موقع الصراط ... الموضوع : التجديد في الفكر الإسلامي ومعالم المرونة في التشريع-1
 
الأربعاء - 4 / ربيع الثاني / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  التجديد في الفكر الإسلامي ومعالم المرونة في التشريع-1  
   
  كتب بتاريخ : الإثنين - 9 / شوال / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ محمد علي التسخيري
jameel قد لا نأتي بجديد لو تحدثنا عن أهمية إعادة النظر المستقرة في مضامين الفكر الإسلامي وصيغه، بهدف تجديدها وتفعيل العناصر الساكنة فيها: لأنّ استشعار هذه الأهمية من قبل أصحاب الفكر والاختصاص بات من البديهيات التي لا تحتاج إلى دليل. وحسبنا أنّ الواقع المتغيِّر والحوادث المستجدة وسرعة التطور التي نعيشها بشكل يومي، تجلعنا في مواجهة دائمة ومباشرة مع ضرورة التجديد في الفكر الإسلامي وهذا لا يعني أنّ الضرورة تبيح لنا فتح الباب على مصراعيه أمام كل دعوة للتجديد أو كل منهج يهدف إلى التجديد،بل على العكس، فان تزايد تلك الأهمية تتناسب طرديا مع تزايد الحاجة إلى ضبط عملية التجديد وتقنينها بالطريقة التي تجعل من التجديد وسيلة تمكِّن الفكر الإسلامي من استيعاب كل مجالات الحياة، وتجعل الاجتهاد أداة لإخضاع الواقع للشريعة، وحينها لا يكون التجديد هدفا بذاته، بل وسيلة لبلوغ الغاية التي يحقق الدين من خلالها مقاصده وأهدافه.
وأعتقد أن عقد مثل هذه المؤتمرات والملتقيات يمثل ـ في جانب منه ـ حرصا من قادة الفكر الإسلامي حماية هذه الفكرة من موجات الاستهداف المباشر وغير المباشر، والتي ترفع ألوانا مختلفة ومتنوعة من الشعارات البراقة أحيانا والقاتمة أخرى الأمر الذي يجعلنا حريصين على استمرار عملية التجدد بالمقدار نفسه الذي نحرص فيه على سلامة مناهج التجديد وأصالتها.
إنّ عملية التجديد التي نقصدها تتمثل في إيجاد صيغ فكرية جديدة تعتمد المصادر الإسلامية المقدسة، سواء كانت هذه الصيغ جديدة في موضوعاتها أو أنها معالجات لموضوعات قديمة أو أنها إعادة لتنظيم أفكار موروثة والمهم هو أن تكون هذه الصيغ قادرة على الإجابة على التساؤلات الجديدة، و قادرة أيضا على تلبية الحاجات المتغيرة التي تفرضها تحولات الزمان والمكان.
وعلى هذا الأساس فإن الاجتهاد لصيق بعملية التجديد، فهو أداتها والمولِّد الذي ينتج مواد التجديد وبرغم أن الاجتهاد يعني اصطلاحا ـ على وفق الفهم الموروث ـ القابلية على استنباط الحكم الشرعي من مصادر التشريع الإسلامي، إلاّ أنّ تعميمه ليشمل كل مجالات الحياة، أو بالأحرى كل مجالات الفكر الإسلامي التي تتدخل في كل زوايا الحياة، سيجعل الاجتهاد منسجما مع أهداف الشريعة نفسها، والتي هي قانون الحياة.
إذن، فالاجتهاد هو أداة التجديد في فقه الأفراد وأداة التجديد في فقه المجتمع، وفي الفكر الاقتصادي والفكر السياسي والفكر الاجتماعي وغيرها، فضلاً عن قضايا علم الكلام، وأدوات الاستنباط وآليات فهم المصادر الإسلامية المقدسة، فهذه كلها تحتاج إلى الاجتهاد للتجديد. وهذا ما يجعل عملية التجديد ضرورية وخطيرة في الوقت نفسه وتمكن خطورتها في حساسيتها البالغة وآلياتها الدقيقة وطريقها العصب، لأنّ أي تهاون أو انحراف فيها ـ لا قدّر الله ـ سيؤدي إلى نتائج كارثة لا تتوقف آثارها على المجدد أو المجتهد أو المفكر وحده؛ بل تتعداه إلى الأمة بأكملها أو إلى فصيل وشريحة منها ولا نبالغ إذا قلنا بأن المفكر داعية التجديد يمشى على حد السيف خلال عمله،و بالتالي فأي خطأ سينجم عنه منظومة كاملة من الأخطاء.
