موقع الصراط ... الموضوع : التجديد في الفكر الإسلامي وعنصر المرونة في التشريع-2
 
الأحد - 11 / صفر / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  التجديد في الفكر الإسلامي وعنصر المرونة في التشريع-2  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 12 / شوال / 1433 هـ
     
  ملاحظات عامة:
إنّ وجود القواعد التي تضبط عملية التجديد تشكل ضرورة أساسية لا يمكن لعملية التجديد أن تتم بدونها وهي في الواقع قواعد تفرضها الشريعة نفسها من خلال النصوص والثوابت الشرعية ومن خلال ما يحكم به العقل من أسس وأصول يتفق عليها العقلاء، وعليه فلنا هنا ملاحظات:
أولاً: إنّ التجديد ليس هدفا بذاته، أي التجديد ليس من أجل التجديد، بل هو وسيلة تهدف إلى تلبية حاجات المجمتع الجديدة وملاحقة متغيرات العصر والإجابة على التساؤلات الشرعية والعقيدية الضاغطة للإنسان المعاصر، والنظر في قضايا الواقع وتكييفها طبقا لمواصفات الشريعة وبالتالي صياغة المشروع الإسلامي النهضوي الذي يستوعب متطلبات الحياة الإنسانية في حاضرها ومستقبلها، وتعبيد طريقها للوصول إلى الآخرة أي إنّ التجديد ـ بكلمة واحدة ـ هو معلول الحاجات العملية، وليس مجرد حركة نظرية منفصلة عن الواقع وعن ضوابط الشريعة.
ثانياً: إنّ دواعي التجديد تتعدد بتعدد الحاجة إليه، فالتجديد الهادف هو سنة اللّه في خلقه، وتؤكده النصوص المقدسة، مثل (إنّ اللّه يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها) ثم أنّ التجديد يكشف حقيقة أدعياء التجديد الذين ينتسبون إلى تيارات تحريفية وتوفيقية وتغريبية، والذين يعلمون على مسخ الشريعة بحجة الاجتهاد والتجديد. ثالثاً: إنّ التجديد يقوم به أصحاب الاختصاص فقط، وهو مطلب شرعي وعقلي ((فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)) ((وإن تنازعتم في شيء فردوه إلى اللّه والرسول)) وأصحاب الاختصاص هؤلاء لهم مواصفات محددة شأن كل الاختصاصات الأخرى، فإذا احترمنا تخصص الطبيب والمهندس والكيميائي والفلكي وعالم الاجتماع والصحافي، فلا بد أن نحترم تخصص المعني بعملية التجديد، وهذا التخصص يعني القابلية على الاستنباط في مصادر التشريع وعلى محاكمة الفكر وتمحيصه، أي أن المعني بالتجديد هو المجتهد المفكر الذي استوعب علوم القرآن تماما وفهِم الناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه وأسباب النزول، إضافة إلى علوم الحديث والرجال، وعلوم العربية، وعلم الكلام والعقيدة وعلم الفقه وقواعده وعلم الأصول وقواعده وهو تخصص عميق ودقيق و هذا لا يعني بحال من الأحوال ـ وصاية على الفكر الإسلامي ليتحرك في فضائه الحقيقي لا فضائه المزيف الذي يحرفه عن أصالته. فكما نترك للطبيب حرية الحركة بمفرده في علم الطب ولا نسمح للفقيه والمفكر في التدخل بشأنه وتخصصه، بل ونعطي للطبيب ولاية ووصاية على علم الطب وعلاج الأمراض، فمن الواجب أيضا أن لا نسمح للطبيب والفيلسوف وعالم الاجتماع والأديب والكاتب أن يتدخلوا في غير اختصاصاتهم، ومنها قضايا الشريعة والتجديد في إطارها.
