موقع الصراط ... الموضوع : إثبات الخالق وصفاته عن طريق علم الكونيات والفيزياء الحديثة-1
 
الجمعة - 7 / ذي القعدة / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  إثبات الخالق وصفاته عن طريق علم الكونيات والفيزياء الحديثة-1  
   
  كتب بتاريخ : الإثنين - 9 / شوال / 1433 هـ
     
  بقلم: الشيخ أسعد محسن الرميثي
المقدمة:
إن البحث عن عالم الغيب وأصل وجود خالق للكون، ومن ثم صفات هذا الخالق، هو من الأمور البديهية في حياة البشر، وفي جميع مراحل حياته؛ فمنذ الطفولة ترى الطفل يتخيل صورة في ذهنه ينسبها إلى الخالق، و الحضارات المتنوعة في العصور المختلفة، من جملة ما يؤثر عنها عند البحث في تاريخها و آثارها، هو مسألة الغيب وما وراء عالم المادة، وإن اختلفت تصوراتهم في ماهية و خصوصيات الصانع حسب مدركاتهم و بيئتهم الخاصة. فقد أثبت علماء النفس والاجتماع أنه عند دراسة تاريخ البشرية نصل إلى هذه النتيجة، وهي أينما وجد الإنسان وجدت العبودية معه، بمعنى اعتقاده بموجود فوق قوانين الطبيعة (غيبي)، له قدرة التأثير في العالم، حتى الأمم التي كانت تعبد الأصنام وغيرها، فإنها تعترف بأن هذه العبادة إنما هي واسطة تقربهم إلى الله "مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى" (الزمر: 3)
و البديهة العقلية تقتضي أن لا يوجد شيء في الكون بدون موجد – قانون العلية - و هذا من المسلَّمات عند البشر... وقد يشذ عن هذه القاعدة شاذ، كما هو الحال في أن (لكل قاعدة شواذ)، قسم من الناس بعضهم ينسب إلى العلم أو الفلسفة يجرون عكس التيار و يلتمسون من هنا وهناك أشباه أدلة و براهين تستند – كثيرما – على المغالطات وتعتمد على السفسطة وتتكئ أحياناً على نظريات علمية يثبت غالباً خطؤها أو نقصها و عدم تماميتها.
إنَّ منهج البحث في موضوعنا سيكون في محورين الأول: وجود الخالق و الثاني: صفات الخالق.
وفي كلاهما سيكون المدار هو علم الفيزياء والكونيات، كما يشير إلى ذلك عنوان البحث ...
المحور الأول: وجود خالق لعالم الطبيعة
* "الفلكي الملحد ليس إلّا فاقداً لعقله"؟ (ألبرت آينشتاين)
* قد يظن توهماً أن المراحل والأدوار التي مرّت بها أبحاث المفكرين من الفلاسفة في إثبات أو نفي وجود خالق للكون من خارج عالم الطبيعة، هو في معزل عن مراحل الفكر الإنساني ونتاج الأبحاث النظرية والعملية لعلماء الطبيعة، كعلماء الفيزياء والفلك والكونيات والبايولوجي....
هذا الظن، بنظرنا ليس صحيحاً؛ فكما هو من واقعيات الحياة - والشواهد عليه كثيرة - أن تؤثر وتتأثر الميادين المختلفة للحياة، ومن الأمثلة على ذلك – وهو محل بحثنا – تأثر الفكر الفلسفي بشكل أو آخر بالنظريات العلمية لعلوم الطبيعة؛ فالفلاسفة الملحدون والوجوديون والماديون استندوا واعتمدوا نوعاً ما على النظريات المتزامنة معهم...
الحتمية العلمية:
فقد أدى نجاح قوانين نيوتن وغيرها من النظريات الفيزيائية إلى فكرة )الحتمية العلمية)(1)، وقد عبر عنها لأول مرة العالم الفرنسي(دي لابلاس)عند بداية القرن التاسع عشر.
فقد طرح لابلاس: "أننا لو عرفنا مواقع و سرعات كل جسيمات الكون في أحد الأوقات، فينبغي عندها أن تتيح لنا قوانين الفيزياء أن نتنبَّأ بما ستكون عليه حالة الكون في أي وقت آخر في الماضي و المستقبل". وبكلمات أخرى، إذا كانت الحتمية العلمية صحيحة، فينبغي من حيث المبدأ أن نكون قادرين على التنبؤ بالمستقبل، ولن نكون بحاجة للتنجيم(2).(3)
توضيح: كان الافتراض الأساسي الذي أبدعه(إسحاق نيوتن) هو: أن الكون مجرد مجموعة من الأجسام المادية تتفاعل فيما بينها وفق قوانين رياضية محددة تسمح بمعرفة كل الحركات في الكون بدءً من أصغر جزء(الذرات) إلى أكبر المنظومات الفلكية فكل شيء قد تحدد مسبقاً في الزمن، و الكون عبارة عن آلة ميكانيكية ضخمة تسير وفق قوانين حتمية و سببية(4).