وتنطلق عملية التجديد من قاعدة المرونة أو عنصر المرونة في الإسلام، فعنصر المرونة هذا هو الذي أعطى للاجتهاد شرعيته، وخلق منه أداةً للتجديد في الفكر الإسلامي ومن هنا ففهم عملية التجديد تبدأ من فهم عنصر المرونة في الشريعة الإسلامية ومظاهرها وتطبيقاتها وهو ما سنحيله إلى محاور البحث.

بين التجديد والمرونة:
التمييز بين التجديد في الفكر الإسلامي وعنصر المرونة في الإسلام؛ يمثل مدخلاً للتعريف على حقائق التجديد،ومدخلاً أيضا لاكتشاف مظاهر المرونة وتطبيقاتها ويتم هذا التمييز عبر أساسين:
الأول: إنّ الفكر هو تصور مستقى من الإسلام، أي انه نتائج فهم المفكر للمصادر الإسلامية المقدسة عبر الأدوات الشرعية للفهم. وهذا الفهم ـ الذي يبذل فيه المفكر كل جهده ليكون النتاج الفكري أكثر قربا من مراد الشارع المقدس ـ له علاقة أيضا بطبيعة فهم المفكر للواقع ومن هنا فان الفكر المُنتَج يتأثر بثقافة المفكر ومعرفته بالعلوم ذات المدخلية بموضوع الفكر، فضلاً عن بيئة المفكر واستجابته لعوامل الاختلاف و نوعيته وإحاطته بجوانب الموضوع وهذه العوامل متغيّرة من مفكر لآخر، الأمر الذي يؤدي إلى بروز نوع من الاختلاف بين النتاجات الفكرية فإنّ عملية الاستنباط هذه أو الفهم هي الحيز البشري في الفكر الإسلامي وبالتالي فالتجديد الفكري يتأثر بمجمل هذه الحقائق؛ لأنه غاية المفكر التي يستخدم من أجل الوصول إليها فهمه للأصول المقدسة وللواقع أيضا وهو الذي يعبَّر عنه بالاجتهاد.
أمّا الإسلام فهو نظام شامل ومتكامل، ويعبِّر عن الثوابت التي لا تقبل التجديد بذاتها وللإسلام أساليب ثابتة في التعامل مع الجانب الثابت في الحياة الإنسانية، وله أيضاً أساليب مرنة في التعامل مع الجانب المتغيِّر، أي أنّ مرونة الإسلام وشريعته السمحاء تقتصر على معالجة المتغيرات، التي تمثِّل المساحة التي تتحرك فيها عملية التجديد.
الثاني: إنّ مرونة الشريعة تخلق مساحة مفتوحة من المتغيرات، وهي مساحة مشروعة تتدخل فيها الاجتهادات أو تصورات المفكر والعوامل المتغيرة في شخصيته و في فهمه، والتي يعمل المفكر في إطارها على تنظيم الجوانب التقنينية (التشريعية) والتنفيذية للحياة، بهدف إخضاع الحياة للشرعية ومن هنا فان البعد المرن في الشريعة هو الذي يحدد مجالات التجديد في الفكر الإسلامي ومساحاته وهذه المساحات تتسع كلما ازدادت متغيرات العصر وضغوطاته وتحدياته.

مظاهر المرونة في الشريعة:
لا تعني المرونة التنازل المبدئي أو الميوعة التنظيمية، فإنّ كلاً منهما يتنافى مع عقائدية المبدأ، المرن وواقعيته العملية؛ ذلك أنّ العقائدية والواقعية توجبان ثبات الأسس العقائدية والمفاهيم التصورية وثبات النظم والبناء العلوي الذي يقوم على أساس من ذلك التصور الرصين.
