موقع الصراط... نهج السعادة والتقدم موقع الصراط ... الموضوع : المرأة والتنمية الاجتماعية من وجهة نظر الإسلام
 
الثلاثاء - 2 / ذي الحجة / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  المرأة والتنمية الاجتماعية من وجهة نظر الإسلام  
   
  كتب بتاريخ : الأربعاء - 11 / شوال / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ محمد علي التسخيري
taskere قال تعالى: (من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى و هو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) (النحل/97) إذا كان لنا أن نعرف التنمية الاجتماعية بتعريف عام، أمكننا القول: إن المراد منها هو (التحرك الاجتماعي الواعي المنظم، والمنسق على مختلف الصعد المادية، والمعنوية نحو الأفضل إنسانياً).
وهذا التعريف يستبطن عناصر من قبيل:
1- الهدف الإنساني المتميز عن الأهداف الحيوانية الغريزية العمي، وإنما تكتسب الحركة هذه الهدفية إذا كانت منسجمة مع تطلعات الفطرة الإنسانية ومؤشراتها.
2- الحركية الإرادية نحو هذا الهدف الإنساني، وهي متميزة أيضاً عن الحركية الحيوانية، لأنها حركة وعي وإرادة وتعقل.
3- التناسق والتنظيم والتناسب بين كل الجوانب المادية والمعنوية من خلال هذه‏الحركة.
وهذا شرط أساس، فالتنمية التي تهمل عنصر التناسب تصاب بتورم ونمو طبيعي في جانب او جوانب، مع خمول الجوانب الأخرى الأمر الذي يعرض المسيرة الاجتماعية لاختلال التوازن ومن ثم التمزق أو التطرف.
4- الاجتماعية في التحرك، بمعنى أن كل جزء من الأجزاء المكونة للمجتمع يجب أن يساهم في هذا التحرك وينمو من خلاله، وبمعنى أن الآثار التي سيتركها هذا التحرك يجب أن تنعكس على مختلف العناصر والمكونات الاجتماعية .
بعد هذه المقدمة أحاول أن يكون حديثي‏في موضوعين:
الأول: الإشارة إلى دور المرأة في عملية التنمية الاجتماعية.
الثاني: الإشارة إلى لقاءات ومؤتمرات الأمم المتحدة في هذا الصدد، وموقفنا منها.
النقطة الأولى : دور المرأة في عملية التنمية الاجتماعية:
المرأة تارة ننظر إليها بوصفها إنساناً فعالاً في عملية التنمية، وأخرى نركز عليها بمالها من خصائص تنفرد بها باعتبارها الأم والبنت والأخت والزوجة، وهي بهذا الاعتبار تمتاز عن الرجل بما تحمله من طاقات عاطفية متميزة، وقدرات تكوينية مؤثرة، ومن ثم ما تحمله من وظائف اجتماعية فريدة.
فإذا نظرنا إليها بوصفها إنسانا نشطا في عملية التنمية، وأخذنا بعين الاعتبار حقيقة (إن الإنسان هو محور التنمية)، ومقولة أن (التنمية المستمرة هي تلك التي تحقق انسجاما متوازنا بين مجموع عناصر التنمية، والأسس التحية للثقافة المعنوية التي تعمل في مجال إسقاطاتها)، وأدركنا بعد ذلك أن مكونات الفطرة الإنسانية هي أهم هذه الأسس وأعمقها في وجود الإنسان، بل بدونها يفقد الإنسان هويته ويتحول إلى (شي‏ء) لا نستطيع أن نتحدث عن (حقوقه) أو (نموه الاجتماعي)، أو (حركته العادلة)، أو (أخلاقيته)، أو حتى (بقائه الحضاري)، وأضفنا إلى كل هذا حقيقة أخرى هي أن الدين (الذي يستمد أصوله من منابع فطرية)، هو الصيغة الأكمل التي وضعها خالق الإنسان ليحقق من خلالها تكامله المادي والمعنوي المنسجم، وان الدين وحده هو الذي يستطيع أن يمنح هذه المسيرة ثباتاً في الهوية والشخصية، واطمئنانا في القلب، وأملاً دفاقاً بالمستقبل، كما يستطيع أن يحل الإشكالات الاجتماعية الكبرى من قبيل حل التضاد الدائم بين حب الذات، والأنانية، والعمل لصالح المجتمع ونسيان الذات في سبيله، وحل التناقض بين اتجاهات (الإلحاد) واتجاهات (الإيمان المفرط بالأمور النسبية أو ما يسمى بالشرك)، إذا أخذنا بعين الاعتبار كل هذه الحقائق الكبرى أدركنا أن المرأة الإنسان هي محور التنمية وركنها الركين، ولن تستطيع أية عملية تنموية أن تحقق صدقاً مع ذاتها ومدعياتها، إلا إذا طورت الحس الإنساني - والفطري في وجود المرأة، وأعطتها مكانتها الإنسانية الطبيعية، ورفعت من البين كل عناصر الفريق - من الجانب الإنساني بين الرجل والمرأة، ومنحتها الدور الإنساني المتساوي في هذا المضمار، ثم عادت لتستفيد من هذه الطاقة الإنسانية الخيرة لصالح المجموع الاجتماعي بأفضل أسلوب.