فبمجرد تطبيق القوانين الرياضية، يسمح بمعرفة مسار حركة الجسم المادي في الماضي و الحاضر و التنبؤ أيضاً بحركته في المستقبل.
إشكال على مبدأ الحتمية:
وقد أشكل على مبدأ الحتمية: بأنه كيف نستطيع، حتى أن نبدأ إذا كان مبدأ (عدم اليقين)(5) يمنعنا من أن نعرف، على وجه الدقة، مواضع الجسيمات هي، و سرعاتها معا في الوقت نفسه؟ ومهما بلغت جودة كمبيوتراتنا، فإننا لو وضعنا بيانات سيئة في داخلها، سوف تخرج لنا منها تنبؤات سيئة(6).
يقيد مبدأ عدم اليقين أية نظرية، ولا تستطيع أية نظرية كانت أن تعرف الموضع و السرعة، وكل ما يمكن معرفته هو(الدالة الموجية)(7).
* وعندما جاء الفيزيائي (ألبرت آينشتاين) لم يغير من جوهر فلسفة الميكانيكا النيوتنية رغم التصورات الثورية التي جلبتها نظريته(النسبية)عن مفاهيم المكان و الزمان و المادة و الثقالة (الجاذبية) … إلا أن ميكانيكا آينشتاين ظلت متحمسة لأفكار الفيزيائي نيوتن وهي (أن الكون يسير وفق قوانين حتمية وسببية موضوعية)

الاحتمال واللادقة في مواجهة الحتمية:
*إلا أن (الفيزياء الكمية)(8) قلبت مفاهيم الفيزياء الكلاسيكية رأساً على عقب؛ فقد أثبتت: أن الذرات وهي البنية الأساسية للكون الكبير، تحكمها قوانين فيزيائية مختلفة جذرياً عن فيزياء الكون الكبير...
فمسارات الألكترونات في الذرة لم يعد بالإمكان تتبعها بشكل مستمر، بحيث يمكن لنا التنبؤ بمعرفة مساره المستقبلي، بل حلت "القفزات" و "التقطعية" محل الاستمرارية، وكل ما يستطيعه الفيزيائي هو أن يعطي احتمالات فقط عن مسارات الجسيمات الذرية، وجاء(مبدأ عدم التحديد) لـ (هايزنبرج) لينسف كل معتقدات النظرية الميكانيكية للكون، و أثبت هذا المبدأ أن هناك محدودية متأصِّلة في معرفتنا بقوانين الذرة، فانهارت الحتمية و السببية من الفيزياء النظرية، و كانت صفعة رائعة للنظرية المادية الجدلية(9).

الوعي ودور الراصد:
كذلك جاءت الفيزياء الكمية لتدشن مفهوم يعد من أعظم المبادئ العلمية على الإطلاق، وهو أن ما وراء هذا الكون هو (الوعي)... فالحقيقة هي من خلق الراصد الذي ينجز القياس، ويحدد الصورة التي تظهر بها المنظومة الذرية، فقد أثبتت التجربة العلمية: أنه طالما لا أحد يجري قياس ما على الألكترون، فأنه يتصرف على هيئة موجة احتمالية (دالة الموجة)، وهذه الموجة تكون متفشية في الفضاء، ويمكن للإلكترون أن يكون في أي موضع فيها، وبمجرد إجراء عملية الرصد و القياس، تنهار و تتقلص موجة الاحتمال (دالة الموجة) لتتحول إلى (جسيم نقطي) محدد، وكانت أعظم ثورة علمية.
يقول الفيزيائي (جيمس جينز): "لا بد أن نجد حلاً لمشكلة كيفية استمرار الأشياء في الوجود... لابد أنها في عقل آخر". ويقول الفيزيائي الأمريكي (فريد ألان وولف): "إن الوعي هو العنصر الخلاق في هذا العالم... لكن ما هو هذا الوعي؟ إنه ذلك العنصر الذي يقع خارج العالم المادي، و الذي يقلص موجة الاحتمال، مستخرجا النتيجة المرصودة"
ويقول الفيزيائي (فريتجوف كابرا): "إن الكون في الفيزياء الحديثة يختبر باعتباره كوناً ديناميكياً، وباعتباره كلاً لا يمكن تفكيكه، و دائماً يشتمل على المراقب بطريقة مبدئية".
