موقع الصراط ... الموضوع : التواضع-1
 
الأحد - 30 / رمضان / 1438 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  التواضع-1  
   
  كتب بتاريخ : الأحد - 15 / شوال / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
يقول أمير المؤمنين (ع): (ثلاثة يوجبن المحبة: الدّين، والتواضع، والسخاء)(1)
التواضع هو أحد العناصر الأساسية للشخصية الرسالية، ويقسم على قسمين، الثاني نابع من الأول:
1- التواضع لله تعالى: وهي حالة يستصغر فيها الإنسان ذاته، ويحتقر نفسه، ويشعر بالخشوع، والخضوع، والذلّة، والحقارة أمام الله، ينظر إلى عظمة الله سبحانه وتعالى فيرى الكمال، والجمال المطلق، والقدرة غير المتناهية، وينظر إلى نفسه فيراها محدودة، ومشروطة، وضعيفة، محدودة بحدود الزمان والمكان، ومشروطة بشروط إذا فقدت زالت عن الوجود، وانعدمت، وضعيفة (تؤلمها البقة، وتقتلها الشرقة، وتنتها العرقة...) فيتصاغر، ويزداد خشوعاً، وخضوعاً، ويستشعر العبودية الكاملة لله تعالى، فكلما ازداد الإنسان معرفةً بالله، وبصيرةً في نفسه ازداد عبوديةً لله تعالى، فاستصغر نفسه، وعبّدها لله تعالى، وذلّلها له تعالى فعن أبي عبد الله (ع): (استقبل رسول الله (ص) رجلاً من بني فهد وهو يضرب عبداً له، والعبد يقول: أعوذ بالله، فلم يقلع الرجل عنه، فلما أبصر العبد برسول الله (ص) قال: أعوذ بمحمد، فأقلع عنه الضرب، فقال رسول الله (ص): يتعوذ بالله فلا تعيذه؟ ويتعوذ بمحمد فتعيذه؟ والله أحق أن يجار عائذه من محمد، فقال الرجل: هو حُرٌّ لوجه الله، فقال رسول الله (ص): والذي بعثني بالحق نبياً لو لم تفعل لواقع وجهك حَر النار)(2)
فهنا نرى أن رسول الله (ص) رغم الكمال الذي بلغه فهو يستصغر نفسه ومكانته أمام عظمة الله، وبهذا التواضع لله عز وجلّ نال تلك الدرجة الرفيعة عند الله وعند خلقه.
يقول الإمام الصادق (ع): (أوحى الله عز وجلّ إلى موسى أن: يا موسى، أتدري لِمَ اصطفيتك بكلامي دون خلقي؟ قال: يا ربّ، ولِمَ ذلك؟ قال: فأوحى الله تبارك وتعالى إليه: أن يا موسى، إني قلبت عبادي ظهراً لبطن، فلم أجد فيهم أحداً أذل لي نفساً منك، يا موسى، إنك إذا صليت وضعت خدك على التراب - أو قال: على الأرض - )(3)
ولهذا ترى المتواضع لله تعالى مهما يقدم في سبيله تعالى، يبقى يشعر بأنه لم يقدم شيئاً، بل كلما قدم شيئاً، وعمل لله كثيراً، ازداد خشوعاً، وتواضعاً، وعبودية لله تعالى، وخوفاً منه. فهو (يعمل الأعمال الصالحة وهو على وجل)(4) خشية من الله عز وجلّ، واستصغاراً لأعماله، وخوفاً من عدم القبول.
