موقع الصراط ... الموضوع : خمسة نماذج قرآنية متقابلة
 
الإثنين - 29 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  خمسة نماذج قرآنية متقابلة  
   
  كتب بتاريخ : الجمعة - 13 / شوال / 1433 هـ
     
  بقلم: الأُستاذ أحمد القاضي
تَوطئة:
هذه النماذج الخمسةُ مُنبثّة هنا وهناك بين آي الذكر الحكيم، وما يجمعها أنّها مُتقابلة بين أجلى نموذجين إنسانيّين طَرحهما القرآن المجيد على بساط الوعظ والاعتبار.
وإذا ما أنعمنا النظر في كلّ زوج مِنها ألفينا مدى التنافُر والتضاد القائم بينهما، وما ذاك إلاّ لأنّ (كلّ إناءٍ بالذي فيه ينضحُ)، وكلّ شجرة تؤتي أكُلَها مِن سِنخِها، إن حُلواً طيّباً فطيّب، وإن خَبيثاً نكداً فخبيث. ولذا فإنّ المُراد مِن هذا التقابل هو تبيان بشاعة وفظاعة الكُفر قبالة جمال وروعة الإيمان.
إنّها محاولة لرسم صورةٍ واحدةٍ للموقّف الواحد وباللونين الأبيض والأسود، والضِّد كما يقول الشاعرّ العربي يُظهرُ حُسنه الضِدُّ.
البعض مِن النماذج المُنتقاة ورد في سياق قرآنيّ واحد في آيةٍ أو أكثر والبعض الآخر لم ينتظم في مِثل هذا السياق، بل دعتنا ضرورة البحث إلى عقد المُقابلة بين نموذجين في سورتين مُتباعدتين إلاّ أنّهما في المُحصّلة النهائيّة محكومان بمنهج البحث، الّذي يعتمد المُقابلة كما أسلفت أساساً له.
بقي أن أقول، جواباً على سؤال: هل النماذج المُنتخبة هي في القرآن خمسة فقط؟
بالتأكيد لا، إلاّّ أنّ هذا هو ما يسمح به مجال البحث هُنا، وإنّي لآمل أن تكون المادّة قيد البحث الأوّلي فاتحة لدراسات أوسع فيما يُمكن أن يندرج تحت لافتة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
النَماذِجُ على مَنَصّةِ البَحث:
النموذج الأوّل: (ابنا إبراهيم ونوح):
العيّنة الأُولى: ابن إبراهيم (إسماعيل)، وقد تحدّثت عنه سورةُ الصافّات، الآيات: (100-107) هكذا:
(رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء الله مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاء الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ).
العيّنة الثانية: ابن نوح، (كنعان) على أكثر الروايات، وإلاّ فقد وردت في التفاسير أسماء أُخرى لا حاجة بنا للوقُّوف عندها طويلاً، فما يهمّنا النموذج لا الاسم، كما لا يهمّنا أيضاً موقع كنعان في التسلسل مِن أبناء نوح.
جاء في سورة هود، الآيات: (42-46) قوله تعالى:
(وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ الله إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ * وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ).
العَلاماتُ الفارِقَة في كلّ عيّنَة:
في عيّنة إسماعيل (عليه السلام)، تُطالعنا مسألة أبيه إبراهيم في أن يَهَب الله له مِن الصالحين، فهو لم يطلب ولداً أيّ ولد مِن خلال إرضاء غريزة الأُبوّة في داخله، بل أراداه صالحاً يتحرّك في طاعة الله على أساس أن يُحقّق للحياة خُطَاً للصلاح في قاعدة الإيمان بالله. (1)
فالعلامة الأُولى هُنا هي الصلاح.
وتأتي الاستجابة الربّانيّة كبُشرى ب (غلام حليم)؛ ليقترن الصلاح بالحِلم، وإن كان هذا فرعاً لذاك الأصل، مِثلما أنّ حِلم إسماعيل هو فرع لحِلم أبيه إبراهيم، (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ)(2).