وهذه النتيجة كانت صفعة أخرى للنظرية المادية التي نادت بموضوعية القوانين الطبيعية، وأن الطبيعة تفسر نفسها بنفسها (لا نحتاج إلى تدخل كائن آخر يسير الكون من خارجه...)؛ فالفيزياء الكمية دحضت هذه الفرضية تماماً ورسخت مفهوم: (أن القانون يفرض فرضاً من قبل راصد واعي...)؛إن العقل وراء هذا الكون المادي، وبهذا تم التصالح تماماً بين العلم و الدين بلا جدال.
لقد كانت دهشة الفيزيائي آينشتاين كبيرة للنتائج التي تمخضت عن الفيزياء الكمية... فلم يقبل فكرة أن الكون في أعماقه تحكمه قوانين الاحتمالات، و عدم التحديد وأثناء أحد المؤتمرات الفيزيائية التي كانت تقام بشكل دوري في أوروبا في بدايات القرن العشرين دار نقاش و جدل كبير بين (آينشتاين) و(نيلز بور) حول طبيعة الفيزياء الكمية الغريبة .... فقال آينشتاين: "يا بوهر إن الله لا يلعب بالنرد".
فرد بوهر: "نعم يا آينشتاين لكن لا يمكنك أن تقول ما يجب على الله أن يفعله"، وكان عصراً ذهبياً للعلم والفلسفة معاً(10).
إذن كانت أول نتيجة من نتائج (الكم) هي: أن(الاحتمالات) وليست (الحتمية)هي الجوهر الفيزيائي والرياضي لهذا الكون، فلم يعد باستطاعة الفيزيائي أن يعطي توصيفاً حتمياً للأحداث الذرية، بل تنبؤات احتمالية... واهتزت كل معتقدات الفيزيائيين في قدرة الرياضيات على تحديد مصير هذا الكون، يقول الفيزيائي (هانز باجلز) في كتابه "رموز الكون" :
"كانت هذه (اللا حتمية) أول مثال للصفة الكمية الخارقة للطبيعة فهي تنطوي على وجود أحداث فيزيائية لا يمكن العلم بها ولا التنبؤ بها على الإطلاق".
وبدأت المسامير تدق في نعش النظرية المادية التي جادت بها قرائح الفلاسفة المضللون أمثال (ماركس ولينين وأنجلز) والذين آمنوا بالمنطق الحتمي كمسير للأحداث الطبيعية. لكن مازال هناك العديد من الأسئلة المحيرة: إذا كانت دالة الموجة هي وجهاً رئيسياً من وجوه الطبيعة تنتمي إلى كل جسيم من جسيمات الطبيعة فمن الذي يحدد أين يوجد الإلكترون بالفعل؟(11)
ما هي العلاقة بين الموجة والجسيم تحديداً؟
وجاء الجواب الرائع وكان حلاً مزدوجاً، على يدي كل من الألماني (هايزنبرغ)والفيزيائي الدانماركي الكبير(نيلز بور)، وهو ما يعرف في الأوساط العلمية (بتفسير كوبنهاجن).
فالحل الأول جاء على يد (هايزنبرغ) وهو صاحب مبدأ (اللادقة) والذي أوضح من خلاله أن المعرفة التحديدية والقدرة التنبؤية التي تتمتع بها حركة الأجرام الفلكية الكونية تفشل فشلاً ذريعاً عند تطبيقها على الألكترونات والجسيمات الذرية وتحت الذرية الأخرى، فانهارت الحتمية من أساسها وتلاشت آمال الماديين في أن القوانين قادرة على التنبؤ بمصير الكون من الذرة إلى المجرة، ووصل علم الفيزياء إلى ما صرَّح به القرآن الكريم منذ أكثر من (1400)عام، حيث كان العالم يغط في جاهلية مطبقة؛ من أن الغيب بيد الله تعالى وحده، وأن معرفتنا البشرية قاصرة على استنطاق عالم الغد بتفاصيله.
يقول الله تعالى: ((وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ)) (الأنعام: 59).
ويقول تعالى: ((وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ)) (آل عمران: 179) ... وغيرها من الآيات القرآنية التي تذكر اختصاص الغيب به تعالى.
إن القيم التي طرحها القرآن الكريم هي قيم علمية كونية، فالغيب أحد قوانين الطبيعة الأساسية، وبالتالي يؤكد القرآن على محدودية المعرفة البشرية وأن الغيب بيد الله سبحانه وحده ... وهو نفس النظام الذي يحكم فيزياء الكون في أصغر بنيانه، وهو الذرات.
