موقع الصراط ... الموضوع : التوكل-2
 
الجمعة - 9 / صفر / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  التوكل-2  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 12 / شوال / 1433 هـ
     
  الأساس الذي يقوم عليه التوكل:
إن الإنسان عندما يريد أن يعتمد على جهة معينة، أو شخص معين فلا بد أن يكون له ثقة واطمئنان بتلك الجهة في الجانب الذي يصبو إليه أوفي جميع الجوانب، والاطمئنان والثقة لا يحصلان إلا من الإيمان وأعلى درجات الإيمان هو اليقين، فالجهة التي يريد أن يلتجئ إليها لابد وأن تتوفر فيها خمسة شروط:
1 - أن تكون في منتهى الهداية والرشاد عارفة بكل مقتضيات المصلحة…
2 - أن تكون في غاية العلم.
3 - أن تكون موافقة على اعتماده عليها.
4 - أن تكون في منتهى الشفقة والرحمة.
5 - وذات قدرة فائقة على الحماية والعون .
فإذا حصل اليقين القطعي بتوفر هذه الشروط فلا شك أنه سيعتمد عليها كلياً ولا يلجئ إلى غيرها …
ونحن إذا استقرأنا الكون، وما فيه من إنس، وجن، وملائكة لم نجد من يتوفر على ذلك كله إلا الله تعالى الذي يملك هذه الأمور كلها، وأن غيره مهما أوتي من علم ومعرفة وقدرة واستجابة فهي محدودة بحدوده فإذا أيقن المرء أن (تمام العلم والقدرة على كفاية العباد، ثم تمام العطف والعناية والرحمة بجملة العباد بالآحاد، وأنه ليس وراء منتهى قدرته قدرة ولا وراء منتهى علمه علم، ولا وراء منتهى عنايته بك ورحمته لك عناية ورحمة، اتكل لا محالة قلبك عليه وحده ولم يلتفت إلى غيره بوجه، ولا إلى نفسه وحوله وقوته، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله)
ومجمل القول أن الأساس الذي يبتني عليه التوكل هو الإيمان بالله وتوحيده الخالص، ولعل هذا هو مدلول الشعار الإسلامي الخالد، وكلمة الله الطيبة (لا إله إلا الله) التي تجعل الإنسان متجرداً عن الركون إلى قوته الذاتية، أو أي قوة أخرى إلا قوة الله وحوله، وتجعله كذلك متمرداً على كل طاغوت يعاكس الخط الإلهي .
وترتفع درجات التوكل وتنخفض بمقدار درجات الإيمان، فكلما ازداد الإيمان في كيان الإنسان الروحي والعقيدي وقوي وترسخ في أعماقه اشتد توكله على الله تعالى، وكلما اشتد توكله على الله اندفع بقوة لتحقيق إرادته وتطبيق أحكامه لا تأخذه في الله لومة لائم.

عطاءات التوكل:
إذا أيقن المؤمن بكفاية الله له ((أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَه)) (الزمر: 36) وَصَدَّق بدفاعه تعالى عنه ((إنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا)) (الحج: 38) وسلم نفسه إليه بوعي وصدق وإخلاص فإن ذلك يحقق له مردودات وعطاءات كبير يظهر تأثيرها في سلوكه نذكر منها:
1 - يجعل السالك في طريق الله يستهين بمشاكل الحياة وعقبات المسير مهما اشتدت وصعبت، ولا يزيده ذلك إلا عزماً وتصميماً ومضاء وصفاء نفسياً فلا يتراجع عن مسيره مهما كلفه ذلك.
2 - يمنح الإنسان طاقة روحية عالية تبعده عن القلق والاضطراب وتجعله ساكن النفس مطمئن القلب في مختلف الأحوال.
3 - يمنح المتوكل عزةً وكرامةً وترفعاً عن التماس ما عند الناس من معروف وهذا هو منتهى التحرر .