ويقول المحدث المجلسي رحمه الله: (التواضع هو إظهار الخشوع، والخضوع، والذل، والافتقار إليه تعالى عند ملاحظة عظمته، وعند تجدد نِعَمه تعالى، أو تذكّرها؛ ولذا استحبت سجدة الشكر في هذه الأمة...)(5) و(التواضع تركُ التكبرِّ، والتذللُ لله، ولرسوله، ولأولي الأمر، وللمؤمنين، وعدم حب الرفعة والاستيلاء، وكل ذلك موجب للقرب، وإذا كان أحد الضدين موجباً للقرب كان الآخر موجباً للبعد)(6)
وأخيراً فالتواضع الحقيقي لله سبحانه وتعالى هو: الشعور بالاضمحلال والفناء والتلاشي أمام عظمة الذات الإلهية، حتى يعود العبد يشعر بأنه لا شيء، ولا يستحق أن يكون شيئاً؛ لتقصيره عن أداء حقوق الله سبحانه الذي أنعم عليه بنعمة الوجود والإيجاد، يقول العارف العظيم الإمام الخميني قدس سره بعد رسالة طويلة لولده أحمد: (هدفت مما ذكرته - لك رغم أني لا شيء بل أقل حتى من اللاشيء - ...)(7)
وقيل: (من يرى لنفسه قيمة فليس له من التواضع نصيب)(8)
ومن أروع صور التواضع لله سبحانه وتعالى والتصاغر له، والتذلل بين يديه ما جاء في دعاء أبي حمزة الثمالي للإمام زين العابدين (ع) حيث يقول مناجياً ربه: (سيدي أنا الصغير الذي ربيته، وأنا الجاهل الذي علمته، وأنا الضال الذي هديته، وأنا الوضيع الذي رفعته، وأنا الخائف الذي آمنته، والجائع الذي أشبعته، والعطشان الذي أرويته، والعاري الذي كسوته، والفقير الذي أغنيته، والضعيف الذي قوّيته، والذليل الذي أعززته، والسقيم الذي شفيته، والسائل الذي أعطيته والمذنب الذي سترته، والخاطئ الذي أقلته، وأنا القليل الذي كثرته، والمستضعف الذي نصرته، وأنا الطريد الذي آويته)
وفي دعاء كميل يقول أمير المؤمنين (ع): (وقد أتيتك يا إلهي بعد تقصيري وإسرافي على نفسي، معتذراً، نادماً، منكسراً، مستقيلاً، مستغفراً، منيباً، مقراً، مذعناً معترفاً، لا أجد مفراً مما كان مني، ولا مفزعاً أتوجه إليه في أمري غير قبولك عذري، وإدخالك إيّاي في سعة رحمتك)
وبهذا التواضع - خلافاً للإعجاب بالنفس الذي يجعل الإنسان يشعر بأنه وصل نقطة الكمال - يستشعر الإنسان بالقصور والتقصير بين يدي الله سبحانه وتعالى مهما بلغ من درجات الكمال؛ ولهذا نرى أن المعصوم يستشعر بالتقصير وهو في دائرة العصمة، ومن هنا قال سيد العابدين والشاكرين (ص): (لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك) وقال (ص): (ما عبدناك حق عبادتك، وما عرفناك حق معرفتك)(9) بل كان أهل بيت العصمة صلوات الله عليهم يأمرون بأن يبقى المؤمن شاعراً بالتقصير، ولا يخرج نفسه عن حده، يقول الإمام أبو الحسن الكاظم (ع): (عليك بالجدّ ولا تخرجنَّ نفسك من حد التقصير في عبادة الله وطاعته، فإن الله تعالى لا يعبد حق عبادته)(10) ؛ لأن هذا الشعور يدفع الإنسان إلى سد هذا النقص، ويضعه على سُلَّم التكامل؛ ليواصل الجد لنيل مراتب أعلى في طاعة الله سبحانه وتعالى وفيوضاته، وبذلك يكون التواضع قوة تحريك وتصعيد للإنسان للعروج في سلم الكمال...