لقد كانت الحتمية هي الفلسفة التي ترسخت عند العلماء والفلاسفة حتى بداية القرن العشرين، وكانت هي البساط الذي استرخى عليه أصدقاء ماركس ولينين، لكن نتاج هايزنبرج( مبدأ عدم التحديد) جاءت لتصفع هؤلاء صفعة لعلهم لم يفيقوا منها حتى الآن ... فأضحى الغيب أو المجهول حقيقة من حقائق الفيزياء ...(12) وأما الحل الثاني فقد جاء على يد (نيلز بوهر) الذي أدخل الوعي والرصد والقياس عنصراً أصيلاً في فيزياء الكم، وفي هذا الصدد يقول الفيزيائي (جون ويلر): "لا تكون الظاهرة حقيقية قبل أن ترصد"
لقد شدد بوهر على مشكلة اللغة التي يجب أن نتعامل بها مع الأحداث الذرية ...
إن مفاهيم الفيزياء الكلاسيكية مثل (المكان،الزمان، الحتمية، السببية والموضوعية) هي التي تنمذج العالم الكوني الكبير، وهي نابعة من تجربتنا اليومية المألوفة، لكن بالنسبة لفيزياء الذرة وهو مجال بعيد عن إدراكنا الحسي المباشر تغدو هذه المفاهيم الكلاسيكية غير صالحة بتاتاً.
إن الإلكترون له صفة الموجة(wave)وله في نفس الوقت صفة الجسيم (particle)وهي إزدواجية من أغرب ما يكون ... فكيف يمكن التوفيق بين هاتين الصورتين؟
كان حلَّ بوهر رائعاً حيث رأى أن الحل يأتي من الراصد نفسه.
يقول (هانز باجلز) في كتابه (رموز الكون): "تمكن الصفة الكمية الخارقة للطبيعة في إدراك أنه طالما أنك لا تقوم فعلا بالكشف عن إلكترون ما فإن سلوكه يكون هو سلوك موجة الاحتمال وإذا أنت نظرت إليه (أي الإلكترون) فهو في هذه اللحظة جسيم محدد و لكنه يعود إلى التصرف كموجة حالما تكف عن النظر إليه ... إن هذا لغريب و خارق للطبيعة".
ماذا تعني هذه التجارب التي أجريت عدة مرات و بدقة تفوق التصور؟
إنها تعني شيئاً واحداً ...إن وراء هذا الكون هو الوعي ...
تصالحت الفيزياء الرياضية أخيراً مع الرؤية الدينية وهي: أن الله سبحانه و تعالى هو مدبر و خالق و قيوم هذا الكون ...إن النتيجة الرياضية التي أثبتتها التجربة تقول:
إن الدالة الموجية (موجة الاحتمال الإلكترونية) تنهار و تتقلص عندما يتعرض الإلكترون للمراقبة و الرصد ... لكن من يقوم بهذه المراقبة والرصد من خارج الكون حتى تتحول الأشياء إلى الحقيقة؟
إنه الله جل جلاله ... ولا مفر من هذا الاعتراف الذي نطقت به التجربة العلمية ... إن الله سبحانه و تعالى هو خالق هذا الكون وهو القوة المطلقة التي أظهرت هذا الكون إلى حيز الوجود ...
ويقول الفيزيائي الفلكي (ستيفن هوكنج): "لابد أن يكون هناك كائن خارج الكون يراقبه لكي تنهار الدالة الموجية للكون لتصبح الواقع الذي نشاهده ...فبدون هذا المراقب الخارجي سيتبخر هذا الكون إلى مجرد دالة احتمال"
ويقول الفيزيائي الأمريكي (فريد آلان وولف): "إن الوعي هو العنصر الخلاق في هذا العالم لكن ما هو هذا الوعي؟...أنه ذلك العنصر الذي يقع خارج العالم المادي والذي يقلص موجة الاحتمال مستخرجا النتيجة المرصودة".
ويقول الفيزيائي الأمريكي (يوجين فيجنر): "عندما تم توسيع نطاق النظرية الفيزيائية لتشمل الظواهر الذرية من خلال استحداث ميكانيكا الكم عاد مفهوم الوعي إلى المقدمة... إذ لم يعد ممكنا صياغة قوانين ميكانيكا الكم بشكل متسق كلياً دون الرجوع إلى الوعي".
ويقول الفيزيائي (هنري ستاب): "إن تحديد النظام الملحوظ يستدعي العزل من أجل تحديده، وبالتالي يستدعي التدخل من أجل المراقبة".
