موقع الصراط ... الموضوع : الفتح الحسيني
 
السبت - 4 / شعبان / 1441 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الفتح الحسيني  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 12 / شوال / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
كتب الإمام الحسين (ع) إلى بني هاشم:
(بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى بني هاشم، أما بعد، فإنه من لحق بي منكم استشهد, ومن تخلف عني لم يبلغ الفتح والسلام)(1)
بوقفة تأمل دقيقة عند هذا الكتاب المختصر نعرف أن في حركة الحسين (ع) أسرار لا يعلمها إلا هو ومن فهم أهدافه, وأطاع أمره، وسلك مسلكه.
فقوله: (من لحق بي استشهد) واضح الدلالة صريح... أما قوله: (لم يبلغ الفتح) فلا يمكن أن نفهم أن الفتح المقصود هو الفتح العسكري, لأنه (ع) كان يصرح في أكثر من موقع خلال مسيرته من المدينة إلى كربلاء بأنه لا محالة مستشهد هو وأصحابه ورجال أهل بيته... إذن لا بد وأن يكون الفتح المقصود غير المعنى الظاهري للفتح الذي يدرك بالأبصار كفتح القلاع والمدن والدول... وإنما المقصود من الفتح معنى أبعد غوراً، وأشمل معنى, وأعمق أثراً من الفتح الظاهري المتبادر للذهن...
ولأجل استيفاء البحث لا بد وأن نقف عند مفهوم الفتح في القرآن الكريم.
(والفتح الواقع في القرآن وإن كان المراد به في أكثر موارده هو فتح مكة لكن بعض الموارد لا يقبل الحمل على ذلك كقوله تعالى: ((وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ * فَأَعْرِضْ عَنْهُم وَانْتَظِرْ إنَّهُم مُنْتَظِرُونَ)) (السجدة: 28-30) فإنه تعالى وصف هذا الفتح بأنه لا ينفع عنده الإيمان لمن كان كافراً قبله، وأن الكفار ينتظرونه، وأنت تعلم أنه لا ينطبق على فتح مكة, ولا على سائر الفتوحات التي نالها المسلمون...
وكيف كان فإن كان المراد بالفتح أحد فتوحات المسلمين كفتح مكة, أو فتح قلاع اليهود, أو فتح بلاد النصارى فهو، إلا أن في انطباق ما ذكره الله تعالى بقوله: ((فيصبحوا على ما أسروا))... وقوله: ((ويقول الذين))... عليه خفاء تقدم وجهه.
وإن كان المراد به الفتح بمعنى القضاء للإسلام على الكفر والحكم الفصل بين الرسول وقومه فهو من الملامح القرآنية التي ينبئ تعالى فيها عما سيستقبل هذه الأمة من الحوادث، وينطبق على ما ذكره الله في سورة يونس من قوله: ((وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم)) إلى آخر الآيات)(2)
إذن للفتح معنيان: (أحدهما: يدرك بالبصر كفتح الباب ونحوه وكفتح القفل، والغلق،والمتاع... والثاني: يدرك بالبصيرة كفتح الهم وهو إزالة الغم... [وكـ]فتح المستغلق من العلوم، نحو قولك: فلان فتح من العلم باباً مغلقاً، وقوله تعالى: ((إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً)) (الفتح: 1) قيل عَنى فتح مكة, وقيل بل عَنى ما فُتِحَ على النبي (ص) من العلوم والهدايات التي هي ذريعة إلى الثواب والمقامات المحمودة...)(3)
كما أطلقت كلمة الفتح على فتح البلدان بالغلبة والنصر على العدو كما هو المتبادر إلى الذهن.
ولأجل إيضاح معنى الفتح الذي يقترن بمفهوم النصر لا بد وأن نحدد معنى النصر.
فالنصر هو إما غلبة طرف على طرف وسيطرته عليه بقوة السلاح والقضاء عليه أو أسره... وإما أن نفهم النصر هو النصر الحضاري أي الثبات في المواقف المبدئية والحضارية من طرف, والتجاوز عليها وخرق حدودها من الطرف الآخر...
