موقع الصراط ... الموضوع : من أنوار سيرة أمير المؤمنين-13
 
الخميس - 5 / ربيع الثاني / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  من أنوار سيرة أمير المؤمنين-13  
   
  كتب بتاريخ : الأربعاء - 11 / شوال / 1433 هـ
     
  الكاتب: الشيخ جميل الربيعي
موقف الإمام علي (ع) من الظلم والظالمين:
الظلم في معاجم اللغة وضع الشيء في غير موقعه المختص به إما بزيادة أو بعدول عن وقته, أو مكانه, وأما اصطلاحاً فهو مجاوزة الحق الذي يجري مجرى نقطة الدائرة فالظلم إذن هو التعدي والتجاوز على حدود الشرع والعقل والمنطق, وقد وقف منه الإسلام موقفاً صارماً حديّاً ما لم يقف من شيء موقفه منه, وذلك لأن الظلم معنىً جامع لكل أنواع الانحرافات الفكرية والسياسية, فالشرك ظلم, والخروج عن الحد الشرعي ظلم, وأكل مال الناس ظلم, والحكم بغير ما أنزل الله ظلم... وهكذا ولذا قسموا الظلم إلى ثلاثة أقسام:
أولاً: ظلم بين الإنسان وبين الله تعالى, وأعظمه الكفر والشرك والنفاق:
((إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)) (لقمان:13)
((فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكَافِرِينَ)) (الزمر:32)
((وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)) (الأنعام:21)
إذن الشرك بالله, والكذب على الله, والافتراء على الله, ظلم وهو إن أختلق الإنسان على الله كذباً في حكم, أو صفة, أو اسم, أو شريعة, ليشرك به آلهة أخرى فهو ظالم.
ثانياً: ظلم بين الإنسان وبين الناس وهو المقصود بقوله عز وجلّ: ((إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) (الشورى:42)
ثالثاً: ظلم الإنسان لنفسه: وهذا هو المعنى المقصود بقوله جل جلاله: ((فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ)) (فاطر:32)
وقوله عز وجلّ: ((وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ)) (هود:101)
((وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)) (النحل:118)
((وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ)) (الزخرف:76)
وفي الحقيقة أن الإنسان بارتكابه أحد هذه الأنواع الثلاثة للظلم التي تقود بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى ظلم النفس, وهذا المعنى من روائع الفكر الإسلامي الذي لم يطرح في أي مدرسة فكرية أخرى حيث أن الإنسان يظلم أقرب الأشياء إليه وأعزها عليه, وهي نفسه ((وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)) (آل عمران:117, النحل:33)
هذه الأنواع الثلاثة جاءت أيضاً في كلمات علي (ع) وهو يحذر من الظلم فيقول: (ألا وإن الظلم ثلاثة: فظلم لا يغفر، وظلم لا يترك، وظلم مغفور لا يطلب. فأما الظلم الذي لا يغفر فالشرك بالله، قال الله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ))، وأما الظلم الذي يغفر فظلم العبد نفسه عند بعض الهنات وأما الظلم الذي لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضاً)
عن أبي جعفر الباقر (ع) قال: (الظلم ثلاثة: ظلم يغفره الله، وظلم لا يغفره الله، وظلم لا يدعه الله، فأما الظلم الذي لا يغفره فالشرك، وأما الظلم الذي يغفره فظلم الرجل نفسه فيما بينه وبين الله، وأما الظلم الذي لا يدعه فالمداينة بين العباد)
بعد هذه المقدمة نأتي إلى موقف علي (ع) من الظلم وكيف حاربه؟
من المسلمات البديهية في شرائع السماء أن المؤمن بالله ورسوله لا يجوز أن يقف وسطاً بين الظالم والمظلوم, وإنما ينبغي أن يكون مخاصماً للظالم, ومعاوناً للمظلوم يقول علي (ع) موصياً لأولاده وهو يودع الحياة: (كونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً)
ومن هنا وقف (ع) موقفاً صارماً في كل مراحل حياته -كما اتضح لنا فيما سبق في بحثنا هذا- إلى أن سقط في محرابه مضرجاً بدمائه شهيد عدالته مبتهجاً بلقاء ربه؛ ولهذا قال (ع) عندما نزل إلى رأسه سيف الخيانة والغدر: (فزت ورب الكعبة)
كان موقف علي (ع) إلى جانب المظلومين في الدفاع عنهم، واسترجاع حقوقهم المسلوبة هو الذي أهاج عليه الظالمين, فوقفوا له موقف الخصم اللدود فهجروه, وحاربوه, وافتروا عليه افتراء لم يمر على أحد, ولاستيفاء الموضوع لابد أن نقف عند بعض معالم المنهج العلوي في مكافحة الظلم والظالمين.
أولاً: في منهج علي (ع) أن مكافحة الظالمين والوقوف في وجه تيارات الظلم واجب إلهي حتمي على كل مسلم قادر, وعلى العلماء بالدرجة الأولى, يقول (ع): (وما أخذ الله على العلماء أن لا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم)