وحينما تكتمل فُتوّة إسماعيل يتّضح الحِلم والصلاح جَليَّين باستجابته للأمر الإلهي الصادر على هيئة رؤيا صادقة عَرَضَها عليه أبوه فلم يستخفْ بالعَرض، أو يرفضه، أو يُجادل فيه:
(يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى).
(يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ).
بهذا الحوار المقتضب يَتمّ العرض والتلبية: (سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ)، وبهذه الإجابة الطافحة بالإيمان يبدو جليّاً كم هو إسماعيل مؤمن بربّه، بارُّ بأبيه.
يقول العلاّمة الطباطبائي في ميزانه، تعقيباً على ردّ إسماعيل: تطييب منه لنفس أبيه، أنّه لا يجزع منه، ولا يأتي بما يُهيج وجد الوالد على ولده المُرمّل بدمائه.
وقد زاد في كلامه صفاء على صفاء، إذ قيّد وعده بالصبر بقوله: (إِن شَاءَ اللَّهُ) فأشار إلى أنّ اتّصافه بهذه الصفة الكريمة أعني الصبر ليس له مِن نفسه، ولا أنّ زِمامه بيده، بل هو من مواهب الله ومِنّته...)(3).
وليس في القصّة كما هو بيّن أي هَلَع أو جَزع، لا مِن قِبَل الأب، ولا مِن لَدُن الابن، إنّما هو الاستسلام الواعي المتعقّل، القاصد المريد، العارف بما يفعل، المُطمئن لِما يكون، لا بل هُنا الرضا الهادئ المُستبشر المتذوّق للطاعة وطعمها الجميل(4).
وبكلمات ثلاث: إنّها قصّةُ (الابتلاء) و(الوفاء) و(الجزاء).
أمّا في عيّنة (كنعان) فماذا نُلاحظ؟
النداء الّذي يصدر عن نوح يأتي مِن بعيد، ذلك أنّ ابنه وبخلاف الفِئة المؤمنة المُلتفّة حوله (كَانَ فِي مَعْزِلٍ)، إشارة إلى أنّه انتبذ مكاناً قصيّاً، واختار أن يكون مع الكافرين بكلّ صلفهم وعِنادهم واستكبارهم:
(يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ).
(سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء).
(لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ).
ويَسدِلُ الموجُ السِتار على المشهد سريعاً بابتلاعه كنعان؛ ليرتفع ثانية عن مشهد مُناجاة نوحٍ مع ربّه، بما تحمله مِن لهجة الاستعتاب المقرون بالأدب النبوي:
(رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ)
(يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ)
فالنتيجة التي تخلص إليها القصّة: إنّ عمل كنعان غير صالح، وإنّه لا يمتُّ إلى النبوّة والإيمان بسبب، وإن كان بينه وبينها صِلة البُنوّة.
العَيّنتان وجهاً لوجه:
لسنا في كلّ النماذج قيد الدرس بصدد وتفسير الآيات المتحدّثة عن نماذجنا المُستلّة منها، ولذا فإنّنا نكتفي بالقدر اليسير مِن أضواء التفسير؛ لأنّنا نُريد التعويل على المُقابلة بين النماذج أكثر مِن القيام بعرض تفسيريّ بحت لا نرى له ضرورة طالما أنّ كُتُب التفسير تكفّلت بذلك وأَوفت.
فبعد العرض العاجل لابنيّ نبيّين مِن أنبياء الله تعالى، دعونا نتأمل في نقاط الافتراق والتباين بينهما:
فإسماعيل نموذج البنوّة البارّة، التي تعين على أمر الله بالصبر في ذات الله، وكنعان نموذج البنوّة العاقّة التي لا تحفل بالأبوّة الملهوفة (5).
إسماعيل يتقبّل الأمر الإلهي، الّذي أبلغه به أبوه على شدّته، وهو هُنا الذبح، وكنعان يرفض الدعوة التي وجّهها إليه أبوه على ليونتها، وهي هُنا النجاة.