فالمرونة إذن ـ تعنى التكتيك والتدرج الواقعي يلحظ ضغوط الواقع ويستهدف تعميق التصور الأصيل، والوصول إلى تطبيق الصورة التنظيمية المثلى كما تعني قدرة النظام على استيعاب التحولات الزمانية والمكانية والتعقيدات الاجتماعية كلها، ووضع العلاج الواقعي لها في إطار الأطروحة العامة للتنظيم. وبالتالي فالمرونة هي اتخاذ موقف مؤقت يتغير بتغير الحالة بهدف المحافظة على الموقف العام.
والعقيدة لا تخضع لعامل المرونة، فهي الثابت ـ بالمطلق ـ الذي لا يخضع للمساومة تحت ضغط الواقع. في حين أن التشريع وأساليب التطبيق والتبليغ فيهما جوانب متغيرة، و لذلك فان لعنصر المرونة مدخلية في صياغاتهما ونظمهما وهنا يكمن سر خلود الإسلام وبقائه وقابليته على استيعاب كل ألوان التطور والتحدي و تتمثل أهم مظاهر المرونة في الشريعة الإسلامية بما يلي:
1- مقاصد الشريعة و قواعدها الفرعية، وهي كما يقول علماء أصول الفقه ـ على نوعين: مقاصد عامة، و ترتبط بالغايات العامة للشريعة، والتي من شأن أحكامها الكلية تحقيق مصالح الأمة أما المقاصد الخاصة، فهي ترتبط بغايات باب محدد من التشريعات التي تحقق مصلحة معينة من مصالح الناس والمقاصد الخاصة فيها أيضا جزئية ترتبط بحكم شرعي معين وقد اختلف الفقهاء والأصوليون في تحديد أنواع المقاصد العامة للشريعة، ولكنهم اتفقوا على خطوط عامة تدخل في إطار تحكيم العدالة وتحكيم الأخوة وحفظ الدين وحفظ النفس والعرض وحفظ النسل وحفظ المال وحفظ العقل وغيرها. و بما أنّ قضية المقاصد ترتبط بتحقيق المصالح ودرء المفاسد، فان الخشية من الوقوع في ملابسات الظنون الفردية التي تتجاذب الأفراد، تجعلنا نحيل هذه القضية في المجالات الفردية إلى قطع المجتهد فقط أما بالنسبة للمجال الاجتماعي وأوامر الأمة فتحال إلى ولي أمر الأمة الشرعي؛ لتكون جزء من اختصاصاته في عملية التقنين، وهي بالتالي مساحة مرنة في الشريعة ترتبط باجتهاد ولي الأمر وتشخيصه المصلحة التي تحقق مقصد الشريعة.كما سيأتي.
2- الأحكام الشرعية التي تحدد موضوعاتها الأعراف وأهل الخبرة، وهو ما يمكن أن نعبِّر عنه بتأثير الزمان والمكان في الاجتهاد ونوعية التأثير هذه لها مدخلية في موضوع المرونة لأن تأثير الزمان والمكان في موضوع الحكم الشرعي هو الذي يحدد مضمون الحكم الشرعي وشكله. ومن مظاهر ذلك اختلاف مصاديق المفاهيم من مكان لآخر، كطبيعة الإسراف والغنى و الاحترام وأعداد معينة نتيجة التزاحم بين ضرورة تطبيق الحكم والآثار السيئة التي قد تنجم عن التطبيق في ظل ظروف معينة قاهرة وإذا كان الحكم يرتبط بعمل الأمة فلابد من إيكال تشخيص التزاحم وتقديم الأهم لولي الأمر أيضاً.