ولا يفوتنا أن نشير إلى أن المرأة أن تؤصل الثبات في شخصيتها، والاطمئنان في قلبها، والأمل بالمستقبل في وجودها منحت كل المسيرة الاجتماعية طاقة كبرى، وهيأت لها كل مقومات المسيرة الصالحة.
المرأة ودورها بملاحظة خصائصها:
وإذا عدنا وركزنا على خصائص المرأة التي تميزها عن الرجل، فسنجد أن خصائصها لا تغير مطلقاً من قيمتها الإنسانية بل تزيد عليها، وإنما تترك أثرها الوظيفي في‏البين، بمعنى أن هناك تقسيماً طبيعياً قدرته الرحمة الإلهية بين وظيفة الرجل ووظيفة المرأة، في عملية التنمية الاجتماعية بل الفردية أيضاً. فالمرأة الزوجة والمرأة الأم لهما دوران متمايزان عن دور الرجل الزوج، والرجل الأب بلا ريب، إلا أن هذين الدورين متكاملان تماما بحيث لا يمكن أن تستغني‏الحياة عن هذين الدورين، بمقدار عدم إمكان استبدال احدهما بالآخر تماماً.
بعد هذا نقول : إن للمرأة أثرها الكبير - بهذا الاعتبار - على عملية التنمية أيضاً، ومهما تعددت علل التنمية فشملت (العلل الفاعلية، والعلل الغائية، والعلل الصورية بالإضافة للعلل المادية)، فان إسقاطات دور المرأة يبقى لها أكبر الأثر في هذا المجال . ذلك أن المرأة تستطيع أن تترك آثاراً كبرى، نذكر منها على سبيل المثال ما يلي:
1- إعداد البيئة العائلية السليمة، وتهيئتها وتوفيرها وهي بهذا - لو وفقت فيه - تستطيع أن تضع الحجر الأساس لمجتمع إنساني سليم ثابت الجأش قوي القلب، منشد للمستقبل.
وبدون هذا سيبقى المجتمع ممزقاً عاطفياً، ومهلهلاً معنوياً تتفشى فيه الجريمة، ويعيث فيه الكسل، ويفقد صفته الخلاقة شيئاً فشيئاً.
فالزوجة الصالحة والأم الصالحة هما قوام الحياة العائلية الصالحة، وهذه هي قوام المجتمع الصالح (كما تؤكد ذلك النصوص الإسلامية).
2- توفير الجو المناسب لتربية الجيل القوي الفاعل.
وقد قلنا: إن الإنسان الصالح هو محور التنمية وهو يحتاج إلى عملية تربوية مستمرة تفجر فيه طاقاته، وتبرز فيه مكوناته الذاتية، وهي لا تتفجر ولا تبرز عشوائياً، أو تلقائيا، وإنما تحتاج إلى عملية تربوية وجو تربوي مناسب.
ولا ريب أن للمرأة أعظم الأثر في تربية العناصر الإنسانية، ووراء كل عظيم امرأة - كما يقولون - بل ما أكثر العظماء النساء في تاريخنا الطويل.