إن هذه التعليقات لكبار العلماء في عصرنا هذا تعلن عن انهيار النظريات المادية من أساسها.
إن الفكر هو الذي سبق المادة وليس العكس ... ولعلنا نفهم من سطور الفيزياء سبب موت الإلحاد ودولته هذا الموت المفاجئ ... فلا مكان لإنكار وجود القوة المطلقة التي وراء هذا العالم والتي أثبتتها التجربة و الرياضيات(13).

الانفجار الكبير: BIG BANG
من أوضح الأدلة على حدوث العالم، وبالتالي على وجود الخالق، نظرية الانفجار الكبير، والتي أثبتها ورسخها اكتشاف )أدوين هابل( عام 1929م لتمدد الكون ووضع له قانون يحسب به سرعة هروب المجرات (التمدد) بدلالة بعدها...
ولا بد كمقدمة من التطرق إلى علم الكون الذي تعتبر نظرية الانفجار الكبير أحد مواضيعه ومواده الأساسية والنموذج المقبول لدى مجتمع الفيزياء والكونيات.

ما هو علم الكون؟
يعد علم الكون – علما حديثا نسبيا، ومع أن القدماء مثل السومريين و المصريين قد طوروا علم الفلك، إلا أن تصورهم للكون بشكل عام كان يستند للأساطير و الخرافات في كثير من الأحيان، أما اليونانيون فقد حاولوا إعطاء تفسير للكون يستند إلى التفكير العقلاني المنطقي، فقد اعتقد فلاسفة الإغريق أنه يوجد في البداية حالة فوضوية من المادة لا شكل لها أسمها (الهيولي)، ثم جاء الإله و حول هذه المادة عديمة الشكل إلى عالم يتسم بالنظام أسمه (الكون)، و الكلمة اليونانية (cosmos) تعني النظام أو الانسجام، ومنها اشتقت كلمة (cosmology) أي علم الكون.
* النموذج الحديث لعلم الكون يعتمد اعتمادا كاملا على علم الفيزياء وعلم الفلك، وإذا كان علم الفيزياء والفلك يبحثان في الجزيئات ويقسمان الكون إلى قطع صغيرة، فإن علم الكون يقوم بضم القطع الصغيرة مع بعضها البعض من أجل الوصول إلى رؤية كاملة عن أصل الكون...كيف خلق وتطور؟ وما هو أصل الفضاء والزمن؟ ودراسة التمدد الكوني وأصل النجوم والمجرات وأصل الحياة وكيف نشأت؟ كذلك يدرس علم الكون القوانين التي تحكمت في اللحظات الأولى من خلق الكون، وطرق تخليق الذرات والجزيئات، كذلك يدرس هذا العلم ما هو مستقبل الكون ؟...الخ.
يقول عالم الكون (إدوارد هاريسون) : "كل شخص يحاول أن يرى الغابة كاملة لا مجرد الأشجار هو عالم كوني".
نحن بدورنا سنقتصر هنا على أهم المحاور الرئيسية و التي شكلت أساسيات و قواعد رياضية أصبحت مقبولة حديثا على نطاق واسع في الأوساط العلمية العالمية.
ولعل أهم و أشهر النماذج الرياضية التي تم طرحها في القرن العشرين في علم الكون هو:
(نموذج الانفجار العظيم):
وهو النموذج الذي يشرح سيناريو خلق و تطور الكون بشكل يدعو للإعجاب و الدهشة مستنداً على قوانين الفيزياء ...ووفق هذا النموذج جاء الكون إلى الوجود عن طريق انفجار عنيف للمادة و الطاقة و المكان و الزمان منذ حوالي (15 مليار) سنة على أفضل التقديرات و بدأت مراحل تشكل الكون وفق نموذج متسلسل حتى تكونت المجرات واستقر الكون على ما هو عليه من اتساق وانسجام ...
وأما مستقبل المنظومة الكونية فهناك تقديرات علمية أصبحت شبه مؤكدة تشير إلى أن الكون في المستقبل سيعاني من انهيار درامي مروع يسحق كل مادة الكون في نقطة فيزيائية تشبه الحالة التي بدأ منها ... ويسمى بنموذج (الانسحاق العظيم) وهو مصير رهيب بكل المقاييس.
وما بين مرحلة خلق الكون (الانفجار العظيم) إلى مرحلة النهاية (الانسحاق العظيم) نرى أن علم الفيزياء وعلم الفلك قد قدما معلومات علمية رائعة لعلماء الكون الذين يدرسون الدراما الكونية بكل ما فيها من إثارة و متعة.