إسماعيل مؤمن بالغيب بلا أدنى تردُّد؛ ليقينه أنّ رؤيا أبيه أمرٌ إلهي، وأنّ تنفيذها طاعةٌ لله، وبالتالي فإن الجزاء الأوفى المُترتّب عليها مِن الله وحده، بينما نجد أنّ كنعان يرفض تصديق أبيه في أنّ المُتخلّف عن ركوب السفينة غارق هالك لا محالة، وعليه فلا إيمان له بالغيب بما كذّب به أباه المبعوث بأمر الغيب وسلطانه.
جزاء إسماعيل المُمتثل لأمر الله سبحانه النجاة، والافتداء بالذبح العظيم، أمّا الغَرق فكان بالنسبة لكنعان المُتمرّد على الإرادة الربّانية جزاءً وِفاقاً.
النتيجة المُستخلصة مِن القصّتين هي: الحقيقة الكبيرة في هذا الدين، حقيقة العُروة الوثقى التي ترجع إليها الخيوط جميعاً، عُروة العقيدة التي تربط بين الفرد والفرد ما لا يربطه النسب والقرابة (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ)، إنّه منبتّ منك، وأنت منبتّ منه، ولو كان ابنك مِن صلبك (6).
وهذه هي ذاتُ الحقيقة التي يُقرّرها ويقرّها القرآن الكريم بالنسبة لإبراهيم (عليه السلام): (قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (7).

النموذج الثاني: ابنا آدم:
العيّنة الأولى: قابيل
العيّنة الثانية: هابيل
وقد سرد الله تعالى قصّتهما في سورة المائدة، الآيات: 27-32 بالشكل التالي:
(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ الله رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَبَعَثَ الله غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ * مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاء تْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ).
لا تعنينا بشيء ونحن ندرس هذا النموذج ماهيّة القُربان الّذي تَقرّب به كلّ مِن قابيل وهابيل، نسكتُ عنه كما سكت القرآن، ونوجّه عنايتنا إلى المرحلة التي تلت عملية التَقرّب بالقرابين وِفق السياق القرآني الآتي:
(لأقْتُلَنَّكَ)
(إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ الله رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ)
هذا هو كلّ الّذي جرى بين قابيل وهابيل مِن حوار حسبما ينقله إلينا القرآن الكريم ومن خلاله يُمكننا أن نتبيّن طبيعة ابني آدم، الَلَذَين يقفان عند مُفترق طُرق، كما يتّضح مِن استقرائنا للعلامات الفارقة لكليهما.
العَلاماتُ الفارِقَةِ لِكُلّ عَيّنَة:
العيّنة الأُولى: قابيل
السبب الوحيد الّذي نتعرّف عليه حسب النصّ القرآني لإقدام قابيل على قتل أخيه هابيل هو قبول قُربان الثاني في حين لم يُقبل قُربان الأوّل، لعلّةٍ مَجهولةٍ لم تكشف الآية النقاب عنها، اللّهم إلاّ عبارة: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)، الدالّة على تمتّع هابيل بهذه المَلَكة دون قابيل، ومع أنّ هابيل لا دخل له في مسألة القبول الراجعة أساساً إلى الله سبحانه، فهو الّذي يُقرّر ما إذا كان العملُ أيُّ عمل مقبولاً أم لا، وِفْق معيار خاصّ تأتي التقوى في مُقدّمة مُفرداته.
أقول: مع ذلك، فإنّ قابيل لا يتفهّم المسألة ضمن هذا الاعتبار، ولا يُمكن فَهْم قراره بقتل أخيه إلاّ على أنّه (الحَسَد) فقط لا غير، وإلاّ فما ذنب أخيه أن يَتقبّل الله عمله أو قربانه. إنّ فيه أي قرار القتل ضميمة اعتراض صريح على الذات المُقدّسة التي توهّم قابيل انحيازها لساحة أخيه، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.