3- الإعداد لجو وبيئة حماسيين عاطفيين من خلال الاستعداد الطبيعي للمرأة، لتسد به هذه الحاجة الضرورية للإنسان من جهة، وتوفر له الحالة الحماسية الضرورية لتخطي العقبات وصنع تنمية اجتماعية مستديمة من جهة أخرى. أما المجتمع الذي يخلو من هذه الحالة العاطفية والحماسية فهو مجتمع خامد، وبيئة جامدة ربما تتقدم في بعض المجالات المادية إلا أنها تفقد الصفاء الإنساني المطلوب، ومن بعد تفقد القدرة على إيجاد التنمية المتوازنة.
ومن هنا يظهر جلياً أن المرأة لها دور كبير في توفير الجو العائلي النظيف، وأن العائلة وتشكيلاتها بما لها من مفهوم كلاسيكي معروف لدى المجتمعات والأديان كلها، هي حجر الزاوية في عملية التنمية.
كما يظهر أيضاً أن أية ضربة توجه لدور المرأة في البناء العائلي المشار إليه، وأي تقليل من أهمية الرباط العائلي المقدس، أو محاولة لطرح مفاهيم جديدة، وادعاء مصاديق عصرية‏ له، أو أضعاف روابطه، أو إيجاد بديل مزعوم له.
كل هذه المحاولات تترك أعظم الآثار السلبية على مستقبل الإنسانية جمعاء، وتفقده الحركية التنموية المطلوبة، بل هي تآمر واضح على كل الوجود الإنساني حتى لو جاء هذا التآمر تحت غطاء الخدمة الدولية لعملية التنمية.
النقطة الثانية : المحاولات الدولية في مجال التنمية الاجتماعية:
لا ريب في أن عملية التنمية استأثرت من نشاط الأمم المتحدة بالحظ الوفير، وخصوصاً في السنوات الأخيرة، وعقدت لها مؤتمرات دولية على مختلف المستويات، كمؤتمر بخارست 1974، ومؤتمر مكسيكو سيتي 1984 ومؤتمر القاهرة 1994 ومؤتمر كوبنهاجن عام 1995، وغيرها من الاجتماعات الدولية، وخصوصا تلك المنعقدة لدراسة حقوق المرأة بالخصوص كمؤتمر نايروبي ومؤتمر بكين . وكان التركيز على دور العائلة في عملية التنمية ملحوظاً تماماً في كل الاجتماعات الدولية . إلا أن الملاحظ في مختلف الوثائق المقترحة أنها نظمت تنظيماً يبعدها عن المسيرة المتوازنة، وينسيها دور الدين في الحياة، ويتغافل عن اثر العناصر المعنوية في‏هذا الصدد.
وكانت وثيقة القاهرة المقترحة على مؤتمر السكان والتنمية القنبلة الضخمة التي فجرت الوضع، ورأى المخلصون التآمر الاستعماري الواضح على كل القيم والمقدسات الإنسانية، لأنها سعت إلى تفكيك الروابط العائلية، وطرح مفاهيم متنوعة للعائلة، وفسح المجال لعلاقات وروابط خارج الإطار العائلي . وقد حضرت هذا المؤتمر على رأس الوفد الإسلامي الإيراني على أمل أن نترك أثراً إيجابياً على الوثيقة وهذا ما حدث، إذ رغم عدم التنسيق بين مواقف الدول الإسلامية - التي حرم بعض منها حضور المؤتمر - ورغم قوة الضغط الغربي المعادي للإسلام، فقد استطعنا تشكيل مجموعة إسلامية قوية تعاونت مع المجموعة المسيحية الدينية واستطاعت أن تغير عشرات المصطلحات والمواقف في الوثيقة من قبيل حذف مصطلحات (الحق الجنسي) و (العلاقات الأخرى (غير علاقات الزواج‏)) وحذف عنصر الإلزام في الوثيقة، وكذلك تعديل المادة التي تسمح بالإجهاض وغير ذلك، وقد ألقيت في الاجتماع الدولي خطاباً أكدت فيه الحقائق التالية:
أولاً: إننا إذ نحاول تنظيم التحرك السكاني في إطار من التنمية المطلوبة علينا قبل كل شي‏ء أن ننظر إلى الإنسان بكل أبعاده المادية والمعنوية ليكون تخطيطاً منسجماً مع فطرته الإنسانية وموقعه من الكون، وفي هذا الصدد نعتقد أن هذه المشكلة الاجتماعية لا تكمن في عدم استجابة الإمكانات الطبيعية لمعدلات النمو السكاني، بل هي تنبع من عدم الاستثمار الجيد لهذه الإمكانات وأنماط الظلم في توزيعها، يقول القرآن الكريم بعد أن يذكر النعم الإلهية الكثيرة: (وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار) (إبراهيم/38).
