موقع الصراط ... الموضوع : موقف الإسلام من الحكم والسيادة-1
 
الجمعة - 9 / صفر / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  موقف الإسلام من الحكم والسيادة-1  
   
  كتب بتاريخ : الإثنين - 16 / شوال / 1433 هـ
     
  بقلم: الشيخ محمد علي التسخيري
jameel يستدعي بسط الحديث إلى حد ما في موضوع الإسلام والحكم مراجعة بعض الأقوال الشاذة التي نفت أن يكون الإسلام قد جاء يرسي نظاماً للحكم، ثم التعقيب عليها بالنظرة المخالفة وبيان الحق والواقع.
ولعل (علي عبد الرازق) مؤلف كتاب (الإسلام وأصول الحكم) هو الذي أثار هذه الضجة، وإن كنا نستطيع أن نجد ثمة من أيّده كخالد محمد خالد وبعض الكتّاب والمستشرقين أيضاً. وتتلخص نظريته في أن الإسلام لم يخطط نظاماً ـ ولو بنحو المبادئ العامة للنظام ـ في مجالات الحكم، وانه ليس إلا دعوة دينية خالصة لا تشوبها نزعة ملك ولا دعوة لدولة، وإذا كان الرسول (ص) زعيماً فليست زعامته زعامة حكم وسلطان، بل هي زعامة دينية لا ربط لها بالزعامة السياسية.
وقد استند في نفيه هذا لتخطيط الإسلام للحكم إلى الأمور التالية:
أولاً: القرآن:
كما في قوله تعالى: (وما أرسلناك عليهم وكيلاً)(١) و(إن عليك إلا البلاغ)(٢) (وما أرسلناك إلا مبشراً ونذيراً)(3) و(فذكّر إنما أنت مذكّر، لست عليهم بمصيطر)(4).
وخلاصة الاستدلال: إن من لم يكن مسيطراً ولا وكيلا وإنما هو مجرد مبلّغ ومبشر ونذير ليس حاكماً أيضاً(5).
ثانياً: السنة الشريفة:
ويستند فيها إلى أحاديث ووقائع من مثل ما يلي:
أ- (هوّن عليك فإني لست بملك، ولا جبار، وانما انا ابن امرأة من قريش تأكل القديد بمكة).
ب ـ قول الرسول (ص): (أنتم أعلم بشؤون دنياكم).
ثالثاً: الدليل العقلي:
ويتلخّص في ادعاءات ثلاثة:
أ ـ من المعقول أن ينظم العالم في وحدة دينية، ولكن ليس من المعقول أن ينظم العالم في حكومة واحدة، فذلك يوشك أن يكون خارجاً عن الطبيعة البشرية.
ب ـ مسألة الحكم غرض دنيوي خلى الله بينها وبين عقولنا.
ج ـ دولة الرسول خلت من كثير من أركان الدولة.
وهو يقول: (ولماذا لم يتحدث إلى رعيته في نظام الملك وفي قواعد الشورى، ولماذا ترك العلماء في حيرة واضطراب من أمر النظام الحكومي في زمنه)(6)
هذا وقد نقل عبد الحميد متولّي بعض الاستنادات الأخرى لبعض العلماء والمحدثين تدعيماً لوجهة النظر هذه وهي:
أولاً: إن المؤسس الحقيقي للدولة الإسلامية هو أبو بكر.
ثانياً: إن الدين حقائق ثابتة لا تتغير، والدولة نظام متغير.
ثالثاً: فشل الحكومات الدينية واستبدادها وعدم القبول للتطوير و(القوة تحتل من طبيعة الحكومة الدينية مساحة واسعة، وهي تستمد تبرير قسوتها وبطشها من نفس الغموض الذي تستمد منه سلطتها) كما يقول خالد محمد خالد في كتاب (من هنا نبدأ).
دوافع القول بهذه النظرية:
يختلف الباحثون حول دوافع القول بهذه النظرية، فبينما يعتبرها بعضهم نظرية قائمة على البحث النزيه، يرى بعض آخر أنها جزء من مخططات الاستعمار. ولكن الأستاذ متولي يرى أن الطرفين جانبا الحق، وان الدوافع تكمن في ما يلي بتلخيص:
1- إن علي عبد الرازق كان يريد أن يثبت هدفه الأساس، وهو أن الخلافة ليست أصلاً من أصول الحكم في الإسلام، وذلك ليضرب به هدف الملك فؤاد ـ ملك مصر ـ الذي أراد الاحتلال البريطاني أن يجعله خليفة للمسلمين، بعد أن قام أتاتورك بعزل الخليفة العثماني، وإقامة النظام الجمهوري في تركيا.