إذا نظرنا إلى النصر بمعنى النصر العسكري فأغلب الأنبياء والمرسلين وعلى نهجهم الحسين (ع) الوارث لهم فهم خاسرون بلا شك... وإذا فهمنا النصر على أنه الثبات والاستقامة في المواقف والمواقع المبدئية والمحافظة على أصالة الرسالة وتأكيد مبادئها والتضحية من أجلها, فهذا هو النصر الحقيقي الذي لا يحصر في رقعة من المكان ولا حيز من الزمان، يقول تعالى: ((إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)) (غافر: 51) ونحن نعلم أن الرسل منهم من قتل, ومنهم من هاجر من أرضه مكذوباً مطروداً, وإن من يؤمن بهم يسام العذاب ومنهم من ألقي في أخدود, ومنهم من استشهد, ومنهم من عاش في كربٍ وشدةٍ واضطهاد، فأين وعد الله لهم بالنصر في الحياة الدنيا،إذا فسرنا النصر بالنصر العسكري والغلبة السياسية والتسلط على سدة الحكم؟
ومن هذا المدخل الطافح بالوساوس الشيطانية يلج الشيطان إلى النفوس ويفعل بها الأفاعيل, والمشكلة أن (الناس يقيسون بظواهر الأمور، ويغفلون عن قيم كبيرة وحقائق كثيرة في التقدير, إن الناس يقيسون بفترة قصيرة من الزمان, وحيز محدود من المكان, وهي مقاييس بشرية صغيرة, فأما المقياس الشامل فيعرض القضية في الرقعة الفسيحة من الزمان والمكان, ولا يضع الحدود بين عصر وعصر, ولا بين مكان ومكان, ولو نظرنا إلى قضية الاعتقاد والإيمان في هذا المجال لرأيناها تنتصر من غير شك وانتصار قضية الاعتقاد هو انتصار أصحابها, فليس لأصحاب هذه القضية وجود ذاتي خارج وجودها, وأول ما يطلبه منهم أن يفنوا فيها ويختفوا هم ويبرزوها)(4)
والمعنى المتقدم للنصر أكده القرآن الكريم في أكثر من آية كقوله تعالى:
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)) (محمد: 7)
((إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ)) (آل عمران: 160)
((كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي)) (المجادلة: 21)
((وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ)) (الحج: 40)
فالنصر والفتح في القرآن هو الثبات والاستقامة في المواقع المبدئية والحضارية, والتفاني من أجلها، فالمنتصر هنا يفنى، وتبقى عقائده ومبادئه, وهذا هو النصر الحقيقي في منطق الحسين (ع) الذي حقق النصر بدمه, وثبّت قواعد الإيمان, وأعاد للرسالة أصالتها, وفتح الطريق أمامها؛ لتأخذ طريقها إلى القلوب والنفوس نقية خالصة من كل ما ألصق بها من الشوائب, وما نسبه إليها بنو أمية من الأكاذيب والافتراءات والتحريفات بما وضعوه على ألسنة الوضاعين على رسول الله (ص) وبذلك نسف كل الصروح التي بناها معاوية، وأراد بها دفن رسول الله (ص) بتحريف دينه, ولكن الله أبى إلا أن يظهر دينه، ولو كره الكافرون.