ثانياً: إن ملاحظة الواقع الإنساني عبر التاريخ وما تقرره الشرائع الإلهية في نظرياتها الاجتماعية تؤكد أن الكيان العائلي يشكل حجر الزاوية في البناء الاجتماعي وإن أي تحرك يوهن في استحكامه أو يطرح بديلاً عنه يشكل ضربة للمسيرة الإنسانية الأصيلة ‏ولكن هذا لا يعني مطلقاً أن لا نلجأ إلى تنظيم هذا الكيان بالأساليب المشروعة فذلك جزء من تحكيمه وتوجيهه.
ثالثاً: إن للمرأة باعتبارها نصف المجتمع الإنساني دورها الأساس في صياغة البناء الاجتماعي والسياسي ويجب بكل تأكيد أن تلعب دورها بكل ثقة ودونما أي حط لكرامتها أو امتهان لقدراتها الإنسانية.
رابعاً: إن أية خطة واقعية لإقامة تنمية مستقرة لا يمكنها أن تتغافل عن دور القيم الأخلاقية والعقيدة الدينية في تحكيم أسس التنمية والإشباع المتوازن لمتطلبات الإنسان باعتباره محور الإعمار، فلا بد إذن من توكيد هذه القيم والعمل على دعمها ونفي كل ما ينافيها .
خامساً: إن مبدأ التساوي في إمكانية الاستفادة من الخيرات الطبيعية وهي هبة‏الله تعالى ليدعونا جميعا للعمل على تحقيق تقارب كبير بين مستويات المعيشة وعلى المستوى العالمي الأمر الذي يحمل الدول الغنية عبئاً كبيراً لتحقيق هذا الهدف بحيث لا يمكنها التنصل منه إن شاءت تحقيق الاندماج الإنساني المطلوب.
سادساً: إن حقوق الإنسان كما تقررها الوثيقة العالمية والوثائق الأخرى كالوثيقة الإسلامية تجب مراعاتها بشكل دقيق إلا أن من الطبيعي الإصرار على أنه لا يحق لأية دولة أو مجموعة أن تحمل مفهومها عنها على الدول الأخرى أو تحاول الاستهانة بالعناصر الثقافية والدينية التي يحملها الآخرون بذريعة فهمها هي بل يجب الوصول إلى تعريفات مشتركة مقبولة يمكن من خلالها تشخيص الحقيقة دونما أي تحميل ولتكون الوثائق معتمدة عن بصيرة ودقة فلا يمكن استغلالها بسهولة.
دور المنظمات الشعبية في تحقيق الأهداف الدولية:
قد خطت البشرية خطوات واسعة على طريق إيجاد تشكيلات دولية شاملة تعمل على حل مشاكلها، وتحقيق تفاهم ممكن بين أعضائها، وتحاول الوصول إلى طروحات عالمية تترك آثارها الايجابية على المستوى العالمي.
وهكذا تم إنشاء الأمم المتحدة كأوسع منظمة دولية بمالها من منظمات فرعية في مختلف المجالات الثقافية والاقتصادية، والصحية، والتجارية، وغيرها.
كما تم إنشاء حركة عدم الانحياز في مجال أضيق ومنظمة المؤتمر الإسلامي في إطار العالم الإسلامي.
وهناك منظمات وتجمعات دولية كبرى أخرى لها أثرها الكبير في المسيرة.
إلا أن أكثر المنظمات الدولية ما زالت مبتلاة بنقاط كبرى تمنعها من تحقيق أهدافها الإنسانية ويمكننا أن نشير إلى بعضها فيما يلي: 1- إن قرارات هذه المنظمات إنما تحقق في لأحسن الحالات مصالح الحكومات وتوجهاتها ولا ضمانة فيها لتحقيق أهداف الجماهير على أنها في الواقع إنما تحقق مصالح القوى المتحكمة في هذه المنظمات إن لم نقل بأنها إنما تحقق مصالح القطب الواحد المتحكم اليوم فيها.