3- فتح باب الاجتهاد في استنباط الأحكام الشرعية، وهي المساحة الأكثر مرونة في الشريعة نفسها، أي أنّ عملية الاجتهاد عملية بالغة الدقة وبحاجة إلى نوع متميز من التخصص الذي لا يستطيع أي مكلف بلوغه، بل ولا يستطيع المجتهد نفسه ممارسته برأيه واستحسانه فالمجتهد إذا لم يعثر على دليل من مصادر التشريع فانه يرجع إلى الأصول العلمية، في إطار منهجية لصيقة بالشريعة و مثال ذلك المسائل المستحدثة والجوانب التنظيمية الجديدة، سواء على مستوى فقه المرور والتسعير والتعليم، وقضايا الإعلام والاتصالات والفنون والآداب وغيرها والحقيقة أنّ النصوص التي تركتها مصادر التشريع (تحديدا القرآن الكريم والسنة الشريفة) تتناول قضايا الواقع المرتبط بفترة الصدور، و تتناول أيضا الخطوط العامة للنظم الإسلامية، إضافة إلى بعض الأحكام التي تستمر موضوعاتها مع الزمان والمكان والحال أنّ كل يوم يمر على البشرية يحمل معه قضايا وموضوعات جديدة، لا تعجز الشرعيّة مطلقا عن تحديد أحكامها، وذلك من خلال نافذة الاجتهاد، هذه المكرمة العلمية التي منحتها الشرعيّة للأمة (من خلال مجتهديها)، لكي تبقى قادرة على إخضاع واقعها لأحكام الدين الحنيف. وبالطبع فان موضوع الاجتهاد يشتمل على تحديد دور العقل في عملية الاستنباط، كادراك المصالح العامة أو إدراك التلازم بين أحكامه وأحكام الشرع.
ومن البديهي أن يرفض الشرع المقدس ـ خلال ممارسة عملية الاجتهادـ القواعد الظنية التي لم يقم على اعتبارها دليل قطعي، بل يحدد الاجتهاد في إطار القواعد التي قام على اعتبارها دليل قطعي؛ لأن الشارع لا يسمح للفكر البشري المحض أن يضيف من ذاتياته للإسلام.
وهذا الأمر دليل على دقة عملية الاجتهاد، وكونها لا تترك للمجتهد اختراع منهجية أو قواعد وأصول غريبة عن جنس الشريعة، أي لا تفتح الباب على مصراعيه للمجتهد بأنّ يجدد ويصلح ويرتق ويطور في الشريعة كيفما شاء، هذا فضلاً عن غير المجتهد، فذلك من باب أولى بأنّ لا يتدخل في هذه الأمور التي ليست من اختصاصه.
4- تشريع الأحكام (الشرعية) الثانوية في الحالات الطارئة: فالحكم الشرعي ـ و لاعتبارات مختلفة ـ ينقسم إلى حكم أوّلي وحكم ثانوي وحكم ولائي. وما يهمنا هنا هو الحكم الثانوي، ويمكن أنّ نعرَّفه بأنه الحكم المجعول للموضوع بلحاظ ما يطرأُ عليه من عناوين خاصة تقتضي تغيير حكمه الأولي وهذه الحالات الطارئة هي من قبيل: (الضرر)، (العسر والحرج)، (العجز)، (الإكراه)، (الخوف)، (المرض)، (تزاحم الحكم عند تنفيذه مع حكم أهم منه)، (وقوع الحكم مقدمة لحكم آخر)، إضافة إلى تحوّل الأحكام الوجوبية الكفائية إلى تعيينية إذا انحصرت بشخص واحد ومن هنا فالحكم الثانوي يعبَّر عن مرونة تشريعية: لأن المرونة هنا تعني الاستجابة للحالة الضاغطة بمقدار ما تحمله من ضغط والحالة الضاغطة هنا ليست دائمة، بل إنها استثنائية فمثلاً في حالة «الاضطرار» نستدل بالآية الكريمة: ((...فمن اضطر غير باغ فلا إثم عليه)) في باب تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وغيرها وكذا في حالة (الحرج)، فإن الآية الكريمة تقول: (وما جعل عليكم في الدين من حرج)) وغيرها .