الأدلة على الانفجار الكبير:
1- التمدد الكوني:
بقي الرأي السائد عند العلماء حتى بدايات الربع الثاني من القرن العشرين، وهو أن الكون ثابت (ستاتيكي)، وأنه يحتوي على مجرة واحدة هي (درب التبانة). حتى أن آينشتاين اضطر تماشياً مع هذا الرأي إلى إضافة (حد رياضي) إلى معادلات الحقل في (النسبية العامة)أسماه (الثابت الكوني)، وهي حيلة رياضية تعمل ضد قوة الجاذبية لكي يحافظ على بقاء الكون ساكناً ولا ينجذب بعضه إلى بعض. وقد يظهر خلافا بسيطا لهذه النظرة على لسان هذا أو ذاك من العلماء، ومن هذه الأفكار ما استنتجه (وليام هرشل) عام 1784م من أن الشمس واحدة من نجوم عديدة في مجرة شاسعة ... وأن هناك العديد من السدم تقع خارج مجرة (درب التبانة).
ثم اقترح الفيلسوف (كانت) عام 1755م أن هذه السدم قد تكون مجرات منفصلة أطلق عليها اسم (الجزر الكونية)... وهكذا ...
إلى أن جاء أحد أعظم علماء الفلك وهو الفلكي الأمريكي (أدوين هابل) و اكتشف أن هناك نجوما (قيفاوية) تقع وراء (سكة التبانة) في مجرة (أندرو ميدا) وهي مجرة حلزونية تبعد عنا حوالي (2,5 مليون سنة ضوئية)، ووسع بعد ذلك (هابل) ومساعده(ميلتون هيوماسون) في السنوات التالية من عام 1924م نطاق دراستهما، وفي عام 1935م كانا قد رسما مجرات تبعد (100 مليون) سنة ضوئية، فتبين أن الكون أكبر كثيراً مما كان يعتقد.
وفي عام 1929م اكتشف (هابل) أن المجرات تتباعد عن بعضها، وأن الكون يتوسع بالفعل أي (يتمدد) ... وبالإضافة فإنها كلما زاد بعدها عنا زادت سرعة تحركها بعيداً... وذلك حسب العلاقة التالية:
(سرعة ابتعاد المجرة(V) = ثابت هابل (H) x المسافة (D) "البعد عنا")
(V = H . D )
وقد تم حساب ثابت هابل وهو يساوي (15 كم في الثانية) لكل مليون سنة ضوئية
يعد اكتشاف تمدد الكون إحدى الثورات الفكرية الكبرى في القرن العشرين، وقد غير بالكامل من النقاش حول أصل الكون. فإذا كانت المجرات تتحرك متباعدة فلا بد من أنها كانت في الماضي أكثر تقارباً معا، ونستطيع من معدل سرعة التمدد الحالية، أن نقدر أن المجرات كانت، ولا بد متقاربة أقصى القرب منذ (10 – 15) مليار عام... فقد تمكن (ستيفن هوكنج) مع (روجر بنروز) من توضيح أن النظرية النسبية العامة لآينشتاين تدل على أن الكون والزمان لا بد أن يكون لهما بداية بانفجار هائل... وهذا هو ما يفسر السبب في أن السماء تكون ليلاً مظلمة؛ فلا يمكن لأي نجم أن يكون قد ظل يشع لمدة (10-15 مليار سنة)، أي منذ الانفجار الكبير؟!
يقول (هوكنج): "قد تعودنا على فكرة أن الأحداث تسببها أحداث سابقة، وهذه بدورها قد سببتها أحداث أسبق منها، فهناك سلسلة من السببية تمتد وراء في الماضي، ولكن دعنا نفترض أن هذه السلسلة لها بداية. ولنفترض أن هناك بداية للكون. كيف حدثت "هذه البداية"؟هذا سؤال يود الكثيرون من العلماء ألا يوجهوه، وقد حاولوا تجنبه، أما بأن يزعموا مثل (الروس) أن الكون لم تكن له بداية أو بأن يؤكدوا على أن أصل الكون أمر لا يدخل في نطاق العلم و أنما ينتمي إلى الميتافيزيقيا، وفي رأيي (هوكنج) أن هذا موقف ينبغي أن لا يتخذه أي عالم حقيقي، ذلك أنه إذا كانت قوانين العلم تتوقف عند بداية الكون، أفلا يمكن أيضاً أن تكف عن العمل في أوقات أخرى؟ فالقانون لا يكون قانوناً إذا كان لا يصلح للعمل إلا أحياناً. فيجب علينا أن نحاول فهم بدء الكون على أساس العلم. وربما تكون هذه المهمة تتجاوز قدراتنا، إلا أنه ينبغي على الأقل أن نقوم بالمحاولة(14).