ومِن هُنا فإنّ قابيل يُريد أن يقتل نفساً بغير نفس، أو فساد في الأرض، إنّما هو ثائر مُنتقم لنفسه التي هيّجها الحَسد الّذي يُعمي ويُصمّ؛ فلا تعود تبصرُ غير طريق الانتقام.
يقول العلاّمة الطباطبائي في ميزانه: القصّة تدلّ على أنّ مِن طِباع هذا النوع الإنساني، أن يحمله اتّباع الهوى والحسد الّذي هو الحنق للناس بما ليس في اختيارهم، أن يحمله أوهنُ شيء على مُنازعة الربوبيّة، وإبطال غَرَض الخِلقة بقتل أحدهم أخاه مِن نوعه، وحتّى شقيقه لأبيه وأُمّه (8).
هذا إلى جانب إشاحة قابيل وجهه عن أخيه، وهو يعظه وينهاه عن ارتكاب جريمته النكراء، فلقد ملك قرار القتل منه زِمام نفسه، واستحوذ عليه الشيطان بما لم يدعْ له مجالاً للمُراجعة أو التراجُع.
العيّنة الثانية: هابيل
تتكشّف ملامح هابيل مِن خلال: تقواه وعِلمه.
أمّا كونه مِن المتّقين ؛ فلقوله: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) وأمّا كونه مِن العُلماء بالله؛ فلقوله: (إِنِّي أَخَافُ الله رَبَّ الْعَالَمِينَ)، وقد قال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (9).
ويخطئ مَن يتصوّر أنّ هابيل كان ضعيفاً إزاء قابيل حتّى في المنظار المادّي فكلّ ما في الأمر أنّ هذا توسّل بالبطش، وسفك الدماء، الَلَذَين لا يدلاّن بحال على القوّة فيما حَكّم ذاك العقل؛ لينظر إلى أبعد مِن حدود اللحظة الآنيّة الانفعاليّة الفاقدة لكلّ أشكال الضبط والتوازن.
إنّه موقف اللا عُنف، أو إرادة السلام الّذي يُعبّر عن نفسه بهذه البساطة الموحية.. فهو لا يواجه موقفه التهديدي بموقف تهديدي مُضاد؛ لأنّه لا يؤمن بالمبدأ الّذي يدفع الإنسان إلى قتل أخيه الإنسان قريباً كان أو بعيداً لمُجرّد نزوة عارضة، أو مَزاج انفعالي، بل يؤمن بالمبدأ الّذي يُعطي للمواقف الحادّة فُرصة التراجُع والمرونة بفضل هدوء الفِكر، ورحابة الصدر؛ ليُسيطر على السلبيّات التي تُفجّر الموقف، وتخلق المُشكلة... ثمّ يُحاول أن يربط ذلك كلّه بالإيمان بالله الّذي يُريد للإنسان السلام في الحياة، فيعبّر عنه بأنّه يخاف الله ربّ العالمين، الّذي يَطّلع على كلّ أقواله وأفعاله؛ فيحاسبه على كلّ شيء (10).
وإذا أخذنا برواية الإمام الباقر (عليه السلام)، التي يوردها العياشي في تفسيره مِن أنّ قابيل بغى على هابيل (ولم يزل يرصده، ويتّبع خلوته حتّى ظفر به مُنتحياً مِن آدم، فوثب عليه وقتله) (11).
نستشفّ أنّ قابيل قتل أخاه غيلة، وقَتْل الغيلة كما هو معروف أجبن القتل.
العَيّنتان وَجهَاً لوَجه:
إذا كان قابيل يُمثّل الحَسد والبغي والكُفر، فإنّ هابيل هو أُنموذجُ الإيمان والترفّع والتسامي، فالقصّة تُقدّم نموذجاً لطبيعة الشرّ والعدوان الصارخ الّذي لا مبرّر له، ونموذجاً لطبيعة الخير والسماحة والطيبة والوداعة (12).