2- إن واقع الحال المشاهد في هذه المنظمات يقضي بأنها في‏كثير من الأحيان تقع تحت تأثير اتجاهات معادية للإنسانية كالاتجاهات الصهيونية والاتجاهات المادية الإلحادية وغيرها الأمر الذي يعود بأعظم الخسائر على المسيرة الإنسانية.
3- كما أن التأمل في قراراتها يكشف لنا أحياناً عن قيام هذه المنظمات بشعارات كاذبة لتطلعات الجماهير دون أن يكون وراء الشعارات المرفوعة واقع مؤثر وذلك كما في قرارات حقوق الإنسان، ومحاربة العنصرية، والدفاع عن حقوق المرأة، وتنظيم عملية التنمية الاجتماعية وغيرها . في حين أننا نجدها في هذا المجال تكيل بمكاييل متعددة حسبما تقتضيه المصالح الضيقة . على أن القرارات الحقيقة تبقى حبراً على ورق ما لم تتفق مع مصالح القوى الكبرى.
وكذلك ما نشاهده من ضعف في قرارات منظمة المؤتمر الإسلامي في مختلف القضايا الإسلامية رغم ضخامة الشعارات التي ترفعها تجاه القضية الفلسطينية - مثلاً - وغيرها غير أنها تبقى عاجزة عن التنفيذ .
4- ثم إنها تعتمد عنصر التأجيل والمماطلة والمساومة ‏وإنصاف الحلول، وأساليب ما وراء الأستار وغيرها مما قد يؤجل الحل المطلوب.
وغير ذلك من النقائص المشهودة .
...ومن هناك فإننا نجد مجالاً واسعاً لقيام المنظمات غير الحكومية بالاشتراك في الاجتماعات الدولية والسعي للضغط على الجهات الرسمية لتتخذ القرارات الأكثر انسجاماً مع الأهداف المطلوبة.
إن مشاركة هذه المنظمات يمكنها أن تترك آثاراً إيجابية من جهات عديدة من قبيل ما يلي:
1- لما كانت هذه المنظمات الشعبية أقرب إلى واقع المشكلات الاجتماعية فإنها أكثر تفهماً للحلول المطلوبة جماهيرياً وهي بالتالي تستطيع أن تقرب القرارات من هذه الأهداف.
2- ولما كانت هذا المنظمات غير الحكومية حرة في تحليلاتها وغير مقيدة بالقيود الرسمية فإنها تستطيع أن تصل إلى الحل الواقعي وتطرح ذلك بقوة أمام المحافل الدولية.
3- على ان حضور هذه المنظمات يشكل تواصلا جماهيريا جيدا قد يشكل رأياً عاماً دولياً لا تستطيع معه الجهات الرسمية إلا الاستجابة لمقتضيات هذا الرأي العام مما يمنحها روحاً جماهيرية وإقداماً على خطوات أكثر واقعية. استنتاج:
على ضوء ما تقدم نستطيع أن نقرر الحقائق التالية:
1- إن عملية التنمية الاجتماعية هي عملية إنسانية لا تحدها حدود جنسية ولا جغرافية ولا مادية، وأن المرأة في التصور الإسلامي - عنصر أساس في هذه المسيرة - وبدونها سوف تبقى العملية بتراء غير فاعلة. 2- إن العالم أدرك بشكل متأخر هذه الحقيقة في حين سبقه الإسلام إليها بأكثر من عشرة قرون حينما جعل المرأة عدل الرجل في عملية (الولاية الاجتماعية) ومنحها كل ما يحقق لها مشاركتها في القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
3- إن للحكومات والجهات الرسمية دورها الكبير في تحقيق هذه الأنماط من المشاركة ولكن ذلك لن يحقق النتيجة المطلوبة ما لم تقم المنظمات الشعبية باحتلال مركزها في دفع هذه العملية إلى الأمام.
4- إن منظمة المؤتمر الإسلامي لم تحقق الأمل المطلوب منها في الانسجام مع النظرة الإسلامية للمرأة ولم تعطِها الدور الأساس المطلوب فبقيت مع الأسف متخلفة عن الطبيعة الإسلامية الرائدة، وإن عليها اليوم أن تسابق الزمن في تامين هذا الانسجام.