2- التبرد التدريجي للكون وإشعاع الخلفية الكونية:
إشعاع الخلفية الكونية: هيالإشعاعات الميكروية التي تغرق الكون، والتي نتجت أثناء الانفجار الكبير، وأخذت تقل كثافتها وتبرد بتمدد الكون.
* إذا كانت نظرية النسبية العامة صحيحة، يكون الكون قد بدأ بحرارة وكثافة لا نهائيتين عند مفردة الانفجار الكبير، ومع تمدد الكون، أخذت حرارة الإشعاع تقل، وعند زمن يقترب من جزء من مائة من الثانية بعد الانفجار الكبير. تكون درجة الحرارة قد وصلت إلى مائة مليار درجة. ويحوي الكون عندها في الغالب فوتونات و ألكترونات وجسيمات أخرى خفيفة وكذلك الجسيمات المضادة لها، ومعها بعض بروتونات ونيوترونات، وخلال الدقائق الثلاث التالية يبرد الكون إلى حوالي مليار واحد من الدرجات، فتبدأ البروتونات والنيوترونات في الاتحاد لتشكل نوى هيليوم وهيدروجين وعناصر أخرى خفيفة.
بعد ذلك بمئات الآلاف من السنين تنخفض الحرارة إلى آلاف معدودة من الدرجات، وعندها تكون الالكترونات قد أبطأت إلى الحد الذي تمسك عنده النوى الخفيفة بتلك الألكترونات لتشكل الذرات، أما العناصر الأثقل مثل الكاربون والأوكسجين، فهي لا تتشكل إلا بعد ذلك بمليار سنة نتيجة احتراق الهيليوم في مركز النجوم.
إن صورة وجود طور مبكر كثيف ساخن للكون طرحها لأول مرة العالم (جورج جاموف)عام 1948م، وذلك في ورقة بحث كتبها مع (رالف ألفر)، وردت بها نبوءة رائعة، وهي: "أن الإشعاع من هذا الطور المبكر الساخن جداً ينبغي أن يكون ما زال موجوداً الآن من حولنا".
وقد تأكدت هذه النبوءة عندما رصد الفيزيائيان (أرنو بنزياس)و(روبرت ويلسون)إشعاع خلفية الكون الميكروويفية (الدقيقة)(15). ونختم الكلام في المحور الأول بنقل أقوال العالم (بول ديفيس) أستاذ الرياضيات التطبيقية – الكلية الملكية – جامعة لندن فيما يخص الدلائل على وجود الخالق:
"على الرغم من عدم وجود شيء يلفت النظر في موقعنا الحالي من هذا الكون – كالحياة على الأرض والمنظومة الشمسية و حتى المجرة نفسها – نجد في الكون مصادفات مذهلة حقاً!. فالنسق الثقالي للمادة كان على ما يبدو، في فترة الانفجار الأعظم، على درجة من الانتظام تحير العقل وتستعصي على الفهم.
ولئن كانت الأجيال السابقة تتعجب و تندهش من ذلك النسق الدقيق الذي تسير وفقه الأمور على كوكبنا، أصبح الجيل الحالي ينظر إلى هذا الكوكب على أنه نتيجة تلقائية لما هو أكثر عجباً.أما لماذا كان ترتيب الكون كذلك في أثناء الانفجار الأعظم، فهذا ما لا نعلم عنه شيئاً".
"فسلوك الجسيمات المادية الذرية يبلغ من الغرابة بالنسبة لصورة الطبيعة في الحس العام، ما يجعل وصف الظواهر على الصعيد الكمومي يبدو و كأنه آتٍ من رواية خيالية كحكاية أليس في بلاد العجائب ... وهناك أسئلة كبرى طالما شغلت البال و حيرت العقل: ما هو الإنسان؟ ما هي طبيعة الحقيقة؟ هل هذا الكون الذي نعيش فيه مجرد مصادفة، أم هو نتاج عملية انتقاء دقيقة و محكمة؟(16).