رابعاً: إنّ التجديد يتطلب مفكراً مجتهداً منفتحاً على الحياة والواقع، ويدرك ضغوطاتها ومشكلاتها، ملماً بقضايا العصر وأفكاره وثقافته، وبكلمة واحدة: المفكر المجتهد المثقف، وإلاّ فالمجتهد المنغلق على الواقع والجامد على فهم الآخرين للنص والبعيد عن ثقافات العصر ومتطلباته وتحدياته المتجددة والمتسارعة التي تفرضها الثورات المتكاملة في الاتصالات والمواصلات والتكنولوجيا والطلب والهندسة الوراثية والبيولوجية والاقتصاد وحركة‏ المال والسياسة الدولية وغيرها، فضلاً عن التحديات التي تفرضها أساليب ووسائل تطبيق الشريعة بكل مجالاتها، هو شخص لا يمكنه الخوص في قضايا التجديد، لأنه سيعكس صورة سلبية منفرة عن الشريعة السمحاء والدين الحنيف ومن هنا نرى أن الإمام الخميني وضع شروطا جديدة للاجتهاد، أبرزها القابلية على تحديد حاجات المجتمع أو العصر وتحديد مصالح المجتمع وفهم الواقع.
خامساً: إنّ فكرة القراءات المختلفة للدين والمبنية على منهجيات علمية مستوردة بعيدة عن ضوابط العقيدة وغربية عن جنس الشريعة، كمنهجية الهرمونيطيقيا (التأويل تسامحا) والاركولوجيا (الحرفيات) والتاريخانية هي فكر اعتباطية وفضفاضة وغير دقيقة من الناحية العلمية.ونحن لا ننكر الاختلاف في فهم النص وفي فهم الموضوع وفي اعتماد القواعد الفقهية والأصولية وفي قبول الحديث وغيرها، ولكنه اختلاف مؤطر بالضوابط التي تفرضها الشريعة، أي للمنهجية الخاصة بكل علم من العلوم الإسلامية، كما أنه اختلاف بين المفكرين والمجتهدين، وليس بين كتّاب وصحافيين وعلماء اجتماع وفلاسفة ورجال سياسة وبالتالي فالتعددية (بلوراليسم) لا توزع الحقيقة بنسب متوازنة على كل صاحب رأي، بل أنّ الحقيقة واحدة وثابتة ويبقى أنّ المفكرين والمجتهدين يبذلون كل ما في وسعهم من جهد للوصول إليها من خلال الكشف عن الحكم أو الأسلوب الشرعي، في إطار المنهجية الإسلامية المستخرجة من جنس الشريعة وغايات الدين وإلاّ فهذا اللون التغريبي الذي يطرح تحت شعار التعددية والقراءات المتنوعة وفي إطار منهجيات وضعت لعلوم أخرى واخترعتها بيئات أخرى ومناخات علمية ودينية مختلفة عنّا هي مثال صارخ للانفلات الفكري الذي يسمح لكل فرد من أفراد الأمة الإسلامية أن يكون له قراءته ورؤيته الخاصة بالدين، وبالتالي سيأتي اليوم ـ إذا أذعنا لهذه المنهجيات ـ الذي لا يبقى فيه من شريعة اللّه إلاّ أشباح أحكام أو معتقدات ممسوخة مفصّلة على مقاس كل صاحب هوى.
سادساً: إنّ التجديد لا يتناول الأطروحة الدينية أو الدين بعينه أو ثوابت الدين، فهذه الثوابت (أي الأصول الإسلامية المقدسة) خالدة خلود الدين الخاتم، لأن «حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة» ولا يمكن تحت أي ذريعة من الذرائع الاجتهادية في مقابل الثوابت وتجديد الأصول المقدسة اللهم إلاّ في إطار القواعد الاستثنائية الزمنية التي حددتها الشريعة نفسها، وسبقت الإشارة إليها أما التجديد فمساحته الفكر الإسلامي والموروث والمعاصر، أي الإنتاج الفكري الإسلامي للمفكرين المجتهدين المتقدمين والمتأخرين، وكذلك في فهم الثوابت الإسلامية وقواعد وأصول هذا الفهم، وفي اكتشاف قضايا جديدة (مناهج، نظريات، علوم، رؤى) في المصادر المقدسة، وأخيراً في أسلمية بعض المناهج والنظريات التي وضعها الإنسان في الحقول المحايدة العامة وبالتالي فهي مساحة متغيرات بأكملها.
سابعاً: إنّ للتجديد والاجتهاد مرجعية ثابتة لصيقة بها، وهذه المرجعية يتم الرجوع إليها عند الاختلاف في الفهم والنتائج، وإلاّ فالتجديد لا يتحرك في الفراغ ولا ينطلق من فراغ، بل أنّ له فضائه الذي يجول فيه، وهذا الفضاء هو مرجعية التجديد والاجتهاد المتمثلة في القرآن الكريم والصحيح من السنة الشريفة، وفي أدوات فهم الأصول المقدسة والكشف عن حقائقها كالعقل والإجماع وغيرهما.