ولا بد أن نؤكد هنا على أنّ الأحكام الثانوية تختلف عن الأحكام الولائية (أحكام ولي الأمر)، لأن الأحكام الثانوية هي أحكام شرعية وضعت للعناوين الطارئة، وتنحصر عناوينها فيما ذكر في القرآن الكريم والسنة الشريفة، فهي ترتكز عليها، بينما ترتكز الأحكام الولائية على المصلحة العامة ومتطلبات الوضع العالم للمجتمع، ويصدرها ولي الأمر من منطلق صلاحياته، وهو الذي يحددها، بينما يستطيع الفرد تحديد الأحكام الثانوية في إطار الضوابط والشروط المنصوص عليها.
5- المساحة التي ينفذ فيها حكم ولي الأمر، أو ما يصطلح عليه فقهياً (الأحكام الولائية) أو (الحكومية) أو (السلطانية). وهي مساحة من الأحكام خاصة بولي الأمر الشرعي، أي الذي تولى أمر المسلمين في إطار ضوابط الشريعة، ومنها قابليته على استثمار هذه المساحة من الأحكام الشرعية، وهي القابلية التي ترادف القابلية على الاستنباط، ونعرَّف الحكم الولائي بأنه الاعتبار الصادر من الحكم الشرعي بمقتضى صلاحيته الشرعية، والمتعلق بأفعال العباد، وهو يشتمل على الأحكام التكليفية والوضعية.
وهذه الأحكام لا تطلق لكل مجتهد، فذلك ما يؤدي إلى تعدد الإرادات الاجتهادية، وبالتالي تفتت وحدة الأمة وتدمير كيانها، وهو ما يتناقض مع مقاصد الشريعة وروحها وغايتها، بل أنها تنحصر في الوالي حدت الشريعة مباني ولايته، أي الولي الحاكم. ومن هنا فالأحكام الولائية تختلف عن الأحكام الأولية والثانوية التي يحددها جميع الفقهاء، شريطة أن لا يكون فيها تقاطع مع الأحكام الولائية، كما أنها محددة بموضوعات معينة هي ساحة المباحات في الشريعة وتشمل أساليب تطبيق الشريعة الإسلامية، كأساليب تطبيق النظام المالي والاقتصادي أو أساليب تطبيق مبدأ الشورى. وتدخل الأحكام القضائية في هذا الباب وباختصار فإنّ ولي الأمر يصدر الأحكام الولائية في إطار الكليات الشرعية ومقاصد الشريعة، وليس له في هذا المجال ـ كما يقول الإمام الخميني ـ أن يستبد بالأمر، بل عليه أن يستشير ذوي الخبرة والاختصاص، ثم ينتهي إلى الحكم الشرعي في ضوء:
1- مصلحة الأمة، وهنا تسمح الشريعة لولي الأمر بالنظر في المصالح وتحديدها عبر استشارة المتخصصين.
2- الأضوية الكاشفة ـ كما يعبُّر عنها الإمام محمد باقر الصدر ـ وهي التي أعطته إياها الشريعة ليسلطها على الواقع ويشخص الحكم المطلوب ومن هذه الاضوية الأحكام الولائية التي أصدرها الرسول العظيم بصفته ولياً للأمر، وهذا باب واسع لا نستطيع تفصيله هنا. 3- الأولويات، وهي التي يواجه بها المساحة التي تتزاحم فيها الأحكام فيقدم الأهم على المهم، أو في إطار الاحتياط لقضية معينة، فيصدر حكما يستبق فيه وقوعها أو مضاعفاتها، كما هو الحال في مجال سد الذرائع التي يظن أنها تؤدي إلى المفسدة، أما الذرائع القطعية الأداء فهي محرمة بالعنوان الثانوي الذي يشخصه المكلف نفسه ولا تحتاج لحكم ولي الأمر.