قابيل قاتلٌ للنفس المُحرّمة والمُحترمة بغير نفس أو فساد في الأرض، وهابيل يرى في ذلك إثماً، ومُدخلاً للنار وظُلماً، فلم يردّ الصاع لا بصاعين، ولا بمثله؛ لأنّه ببساطة (يخاف الله رب العالمين).
المتّهم هُنا قابيل؛ لأنّه أقدم على حادث قتل مُتعمّد مع سبق الإصرار والترصّد. والبريء هابيل الّذي لا جريرة له توجب الحفيظة عليه وتبيّت قتله، فالأمر لم يكن له يدٌ فيه، وإنّما تولّته قوّة غيبيّة، فيما كان هناك مبرّر لحَنق الأخ على أخيه (13).
قابيل لم يُقدّم المبرّرات المقبولة والمُقنعة على جريمته، أمّا هابيل فقد نهاه عن المُنكر بما أُوتي مِن قدرة على الوعظ والهداية، وما استثاره قطّ بما يُكرّس حالة الانتقام لديه، بل على العكس مِن ذلك، حاول جاهداً أن يُثنيه عن قراره فلم يُفلحْ.
وإذا كان القرآن الكريم قد حدّد الموقف مِن قابيل بأنّه خاسر (فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، وأنّه نادم (فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ)، فإنّه يُمكن القول باطمئنان، أنّ هابيل قد ربح في هذا التحدّي، وكسب الموقف لصالحه، وإن كان هو الضحيّة. وحسبنا وحسبه أنّ الآي التي خَتمت القصّة أبانت أنّ قتله يُساوي أو يُعادل قتل الناس جميعاً: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا).

النموذج الثالث: ذو الجنّتين وصاحبه
على مدى اثنتي عشرة آية مِن سورة الكهف (32-44) يُحدّثنا القرآن الكريم عن هذا النموذج، الّذي تكثر في الحياة نظائره، حيث يقول الله سبحانه:
(وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا * كِلْتَا الجنّتين آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا * وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَرًا * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لأجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا * قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً * لَّكِنَّا هُوَ الله رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء الله لا قُوَّةَ إِلا بِالله إِن تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَدًا * فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاء فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا * أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا * وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ الله وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا * هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا).
العلامات الفارقة لكُلّ عيّنة:
العيّنة الأُولى: صاحب الجنّتين
ثريٌّ على جانب عظيم مِن الثراء، ملكيته: جنّتان مِن أعناب، بينهما زرع، ويُحيط بهما النخلُ مِن جميع الجهات، وخلال الجنّتين نهر دَفّاق يجري باضطراد، فلم يبقَ أمام الجنّتين إلاّ أن ينموا كلّ النماء، ويعطيا وافر العطاء.. إنّها صورة الدُنيا التي تزيّنت بأبهى زينتها؛ فخطفت بصر صاحبها، وهو يتأمّلها تغدق عليه وتفيض.
هاتان الجنّتان الغارقتان في النعيم ماذا فعلتا بصاحبهما؟
ألهاه التكاثر فراح يتباهى مُتبخترا: (أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَرًا)، وغلبت عليه شهوته، واستولى عليه سلطانه، فتبجّح (مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً)، وتمادى في غيِّه وطُغيانه؛ حتى أنكر قيام الساعة (وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً).
ألم يقل سبحانه (كَلا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى) (14) ويبلغ به العُجُبُ مبلغه؛ فيهتف مزهوّا: (وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنقَلَباً).
هذا هو صاحب الجنّتين، أعمته النُعمى فأنسته ذكر الله.. مغرور.. مُتكبّر.. ظالم.. يُكذّب بيوم الدين.. تغرّه الأماني.. مُشرك.. مُثلهُ وقِيَمُه الثروة، والجاه، والولد.
العيّنة الثانية: المؤمن المُعدَم
هذا المؤمن الّذي تعرضه الآيات الآنفة الذِكر في قِبال صاحب الجنّتين، مُعدَم لا يملك ما يملكه صاحبه، بل ولا بعضه.. كلّ ما يملكه هو إيمانه فحسب، فأيّ الاثنين أعظم ملكاً؟
احتجاجه الوحيد والكبير على صاحبه هو قوله: (إنْ تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً * فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ).