ثانياً: إن الظالم, والراضي بفعله, والساكت عنه في الإسلام سواء, قال الإمام الصادق (ع): (العامل بالظلم, والمعين له, والراضي به شركاء ثلاثتهم)
وعنه عن آبائه (ع), قال: (قال رسول الله (ص): إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين أعوان الظلمة ومن لاق لهم دواة، أو ربط كيسا، أو مد لهم مدة قلم، فاحشروهم معهم)
ثالثاً: إن إقرار الظالم ظلم عظيم, ولو كان ذلك يوصل الإنسان إلى أهدافه ومطامحه؛ ولذلك ورد في الحديث الشريف: (ولا يحق لمسلم أن يعذر ظالماً على ظلمه) وجاء عن الإمام الصادق (ع): (من عذر ظالماً بظلمه سلط الله عليه من يظلمه فإن دعا لم يستجب له ولم يأجره على ظلامته)
وهذه سنة كونية حيث أنه إذا أعذر الإنسان الظالم, فالظالم سوف يتقوى ويزداد عتواً وبذلك يمتد ظلمه على عاذريه. فيظلمهم كما ظلم الذين من قبلهم... ومن هنا كانت مواقف علي (ع) من الغاصبين شديدة ومن تلك المواقف:
أولاً: رفض (ع) أن يعطي ولو وعداً بأن يسير بسيرة الشيخين, ولو أوصله ذلك إلى عرش الخلافة ؛ لأن وعده بذلك إقرار بالظلم... وقد حسب الذين يجهلون السياسة العلوية أن هذا الموقف موقف متزمت غير سليم ؛ لأنه كان بإمكانه أن يقول نعم, ثم يتصرف كما يشاء, وجهلوا أن إقراره لسنة الشيخين أمر لا يقره الإسلام ؛ لأنه لم يأتي عن معصوم فإذا أقره علي (ع), فقد أمضى كل ما شرعوه وسنوه, فيصبح ديناً يدان به, وهذا هو الظلم بعينه؛ ولذا رفض علي (ع) ذلك, حتى ولو كان ذلك يوصله إلى عرش الخلافة, فلم يكن هدفه (ع) أن يصل إلى رئاسة الدولة, وإنما هدفه نصرة الإسلام بحفظه من التحريف, وترويجه بين الأمم, وتحكيم شرعته لإقامة العدل والقسط.
ثانياً: رفض (ع) أن يقر أحداً من ولاة عثمان على عمله, ولا سيما معاوية على ولاية الشام مع اقتراح عدة من أصحابه, لعلمه أنهم ظالمون مفسدون, وفي إقرارهم ظلم.
ثالثاً: إعطاء الأموال بغير حق من قبل الولاة والمحاباة مع الظالمين ظلم, ولو كان ذلك يؤدي إلى وقوفهم ضد خلافته؛ ولذا وجدنا علياً (ع) ما أن تسنم عرش الخلافة حتى وقف من المستأثرين بأموال المسلمين موقفاً حدياً ورد تلك الأموال إلى بيت المال حتى قال (ع): (والله لو وجدته قد تزوج به النساء وملك به الإماء لرددته) وهكذا عمل مع طلحة والزبير وغيرهما من الذين استأثروا بأموال المسلمين بعد أن كان عثمان يغدق عليهم الأموال. وعند ما لاموه على التسوية في العطاء قال لهم: (أتأمرونني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه...)
وأكثر من هذا جاء إليه أخوه عقيل رضي الله عنه يطلب منه مالاً من بيت مال المسلمين فحمى له حديدة وقربها من وجهه حتى كاد أن يحترق؛ ليُذَكِره بعذاب الله عز وجلّ لمن يأكل مال الله بغير حق, وقال (ع): (والله لقد رأيت عقيلاً، وقد أملق حتى استماحني من بركم صاعا، ورأيت صبيانه شعث الشعور غُبر الألوان من فقرهم كأنما سودت وجوههم بالعظلم، وعاودني مؤكدا, وكرر عليَّ القول مرددا فأصغيت إليه سمعي فظن أني أبيعه ديني, وأتبع قياده مفارقا طريقي، فأحميت له حديدة ثم أدنيتها من جسمه ؛ ليعتبر بها فضج ضجيج ذي دنف من ألمها، وكاد أن يحترق من ميسمها, فقلت له ثكلتك الثواكل يا عقيل، أتئن من حديدة أحماها إنسانها للعبه، وتجرني إلى نار سجرها جبارها لغضبه. أتئن من الأذى, ولا أئن من لظى)
رابعاً: سلب القدسية عن الأمة التي لا يؤخذ فيها من القوى حق الضعيف, ولا يدافع فيها عن المظلوم, ولا يكافح فيها الظلم, فإنها تفقد قدسيتها, واعتبارها وقيمتها الإنسانية، يقول (ع) لمالك الأشتر رضي الله عنه بعد أن يأمره أن يجلس للناس في مجلس عام, ويفتح لهم أبوابه, ويتواضع لهم ويسمع شكواهم, ويطلق لهم حرية الكلام معه, من دون رهبة الشرطة والحرس، يقول: فإني سمعت رسول الله (ص) يقول في غير موطن: (لن تقدس أمة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غير متمتع)
خامساً: رفض أعوان الظلمة والسائرين على نهجهم من ضعاف النفوس, أو أصحاب المطامع الدنيوية من ديوان علي (ع)؛ ولذا وجدناه يحذر (ع) ولاته من استعمالهم في الحكم وإدارة شؤون الأمة, يقول (ع) لمالك الأشتر رضي الله عنه عندما ولاه مصر: (إن شر وزرائك من كان للأشرار قبلك وزيرا, ومن شركهم في الآثام فلا يكونن لك بطانة فإنهم أعوان الآثمة, وإخوان الظلمة، وأنت واجد منهم خير الخلف ممن له مثل آرائهم ونفاذهم، وليس عليه مثل آصارهم وأوزارهم)
يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com