في الطريق إلى التجديد:
في ضوء التصورات التي طرحتها هذه الدراسة، يطرح السؤال التالي نفسه: ما العمل لتحقيق التجديد المنشود؟ وللإجابة على هذا السؤال نرى أنّ من الضروري تحقيق وعي أشمل وأدق للإسلام من أدلته الأصلية، وندرك حقيقة مقاصده وغاياته ولا بد أن نعيد فتح باب الاجتهاد على مصراعيه، في إطار ضوابطه وعلى أصحاب الاختصاص في علوم الدين (المفكرون المجتهدون) أن لا يسمحوا لغير المتخصصين بالعبث في شريعة اللّه ومعتقدات الإسلام تحت ذريعة الاجتهاد والتجديد أو ذريعة تفصيل الدين على مقاس العصر، أو التضحية بالأصالة في مذبح المعاصرة والتضحية بالتراث في مذبح التجديد، والتضحية بالشريعة في مذبح التعددية، والتضحية بالدين في مذبح العلم، فهذه الذرائع أو الثنائيات المستوردة لا وجود لها في مبادئ الإسلام الخالدة، لأنّها ثنائيات أنتجتها العقلية الغربية في العصور التي أعقبت ما يسمى بالنهضة الأوروبية، بهدف إقصاء الدين عن الحياة، وهي إشكالية نابغة من الصراع بين الكنيسة ودعاة العلمانية (لائيسم). وبالنظر لا تساع دائرة التغيير في الحياة وسرعة التطور، نرى أنّ قابلية التجديد على استيعاب هذا الواقع تتطلب آليتين: الأولى: آلية الاجتهاد الجماعي، وتتلخص في تشكيل لجان اجتهادية من مجموعة من المفكرين المجتهدين لبحث موضوع أو جملة مواضيع، ثم تتكامل نظراتهم ورؤاهم بعد التداول والمناقشة للخروج بحكم شرعي أو نظرية أو نظام إسلامي في مجال معين. و هناك تجربة مجمع الفقه الإسلامي بجدة، الذي نأمل أن تكون فيه لجان اجتهادية ثابتة تؤدي عملها على مدار السنة؛ لملاحقة التطورات الهائلة المتسارعة التي تشهدها البشرية ومن شأن الاجتهاد الجماعي استيعاب كل الموضوعات واختصار الزمن والخروج بأفضل الآراء. الثانية: آلية التكامل بين المفكرين المجتهدين وأصحاب الاختصاصات العلمية والمهنية الأخرى، من خلال استشارة المفكرين المجتهدين لهؤلاء المتخصصين في الموضوعات الجديدة والاستعانة بهم في فهم العلوم والمناهج الجديدة وقضايا الواقع المتنوعة والمعقدة، وفي تحديد مصالح الأمة والدولة، إذ يتم تداول هذه الموضوعات في لجان أو مجالس مشتركة، ثم الخروج بالرأي أو الاجتهاد الأفضل الذي يحقق مصالح الأمة ويكيَّف الواقع لينسجم مع غايات الشريعة. وهذه الآلية تمت تجربتها في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ولا زالت تأتي ثمارها وتتمثل في «مجمع تحديد المصلحة» الذي يتكون من فقهاء واختصاصيين في مختلف المجالات، ويمثلون النخبة التي تخطط للسياسات العامة للأمة والدولة، ثم يعرضونها على ولي الأمر(القائد) لإقرارها ولابد من إخضاع تجارب تطبيق الشريعة والنظم الإسلامية في بلداننا إلى التقييم المستمر، إي القيام بعملية رصد علمية لنتائج هذه التجارب (على الطبيعة)، مثل تجارب تطبيق الاقتصاد الإسلامي والبنك الإسلامي والنظام القضائي والنظام السياسي ونظم التكامل والتعاون الاجتماعي والنظام التعليمي وغيرها وستكون نتيجة هذا الرصد العلمي من خلال الدراسات والبحوث، وضع مناهج ومبادئ وتفاصيل علوم إسلامية اختصاصية، كعلم الاقتصاد الإسلامي وعلم الاجتماع الإسلامي وعلم النفس الإسلامي