كيف نكتسب التوكل ؟
تحصيل واكتساب ملكة التوكل ليس بالأمر اليسير الذي يمكن تحقيقه للإنسان بدون بذل جهود متواصلة في ترويض النفس على طاعة الله، واكتساب المعارف الإلهية، وزيادة الإيمان؛ ولأجل تحصيل هذه المرتبة الإلهية، أو بعضها لابد من اتباع الخطوات التالية:
1 - العمل بجد متواصل على تطهير النفس من أدران الذنوب وذمائم الأخلاق وما لم يتحقق ذلك فإن النفس تبقى محجوبة عن النور الإلهي؛ لأن هذا النور لا يمتد إلا إلى النفوس الطاهرة والشفافة فإن كانت النفس طافحةً بالحرص، والطمع، والحقد، والحسد، وحب الدنيا، والنظر إلى ما في أيدي الناس كيف يتسنى لها قبول الأنوار الإلهية؟ والله ما جعل للإنسان في صدره إلا قلباً واحدا ومعلوم أن الإناء المملوء بالماء لا يدخله الهواء. كذلك النفس الملطخة بالأدران لا تقبل الأنوار؛ ولهذا نفى القرآن الفلاح والنجاح بدون تزكية النفس ((قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا)) (الشمس:10) لأن النفس المدفونة تحت ركام الشهوات، وأدران الذنوب، ومذام الأخلاق محرومة من نعيم الله تعالى؛ وكما أن غيث السماء لا يخرج الأزهار والأثمار إلا إذا كانت الأرض خصبة طاهرة من جذور النباتات الطفيلية، كذلك العلم والإيمان لا يستقر في النفس ولا يعطي ثماراً طيبة إلا إذا طهرت النفس من أدران الذنوب ومذام الأخلاق ((وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلا نَكِداً كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ)) (الأعراف:58) فإذا طهرت النفس أصبح ظرفها صالحاً لتحصيل التوكل وجميع المحامد الأخرى، يقول الراغب الأصفهاني في مفرداته: (وبزكاء النفس وطهارتها يصير الإنسان بحيث يستحق في الدنيا الأوصاف المحمودة، وفي الآخرة الأجر والمثوبة. وهو أن يتحرى الإنسان ما فيه تطهيره؛ وذلك ينسب تارة إلى العبد لكونه مكتسباً لذلك ((قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا)) (الشمس:9) وتارة ينسب إلى الله تعالى لكونه فاعلاً لذلك في الحقيقة نحو ((بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ)) (النساء:4) وتارة إلى النبي (ص) لكونه واسطة في وصول ذلك إليهم نحو تطهرهم وتزكيهم بها ((يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ)) (البقرة: 151) وتارة إلى العبادة التي هي آلة في ذلك نحو ((وَحَنَاناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً)) (مريم: 13) )
2 - مواصلة البحث والتدبر في المعارف الإلهية من حيث الأسماء والصفات والقدرة المطلقة في كل شيء، ودراسة سنن الله في الخلق ومجرى الحوادث لإدراك دخالة اليد الإلهية في ذلك، والتبصر فيها، وهذا يرزق الإنسان اليقين بالقدرة الإلهية، وتأثيرها في كل شيء، يقول أمير المؤمنين (ع): (واليقين على أربع شعب: على تبصرة الفطنة، وتأويل الحكمة وموعظة العبرة، وسنة الأولين فمن تبصر في الفطنة تبينت له الحكمة، ومن تبينت له الحكمة عرف العبرة، ومن عرف العبرة فكأنما كان في الأولين)
3 - التدبر في سيرة المتوكلين الخلص من الرسل والأنبياء وأتباعهم المخلصين والتأسي بسيرتهم والاهتداء بهداهم , ومحاولة الوقوف على سر صمودهم. فإذا تأملنا ذلك بدقة فلا نجد سبباً لصبرهم واستقامتهم إلا توكلهم على الله، وهذا يؤثر تأثيراً إيجابياً في النفس فإن الإنسان دائماً وأبداً بحاجة شديدة إلى الأسوة الحسنة التي يضع أقدامه حيث ما وضعت .
4 - مواصلة ذكر الله تعالى اللساني والقلبي، بل الذكر العملي وأقصد به الوقوف عند ما حرم الله، والتحرك حيثما أمر الله كما ورد في بعض الروايات… وذكر الله يمنح القلب الطمأنينة ((أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)) (الرعد: 28)
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com