إيمان بالغيب حيال إغراق تامًّ في متاع الحياة الدنيا... وثقة مُطلقة بالله مقلّب الأحوال بإزاء نسيان كامل لمُسبّب الأسباب، وواهب الجنّتين.
العيّنتان وجهاً لوجه:
نظرةَ صاحب الجنّتين استعلائيّة، فلقد بدأ الحوار مع صاحبه مِن موقع الإحساس بالقوّة، والفوقيّة، والامتياز بسبب ما يملك مِن كثرة المال والأتباع؛ فكان خطابه معه ينطلق مِن محاولته لإخضاعه نفسيّاً بمواجهته بواقع الفارق الكبير بينهما، وتميّزه عنه (15).
أمّا موقف المؤمن المُعدَم، فموقف الإنسان الرسالي الّذي يستنكر على هذا الغني المزهوّ بغناه كُفره باليوم الآخر، ونسيانه الله (16)، ويُخاطبه بعزّة الإيمان لا ذلّة الفقر.
ذو الجنّتين يُنكِر المَعاد، ولا يؤمن بيوم الحساب، بينما صاحبه يؤمن أنّ الساعة آتية لا ريب فيها (فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّنْ جَنَّتِكَ).
ذو الجنّتين يظنّ أنّ مُلكه دائمٌ لا يَبلى (مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً)، فيما يرى صاحبه أنّ كلّ نعيم لا محالة زائل (... وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً *أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْراً فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً).
القيمة الكُبرى عند ذي الجنّتين الثراء، والرخاء، والرهط، أمّا صاحبه المؤمن الفقير فهو لا يعتبر الثراء قيمة كبيرة ترتفع بصاحبها في حساب القِيَم، ولا يرى فيه ضمانة قويّة للمُستقبل تبعث على الاطمئنان به والاستسلام له، بل الثقة بالله، والقوّة به، فهو مصدر القوّة في الوجود ومعطياته، وهو أساس الثِقة بالمُستقبل، كما كان أساس الثقة بالماضي (17).
صاحب الجنّتين نموذج للرجل الّذي تُذهله الثروة، وتُبطره النعمة؛ فينسى القوّة الكُبرى التي تُسيطر على أقدار الناس والحياة، ويحسب هذه النعمة خالدة لا تفنى، فلن تخذله القوّة ولا الجاه، وصاحبه نموذج للرجل المؤمن، المعتزّ بإيمانه، الذاكر لربّه، يرى النِعمة دليلاً على المُنعم، موجبة لحمده وذِكره، لا بُجحوده وكفره (18).

الهوامش:
(1) مِن وحي القرآن الحلقة (19) السيّد محمد حسين فضل الله.
(2) هود: 75.
(3) الميزان في تفسير القرآن: 23 العلاّمة الطباطبائي.
(4) في ظِلال القرآن: 7 سيّد قطب.
(5) في ظِلال القرآن: 4 سيّد قطب.
(6) في ظِلال القرآن: 4 سيّد قطب.
(7) البقرة: 124.
(8) الميزان في تفسير القرآن: 6 العلاّمة الطباطبائي.
(9) الميزان في تفسير القرآن: 6 العلاّمة الطباطبائي.
(10) مِن وحي القرآن الحلقة (8) السّيد محمد حسين فضل الله.
(11) الميزان 6: 318.
(12) في ظِلال القرآن: 2 سيّد قطب.
(13) نفس المصدر، ونفس الجزء.
(14) العَلَق: 6 7.
(15) الحوار في القرآن: محمد حسين فضل الله.
(16) نفس المصدر.
(17) نفس المصدر.
(18) في ظِلال القرآن: 5 سيّد قطب.

المصدر: مجلة رسالة القرآن، العدد السادس
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com