وهنا لا بد أن أوضح نقطة التقاء مهمة بين المدرستين الفقهيتين الكبريين، مدرسة أهل البيت (ع) ومدرسة أهل السنة، وتتمثل في سماح مدرسة أهل البيت (ع) لولي الأمر باستخدام قواعد المصالح المرسلة وسد الذرائع وغيرها، وهي القواعد التي لا يسمح الفقه الأمامي باستخدامها في عملية الاجتهاد بالنسبة لمجمل الفقهاء فعلى مستوى التطبيق فإنّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية وضعت أعلى مجلس استشاري في الدولة هو «مجمع تشخيص المصلحة» أي اكتشاف مصلحة الأمة وتحديدها، ثم تقديم القرار لولي الأمر بعد دراسة دقيقة، ثم يقوم ولي الأمر بإصدار الحكم الشرعي المناسب ونرى أنّ هذا المجمع بيت في الخلاف ـ على مستوى التقنين ـ بين مجلس الشورى ومجلس حماية الدستور، إذ يتخذ القرار بتحديد القانون المناسب الذي ينظر فيه لمصلحة الأمة والدولة.
منافذ الفكر البشري إلى المساحة المشروع التي يخرج بها المفكرون والفقهاء بالنسبة لواقعة واحدة، مما يشير إلى بشيرية هذه المساحة وبالطبع يتأثر هذا الفهم بعوامل متغيرة بشرية أيضا كامتلاك ثقافة الواقع والعصر، وعمق النظرة وبعدها وشموليتها وغيرها.
2- فهم المصاديق، أي تطبيق الكليات على جزئياتها وتطبيق المفاهيم على مصاديقها، وهكذا تتدخل ذهنية الفقيه والمفكر في نوعية التطبيق وفي اكتشاف المصاديق والجزئيات وتدخل في هذا الإطار أيضا محاولات المجتهد للتخريج الفقهي للعقود الجديدة، كالتامين مثلاً وهذا الفهم والتخريج يخضع لعنوان بشرية الفكر.
3- سير عملية الاستدلال لدى المجتهدين وترتيب أدلتهم.
4- تحديد موارد الأحكام الثانوية والظروف والمتغيرات التي ينطلق منها في تجاوز الحكم الأولي إلى الحكم الثانوي، وهي مساحة دقيقة ومحدودة، ولكنها ـ في كل الأحوال ـ تتدخل فيها طبيعة استيعاب المجتهد وتشخيصه للموضوع، وبالتالي فهي مساحة متغيرة. 5- تحديد ولي الأمر لمصلحة الأمة في قضية من القضايا، ونوعية تسليطه الاضوية الكاشفة على الموضوعات والأحكام، ونظرته لتحديد الأهم والمهم في الأحكام أو في موارد الاحتياط وهذه المساحات خاضعة هي الأخرى لطريقة تفكير ولي الأمر واستيعابه للواقع ودقته في تصريف الأمور وفي اختيار الرأي الصائب بعد استثمار مبدأ الشورى.
وفي مجمل المساحات المذكورة تدخل عملية التأصيل والأسلمية والتجديد والاكتشاف والتي تهدف بأجمعها إلى اختيار الأسلوب الأمثل لتطبيق النظم الإسلامية التي تتضمنها الشريعة، وهو ما يمكن أن نسميه بالتقنين أو التشريع ـ مجازا ـ وهي مساحات تتسع للفكر البشري ليتحرك فيها بحرية عملية ترشّدها الضوابط الشرعية ومقاصد الشريعة العامة.
ونشير هنا إلى أنّ عملية التقنين لا تحوّل الحكم الشرعي إلى قانون بشري، وان كان للفكر البشري دور في صياغته وتشكيله، بل إنّ عملية التقنين تتمثل في اكتشاف الحكم الشرعي لموضوع معين أو تحديد الأسلوب الشرعي لتطبيق هذا الحكم، وإذا تدخل الفكر البشري في صياغة الأسلوب أي تحويل الحكم الشرعي إلى قانون ـ وفقا للمفهوم الوضعي للقانون ـ فلا يعني هذا أن القانون قد ألغى الشريعة وأنه انزلها من السماء إلى الأرض وبالاتي فهي تكييف منضبط لمنهجية التقنين بهدف خدمة الشريعة، وكذلك تكييف للواقع بهدف إخضاعه للشريعة.
يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com