فالحسين (ع) كأنه أعلن لبني هاشم أني سأحقق بالشهادة النصر على بني أمية بإعادة الرسالة إلى مجراها الطبيعي الذي أراده الله تعالى, ولذلك فإن (الفتح الذي تحدث عنه الحسين (ع) مفهوم مقابل مفهوم الصد، فالفتح أمام رسالة الله مقابل مفهوم الصد عن سبيل الله، فالمفهومان متقابلان، والصد معناه حجز الناس وحجبهم عن سبيل الله وهو من أخطر مهمات أئمة الكفر والطاغوت)(5)
وقد طرح القرآن المفهومين في آيات عدة، ففي مفهوم الصد جاء قوله تعالى: ((قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)) (آل عمران: 99)
((فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُمْ بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ)) (الأعراف: 44-45)
((أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة وهم كافرون الَّذِينَ يصدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ)) (هود: 18-19)
(إذن الفتح هو إزالة الصادين عن سبيل الله, وهي مهمة رسل الله وأنبيائه والدعاة إليه)(6) وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك؛ يقول تعالى:
((إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً)) (الفتح: 1)
((فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً)) (الفتح: 18)
((فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ)) (المائدة: 52)
فالمقصد الحسيني من الفتح إذن هو إزالة العوائق القائمة في طريق الدعوة إلى الله وعلى مختلف الأصعدة الفكرية أو السياسية أو الاجتماعية...
والحسين (ع) في نهضته المبارك استطاع أن يكشف الحبائل والضلالات التي روجوها باسم الإسلام, وأعاد للأمة حيويتها، وللرسالة أصالتها... واقتلع شجرة الضلال, ورسخ دعائم الحق والهدى, وعبّد الناس لله تعالى، ولعل هذا ما أشار إليه الإمام زين العابدين (ع) حينما سئل عند رجوعه إلى المدينة: (من الغالب؟ فقال (ع): إذا دخل وقت الصلاة فأذِّن وأقم تعرف الغالب)(7)
وهذا الحديث يشير إلى أن بني أمية أرادوا غلق باب التوحيد, وتعبيد الناس لهم, ونشر الشرك والكفر والنفاق, فأبطل الحسين (ع) مخططهم، وأعاد للتوحيد أصالته، وللعبادة الله حيويتها وفاعليتها .
فالحسين بشهادته فتح العيون والقلوب على جرائم بني أمية, وفضح المخططات الإجرامية للقضاء على دين الله, وأيقظ الأمة على أهمية الإسلام, وما يجب أن يبذله المؤمن في سبيل الله من أجل إعلاء كلمة التوحيد .
إذن لا يمكن أن نفهم الفتح في منطق الحسين (ع) إلا بإزالة العوائق التي وضعها بنو أمية في طريق الدعوة إلى الله تعالى، حيث فتح هذا السبيل بدمه ودماء أهل بيته وأصحابه, ونسف كل المفاهيم المضللة, والأحكام المحرفة التي نُسبت لدين الله زوراً وبهتاناً, وهكذا (غدا الحسين (ع) قدوة كل مسلم ثائر للحق وبالحق, وغدت كل نهضة إسلامية حقة تجد في نفسها امتداداً لنهضة الحسين (ع) حتى نهضة المهدي تجد نفسها امتداداً لنهضة الحسين (ع) وتؤكد هذا الامتداد بشعار: يا لثارات الحسين)(8)
من نتائج الفتح الحسيني:
1- حررت إرادة الأمة من الخضوع إلى الطغيان، وبقيت مناراً ينير الطريق أمام عباد الله كما أنها كونت الحس الاجتماعي الرافض لكل أشكال العبودية لغير الله تعالى.
2- أفرزت خطين؛ خط الإسلام الأصيل, وخط الملوكية التي تتستر وراء الإسلام, وتحكم باسمه ظلماً وعدواناً, وبهذا أنقذ الإسلام من التحريف... وأعاد له أصالته، وللأمة حيويتها.
3- علم الثوار كيف يحافظون على رسالتهم ومبدئيتهم، وكيف يدافعون عنها.

الهوامش:
(1) اللهوف في قتلى الطفوف: 28 .
(2) الميزان في تفسير القرآن: 5/375-376 .
(3) مفردات ألفاظ القرآن: 511 .
(4) في ظلال القرآن: 7/189 .
(5) في ظلال الطف: 179-180 .
(6) في ظلال الطف: 180 .
(7) المقرم، مقتل الحسين (ع): 396 .
(8) الحسين (ع) في المدينة: 144 .
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com