيق، الأمر الذي يدل على أن النتائج التي تفرزها النظريتان تظل واحدة، ولا سيما في ما يتعلق بمساحة حاكمية الولي الفقيه وصلاحياته وهيكلية النظام السياسي. ويتلخص جذر الاختلاف في زاوية النظر إلى انتخاب ولي الأمر، فنظرية ولاية الفقيه تقول: إن انتخاب الخبراء (أهل الحل والعقد) لا يمنح ولي الأمر الشرعية، بل هو كشف وتفاضل. وتقول النظرية الأخرى: إن هذا الانتخاب يمنح الشرعية الدينية والمشروعية القانونية للفقيه لكي يمارس الحكم،على اعتبار أن الحكومة الإسلامية هي عقد شرعي بين الأمة والحاكم المنتخب.
ويقود هذا الاختلاف إلى فروقات نظرية أخرى، كدور بيعة الأمة وانتخابها وموقع الشورى وعلاقة أجهزة الدولة بالشورى والفقيه وعزل الفقيه وغيرها. فمثلا عزل الفقيه الحاكم في نظرية ولاية الفقيه والشورى يتم عبر الخبراء (أهل الحل والعقد) إذا فقد احد الشروط المطلوبة، وهو عزل شرعي وقانوني، ولكن في نظرية ولاية الفقيه المطلقة فان الفقيه الحاكم يعزل ذاتيا إذا فقد أي شرط، ويكون دور الخبراء هو الكشف عن العزل، أي أن دور الخبراء في نظرية ولاية الفقيه هو (الإخبار عن الحكم)، وفي نظرية ولاية الفقيه والشورى ((إنشاء الحكم)).
ومما سبق يظهر أن معظم اتجاهات الفقه السياسي الإسلامي المعاصرة لا تحول دون تولي الفقيه العادل الكفوء قيادة المجتمع ورئاسة الحكومة الإسلامية ((وملء منطقة الفراغ التشريعية والتنفيذية والقضائية، والإشراف على تطبيق أحكام الإسلام وإقامة حدوده وفرائضه مما لا خلاف فيه بين الفقهاء، ولا يوجد فقيه يحتمل أن تكون هذه الولاية لأحد من ابنا الأمة الإسلامية دونهم... وإنما الاختلاف بحسب الحقيقة في أمرين:
أولا: في ثبوت هذه الولاية للفقيه على حد ما هو ثابت للإمام(ع) (في ما يرتبط بمساحة الولاية) أو اختصاصها بخصوص الدائرة التي يتوقف عليها حفظ النظام الإسلامي وإدارة المجتمع على أساس الإسلام.
ثانيا: في صحة بعض الأدلة والنصوص التي استدل بها لإثبات هذا المبدأ))(11).
وحتى الاتجاه الفقهي الذي يدعو لنظرية الشورى فانه يوافق على تولي الفقيه للحكم إذا انتخبته الشورى، فالقدر المتيقن لدى الاتجاهات الثلاثة (السنية والشيعية) هو اشتراكها في فتح الأبواب أمام الفقيه لتولي الحكومة الإسلامية، وهو ما يمكن أن يكون قاعدة لتوحيد الركائز العملية أو التطبيقية التي يفرزها الفقه السياسي الإسلامي بمختلف مذاهبه واتجاهاته(12)، إذ أنها توافق على قرار أهل الحل والعقد في نصب ولي الأمر وعزله، وكون أهل الحل والعقد هم أهل العمل والخبرة الذين ترتضيهم الأمة، وأن الفقيه العادل الكفوء هو أصلح من يتولى الحكم (حسب نظرية الشورى) أو أن ولاية الحكم محصورة به (حسب النظريتين الأخريين)، وان صلاحيات ولي الأمر تشتمل على جميع مجالات حركة الدولة. وقد انبثقت هذه القاعدة المشتركة بعد مراحل طويلة مرت بها مسيرة الفقه السياسي الإسلامي (انظر الشكل الذي يبين التقاء النظريتين) آخذين بنظر الاعتبار أن تطبيق هذه القاعدة المشتركة بين الاتجاهات الرئيسية لمدرستي الخلافة والإمامة يصلح لعصر غيبة الإمام (ع) فقط.