2 - التواضع للمؤمنين: وهو ثمرة من ثمرات التواضع لله سبحانه وتعالى فإن الإيمان إذا حل في النفس كشف عنها ظلمات الذاتية والأنانية، فإذا انكشفت تلك الظلمات أصبح الإنسان متحرراً من قيود وأغلال الأنا التي تقوقع الإنسان، وتحبسه في صندوق مظلم يبقى يدور فيه من نفسه إلى نفسه، يقول سيد العارفين في هذا العصر الإمام الخميني قدس سره: (نحن أيضاً ما زلنا في حجاب النفس والأنانية، فنحن شيْطانيّون محجوبون مطرودون من محضر الرحمن، وما أصعب تحطيم هذا الصنم الذي يعد (أم الأصنام) فنحن ما دمنا خاضعين له، مطيعين لأوامره، فنحن غير خاضعين لله جلَّ وعلا غير طائعين لأوامره؛ وما لم يُحطَّم هذا الصنم، فإن الحجب الظلمانية لن تتمزق ولن تُزال)(11)
فإذا تحطم صنم الأنا، انفتح أُفق الإنسان، وصار ينظر بعيداً، ويعرف حجمه وحقيقة وجوده، ودوره في الحياة، حينئذ ينظر إلى الآخرين بعين الاحترام والتوقير فلا يتطاول على أحد، بل يعد كل من يلتقيه من المؤمنين أفضل منه فإن كان (أكبر منه قال: سبقني بالإيمان والعمل الصالح، وإن كان أصغر منه قال: سبقته بالمعاصي والذنوب، وإن كان تِرْبهُ قال: أنا على يقين من ذنبي، وفي شك من ذنبه، فما لي أدع يقيني لشكي)(12) فالجميع إذن أفضل مني؛ ولهذا قيل: (التواضع أن تخرج من منزلك، ولا تلقى مسلماً إلا رأيت له عليك فضلاً)(13)
وسئل أحدهم: متى يكون الإنسان متواضعاً؟ قال: (إذا لم يرَ لنفسه مقاماً، ولا حالاً، وتواضع كل إنسان على قدر معرفته بربه عز وجل ومعرفته بنفسه)(14)
وسئل الفضيل بن عياض عن التواضع: ما هو؟ فقال: (أن تخضع للحق، وتنقاد له، ولو سمعته من صبي قبلته، ولو سمعته من أجهل الناس قبلته)(15)
فالتواضع إذن هو: تجاوز الذاتية والأنانية، والعبور منها إلى الغيريّة، بعبارة الأخرى: هو الضغط على العواطف الذاتية بتقديم الغير على النفس، والشعور بأن الغير أفضل منه لسبب من الأسباب، وهذا لا يحصل إلا عند أصحاب النفوس الزكية المطهرة من الأدران، ومن ذمائم الأخلاق، وأصحاب العقول الراحجة يقول أمير المؤمنين (ع):
(ما نَقَّصَ نفسَهُ إلا كاملٌ)
(ما حَقَّر نفسه إلا عاقلٌ)
(ما تواضع إلا رفيعٌ)
(كفى بالمرء فضيلة أن يُنَقِّصَ نفسهُ)
(وجيهُ الناسِ من تواضع مع رِفْعَةٍ، وذَلَّ مع منعة)(16)

الهوامش:
(1) الآمدي، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم: 250 .
(2) المحدث المجلسي، بحار الأنوار: 16/282 .
(3) ثقة الإسلام الكليني، الأصول من الكافي: 2/123 .
(4) نهج البلاغة خطبة: 193 .
(5) المحدث المجلسي، بحار الأنوار: 75/126 .
(6) المصدر نفسه: 132 .
(7) الإمام الخميني، موعد اللقاء: 78 .
(8) الغزالي، إحياء علوم الدين: 3/342 .
(9) المحدث المجلسي، بحار الأنوار: 71/23 .
(10) الشيخ الطوسي، الأمالي: 331 .
(11) الإمام الخميني، موعد اللقاء: 83 .
(12) اقتباس لمعنى حديث للإمام زين العابدين (ع).
(13) الغزالي، إحياء علوم الدين: 3/342 .
(14) المصدر نفسه: 343 .
(15) المصدر نفسه: 342.
(16) الآمدي، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم: 249، ح/5152-5153-5154-5150-5155 .
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com