ويقول في موقع آخر: "لقد استحوذت مسألة السبب في البنية الخاصة و الانتظام البديع لهذا الكون، على اهتمام رجال اللاهوت لحقبة طويلة من الزمن، لكن ما تم في السنوات الأخيرة من اكتشافات في الفيزياء الأساسية و في علم الكون، فتح الباب أمام العلم ليدلي بدلوه في الإجابة عن بعض تلك الأسئلة. فنظرية الكم، علمتنا أن العالم لعبة حظ، وأننا من بين المشاركين في هذه اللعبة، وأنه كان من الممكن لعوالم أخرى أن تنتقى بدلاً من عالمنا، وحتى أنها قد تكون موجودة على التوازي معه أو في منطقة نائية من الزمكان (الزمان – المكان)"(17) وفي مقطع آخر يقول ديفيس:
"فإذا كنا نعتقد بوجود كون حقيقي و حيد، فإن التوزع الفريد المنتظم للمادة الكونية، وما ينتج عنه من برودة الكون، لا يمكن أن يخرج عن نطاق (المعجزة)، وهذا الاستنتاج يشبه إلى حد بعيد الصورة الدينية التقليدية للكون الذي خلقه الله لغاية محدودة و هي استيطانه من قبل الإنسان. و إذا قبلنا، من ناحية أخرى، بالتفسير المعتمد على الأكوان المتعددة في نظرية الكم، وفق اقتراح (إفرت)(18) ، فإن بنية الكون الحالية ليست في حال من الأحوال أمراً عجباً، و لا هي مصادفة نادرة الحدوث، بل هي نتيجة انتخاب حيوي: فنحن، كمراقبين، ظهرنا إلى الوجود فقط في ذلك العالم حيث الانتظام البديع. فكل شيء حقيقي في الفضاء العظيم، بجميع أكوانه، إلّا أن عدداً ضئيلا من تلك الأكوان هو المأهول بالحياة..."(19).
فما تقدم من أبحاث وأقوال لعلماء الاختصاص يثبت بشكل قاطع بالإضافة إلى أصل وجود القوة الغيبية الموجدة للكون والمحركة والمدبرة له ... يثبت كذلك عظمة ودقة وحكمة هذه الذات، تعالى الله عما يصفه الواصفون؟

الهوامش:
(1) الحتمية العلمية: مفهوم للكون على أنه مثل الساعة من حيث أن المعرفة الكاملة لحالة الكون تمكِّن من التنبؤ بحالته في الأزمنة السابقة أو المستقبلة، وقد طرحه (لابلاس).
(2) في إشارة منه حسب الظاهر إلى عدم الحاجة إلى أي مصدر أو نوع من العلم خارج العالم المادي المنظور؟!
(3) الكون في قشرة الجوز، ستيفن هوكنج، ص98.
(4) لقد أسرف الحتميون في نظرتهم للكون وما يجري فيه من أحداث، حتى ذهب المتطرفون منهم إلى القول: بأنه على استعداد أن يصف لك مصيرك في الفردوس أو الجحيم أو أين ستكون – في أي مطعم – وجبة غذائك بعد عشر سنين بمجرد أن يتعرف على الوضع الفعلي لحركات الكون …
(5) مبدأ عدم اليقين (مبدأ اللادقة): المبدأ الذي صاغه (هايزنبرغ) بأننا لا نستطيع مطلقاً أن نتأكد بالضبط من موقع أحد الجسيمات هو وسرعته معاً. وكلما عرفنا أحدهما بدقة أكثر قلَّت دقة معرفتنا بالآخر.
(6) انظر: الكون في قشرة الجوز، ستيفن هوكنج، ص99.
(7) مفهوم أساسي في ميكانيكا الكم؛ وهو عبارة عن مقدار عند كل نقطة في المكان مصحوب بجسيم، ويحدد احتمال وجود الجسيم في هذا الموضع.
(8) القوانين الفيزيائية التي تحكم عالم الجسيمات الصغيرة جداً، مثل الذرات والبروتونات وما أشبه؛ وقد نشأت عن مبدأ الكم للعالم (بلانك) ومبدأ عدم اليقين (لهايزنبرك).
(9) القرآن والكون، اسامة علي الخضر، ص469.
(10) القرآن والكون، اسامة علي الخضر، ص470.
(11) القرآن والكون، اسامة علي الخضر، ص439
(12) القرآن والكون، اسامة علي الخضر، ص440- 446.
(13) انظر: المصدر السابق، ص449-455.
(14) انظر: الكون في قشرة الجوز، ستيفن هوكنج، ص 75. وكذا القرآن والكون، ص737-741.
(15) المصدر السابق، ص77.
(16) العوالم الأخرى، بول ديفيس، ص12، 15.
(17) المصدر السابق ص 16.
(18) أحد علماء الفيزياء، تبنى نظرية وجود عوالم متعددة أو متوازية مع عالمنا المنظور، تختلف في خصائصها والقوانين التي تتحكم بها.
(19) العوالم الأخرى، بول ديفيس، ص179.
يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com