حكومة الرسول (ص) مدرسة الخلافة ـ مدرسة الإمامة البيعة الخلافة ـ. النصب بالنص الإمامة الشورى اشتراط الاجتهاد ـ النصب النوعي نيابة الإمامة في الحاكم ـ (ولاية الفقيه) التقاء النظريتين إمامة الفقيه وشورى الأمة وقد أنزلت الدولة الإسلامية الحديثة (في إيران) هذه القاعدة إلى واقع التطبيق، بعد أن جمع نظامها السياسي بين إمامة الفقيه وشورى الأمة، ليس بهدف إرضاء اتجاهات الفقه السياسي الأخرى، بل من منطلق رؤية فقهية متكاملة، فكانت، كما ذكرنا، ثورة تغييرية كبرى على مسار الفقه السياسي الحاكم منذ حكم معاوية بن أبي سفيان في الشام وحتى إلغاء خلافة عبد المجيد في تركيا، بعد أن كشفت بجلاء علمي عن مفهوم ولاية الأمر الشرعية ومفهوم الخلافة الحقيقية للأمة ومفهوم الشورى في النظرية والشورى في الممارسة.

الهوامش:
1- حول طبيعة التسمية وخلفياتها الفكرية والسياسية والتاريخية، انظر: للكاتب نفسه، مسار الفقه السياسي الإسلامي ‏حتى تدوين فقه الدولة الإسلامية الحديثة، مجلة التوحيد، العدد 99، ربيع 1999، ص 37 45.
2- وضع الباحث عبد الجبار الرفاعي موسوعة من عشرة مجلدات تحت عنوان ((مصادر النظام الإسلامي))، وخص‏المجلد الثامن منها بمصادر الإمامة والسياسة، وعند النظر في هذه المصادر، وتحديدا الخاصة بمدرسة أهل البيت،سنجد أن معظمها صدر بعد تأسيس الدولة الإسلامية في إيران.
3- مسار الفقه السياسي الإسلامي، مصدر سابق، ص 59 61.
4- المصدر نفسه، ص 62.
5- من ابرز دعاة هذا الرأي علي عبد الرازق في كتابه (الإسلام وأصول الحكم).
6- د. وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، ج‏6، ص 673.
7- في بحثيه: لمحة فقهية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية، وخلافة الإنسان وشهادة الأنبياء.
8- للمزيد: انظر: الشهيد الصدر، لمحة فقهية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية، الإسلام يقود الحياة، ص 13و14.
9- المصدر نفسه، ص 16 17.
10- د. محمد المبارك، نظام الإسلام.. الحكم والدولة، ص 70.
11- السيد محمود الهاشمي، مصدر التشريع ونظام الحكم في الإسلام، ص 58 و59.
12- دافع عن هذا الرأي كثير من المفكرين والباحثين السنة، بينهم، على سبيل المثال، المرحوم الدكتور كليم صديقي، في معظم مؤلفاته وبحوثه، ككتاب الحركة الإسلامية ومقالاته في صحيفتي كرسنت انترناشيونال والهلال الدولي، والدكتور توفيق محمد الشاوي في كتابيه فقه الشورى والمشورة، وفقه الحكومة الإسلامية بين السنة والشيعة، إذ يقول ‏في الأخير: ((أقام الإمام الخميني جسراً بين فقه الشيعة وبين فقه أهل السنة في نظام الحكم الإسلامي))، ص 24، والدكتور يوسف القرضاوي خلال لقاءاته بعلماء إيران في طهران وقم عام 1998، إضافة إلى بعض العلماء والمفكرين‏السنة المشاركين في الدورتين الثالثة (1985م) والرابعة (1986م) لمؤتمر الفكر الإسلامي بطهران تحت عنوان((الحكومة الإسلامية)). انظر: مجموعة مؤلفين، مقالات المؤتمر الثالث للفكر الإسلامي في طهران، ومقالات المؤتمر الرابع للفكر الإسلامي في طهران.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com