وغيرها. التجديد للمستقبل لاشك أنّ التاريخ الإسلامي شهد ظهور مجددين عظام، بل وموجات رائدة من التجديد، وكانت كل حركة تجديد فكري تختص بها بواقعها وظروفها، أي أنها حركة تجديد لزمانها. وهكذا فان المحاولات الحالية للتجديد الفكري التي تقوم بها الطليعة المتنورة من المفكرين المجتهدين، هي تجديد لزماننا هذا، ويبقى أن للمستقبل تجديده ورجاله ولكن في الوقت نفسه فان المخططات الكبرى في مجالات السياسية الدولية والإعلام والاقتصاد والثقافة وغيرها، والتي يعدّها من يعبِّرون عن أنفسهم بـ (سادة العالم) و(دعاة التفوق)، وتسارع الأحداث وتراكم المتغيرات والطفرات المتلاحقة في مجال العلم والتكنولوجيا، تجعل الحاضر لحظة غير محسوسة، وتجعل البشرية تعيش في المستقبل دائما: إذ أنّ ما تكشف عنه الدراسات المستقبلية الغربية، يضعنا في حيرة مما سيحدث الآن وفي المستقبل، وهو ما يعبِّر عنه أحد مفكري الغرب بـ (صدمة المستقبل)، لأن ما تم التخطيط له قبل عشرين عاما ظهرت نتائجه الآن، وما يتم التخطيط له الآن ستظهر نتائجه بعد عشرين أو خمسين عاما. وحيال ذلك فلا بد أن يكون للإسلام وللفكر الإسلامي موقفه مما سيحدث في المستقبل أو مما يتم الإعداد له من الآن. ويتمثل هذا الموقف في استعداد الفكر الإسلامي للمستقبل ومحاولة امتصاص مفاجئاته وصدماته، وهو موقف ندعو إليه. ولهذا فأنا أدعو لتدارس موضوعة الفكر الإسلامي المستقبلي الذي ينطلق من إشكاليات الحاضر وحيثياته، ويستشرف المستقبل وتحدياته وخياراته،ثم يخطط له في محاولة لاكتشاف بدائله المنشودة وبنائه والتحكم به فمثلاً نظم الحاضر التي أعدّلها الآخرون، كالعولمة والأنسنة، ستتبلور بمرور الزمان وتظهر نتائجها النهائية في المستقبل، وكذلك الكثير من الاكتشافات، كما يحدث في علم الجنتيك (الهندسية الوراثية)، فان نتائجه ستظهر في المستقبل وهكذا فان الشريعة والفقه وعلم الكلام الإسلامي لا بد أن يكون لها رأيها في كل ذلك، وتستعدله، لتكون بمستوى تحديات المستقبل وضغوطاته. وعلى هذا الأساس فان منهجيات وأفكار ورؤى تُطرح الآن، وهدفها وضع الفكر الإسلامي بمستوى قضايا المستقبل، كفلسفة الفقه وفقه المقاصد وفقه الأولويات وعلم الكلام الجديد والتحول في الاجتهاد والأسلمة أو تأصيل العلوم الاجتماعية والإنسانية، وحتى التطبيقية، وغيرها، هي بأكملها مطروحة للبحث والتداول والمدارسة بين دعاة التجديد الأصيل في الفكر الإسلامي، بهدف نقل الفكر الإسلامي من المعاصر إلى المستقبلي، وبذلك فنحن نقدِّم الخدمة المثلى للجيل الإسلامي الذي ينشأ اليوم وسيمسك بزمام المستقبل، حين نعدّله الأحكام والنظم والنظريات التي تستوعب عصره وهي في الواقع ـ وقبل كل شيء ـ خدمة للجيل الحاضر، الذي يرى تحديات المستقبل ماثلة أمام عينه ويستشعر ضغوطاتها وآلامها؛ لأن الحاضر هو المستقبل، بعد أن أخذت البشرية تفقد إحساسها بالزمن الحاضر. وهذه الدعوة لا تعني ـ بأي حال من الأحوال ـ الهروب إلى الأمام وحرق المراحل والعبور على الأزمنة، بل‏على العكس، هي دعوة للاندكاك بالواقع ولاستحضار السنن الكونية والعمل بالنصوص الإسلامية المقدسة.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com