والحقيقة أن القرار الصادر عن مؤتمر القمة الثامن المنعقد بطهران يشكل سابقة جيدة في هذا المجال إلا أنني أعتقد أنه يبقى متخلفاً عن مسايرة التطور المطروح دولياً في هذا المجال.
وهنا أقول: إننا يجب أن لا ننسى التحديات التي تواجهنا - في مطلع القرن الحادي والعشرين - على الصعيد السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي، تحديات العولمة، تحديات الهيمنة الثقافية، تحديات القرية الصغيرة إعلامياً، وتحديات الشعارات البراقة التي يتستر خلفها أعداء العلاقات الإنسانية السليمة وصولاً حتى إلى قوانيننا الفرعية لتطويرها وفق مقاصدهم.
ولذا يجب الإبداع في كل الحقول واذكر مثلا الحقل الرياضي فلا يمكننا أن ندع المرأة كسولة بدينة مريضة، وإنما يجب ابتكار الأساليب السليمة المتسمة بالعفة والخلق الإسلامي الرفيع لتقديم البديل المطلوب عن الأساليب المعروفة عالمياً والمنافية لكل قيمنا وأعرافنا، إنه مثل واحد على ضرورة التطوير والتغيير في مختلف الحقول . وكذلك الحقل السياسي، فلا مجال لتناسي دور المرأة الفعال في صياغة القرار السياسي، وهذا ما تفتقده بعض مناطقنا الإسلامية، بل نجد بعض الفئات المتحجرة تفرض على المرأة أن تكون حبس بيتها بعيدة عن التعليم فضلاً عن المشاركة في الحياة الاقتصادية وذلك طبقاً لاجتهادات قشرية غريبة عن الروح الإسلامية . وهذا العمل فضلاً عن تشويهه للصورة الإسلامية يكبل مسيرة الأمة نحو مواجهة التحدي الذي أشرنا إليه.
إننا نشعر بكل تأكيد بالحاجة لا لكتابة استراتيجيتنا الثقافة في مختلف الحقول، ولا للموافقة على لائحة رسمية لحقوق الإنسان في التصور الإسلامي ولا حتى لإستراتيجية إعلامية أو اجتماعية لعالمنا الإسلامي، وأنها جميعا قد دونت بعد تداول طويل، بل تكاد تكون واضحة في خلد كل من له معرفة بالتوجهات الإسلامية، وإنما نشعر بالحاجة للعمل المنظم والمتكامل - على صعيد العالم الإسلامي - بهذه الاستراتيجيات المتفق عليها سواء في مؤتمرات إسلامية دولية كمؤتمر القمة السادس بداكار (السنغال) أو مؤتمر وزراء الخارجية الثامن عشر بالقاهرة أو غيرها.
ومما آسف له أن أعلن أن العالم الإسلامي على مستوى منظمة المؤتمر الإسلامي لم يتفق بعد على الصيغة العملية للتنفيذ رغم وجود صور تنفيذية هنا أو هناك.
وفي ختام حديثي أؤكد أن هذه الأمة الإسلامية لها خصائص معينة تحدد لها هويتها وترسم لها معالمها القرآنية ومنها: الخصيصة الإلهية والانتساب في العقيدة والتشريع إلى الله تعالى كما أن منها الخصيصة الأخلاقية الإنسانية التي تتجلى من خلالها كل السمات الأخلاقية الإسلامية وتتخلص من كل أنماط الفساد والصور اللاأخلاقية والتي تلعب الغرائز الجنسية دورها فيها لتشويه الصورة الصحيحة، فلا يمكن لهذه الأمة أن تفتخر بانتسابها للإسلام إلا إذا طبقت الصورة الإسلامية السامية، وأقامت علاقاتها على أساس من معايير الإسلام، وحصنت جماهيرنا بالوعي المطلوب بل اوجدت فيها - بما فيها العنصر النسائي ذي النسبة الكبيرة - الدوافع الكبرى لمواجهة التحدي المذكور.
إن الصحوة الإسلامية هي قدرنا وإلا أدركتنا التحديات وقضت على خصائصنا.
وهنا يبرز دور العلماء رجالاً ونساء ليقوموا بدور ورثة الأنبياء . وفقنا الله تعالى لمراضيه وحقق لنا الآمال.
المصدر: آفاق الحضارة الإسلامية، العدد 4
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com