2- خشية بعضهم من إن يسيطر الفقهاء على شؤون الدولة ويبثوا روح الجمود فيها وهو ما أصيب به الفقه الإسلامي بعد سد باب الاجتهاد.
وقد ناقشه بقوله (ولقد فات أصحاب هذا الرأي إنه كان مما لا يمكن إنكاره أن الأخذ بالرأي الآخر (القائل بان الإسلام دين ودولة) مما يؤدي بلا ريب إلى الإعلاء من مقام رجال الفقه الإسلامي، فليس من شأنه أن يؤدي حتماً إلى أن يكون رجال الفقه أو الدين من الحكّام، فلم يكن هذا هو الشأن حتى في صدر الإسلام. فمعاوية ويزيد وعمرو بن العاص (وكثير غيرهم من رجال الحكم في ذلك العهد) لم يكونوا من علماء الفقه والدين).
٣ ـ التأثر بالفكرة الغربية القائلة بـ (فصل الدين عن الدولة).
ويمكننا أن نكوّن الرأي الحق بملاحظة نقاط ثلاث:
النقطة الأولى:
إن النظر المنصف إلى الإسلام ونصوصه وتاريخه وضروراته لا يدع مجالاً للمكابرة في أنه يجعل مسألة الحكم في عداد أهم المسائل التي يعالجها ويضع مبادئها فلنلاحظ هذا بشيء من التفصيل:
أ- طبيعة الإسلام:
إذا تصفحنا خصائص الإسلام عرفنا أن أهم الخصائص وأبعدها غوراً في وجوده هي الواقعية؛ فالإسلام دين واقعي ينسجم مع الفطرة الإنسانية والواقع التكويني الذي يعيشه الإنسان، ولا يتناقض مع نفسه ومع هدفه مطلقاً، وهذه الواقعية هي التي تفرض أن يهتم الإسلام بمسألة الحكم تمام الاهتمام وذلك:
أولاً: لأن الإسلام جاء ديناً شاملاً لكل نواحي الحياة الإنسانية، مخططاً لكل سلوك، ومعيناً لكل نظام، وليس هناك في حياة الإنسان سلوك ولا فرضية لا يدخل تحت نظام خاص وحكم معين. وهذا ما نستكشفه من سعي الإسلام لإعطاء رأيه في كل مجال، والروايات تؤكد هذا المبدأ، مثل:
١- الرواية الصحيحة التي رواها الكليني في الكافي عن علي بن ابراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن حماد:
قال: سمعته - أي أبا عبد الله الصادق (ع) - يقول: (ما من شيء إلا وفيه كتاب أو سنة)(7)
وما رواه الكليني في الكافي أيضاً عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن عاصم بن حميد، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر الباقر (ع) قال: (خطب رسول الله (ص) في حجة الوداع فقال: يا أيها الناس، والله ما من شيء يقرّبكم من الجنة ويباعدكم من النار إلا قد أمرتكم به، وما من شيء يقربكم من النار ويباعدكم من الجنة إلا قد نهيتكم عنه).
والرواية صحيحة أيضاً، وغيرهما من الروايات التي تؤكد رأي الإسلام حتى في (ارش الخدش).
ولعل وجود مفهومي (الحلال والحرام) اللذين لا يخرج عنهما أي فعل أكبر دليل يوضح أن الإسلام أعطى رأيه بالعموم أو بالخصوص في كل سلوك إنساني، وعيّن مذاهبه السياسية والاقتصادية والتربوية وغيرها، وأقام نظمه فيها على أساس من مذاهبه العامة. ولا يمكن مع هذا أن نفترض الإسلام غافلاً عن مسألة الحكم، أو تاركاً إياها للظروف والتطورات والتقلبات التي تفرض نفسها على المجتمع الإسلامي، وتحكمه وتفرض سيطرتها عليه، دون أن تستمد منه ولايتها ومبادئها العامة على الأقل.
ثانياً: فإنّا حتى لو غضضنا النظر عن مسألة الشمول التي اقتضتها الواقعية الإسلامية، نجد أن الإسلام أعطى الأمة - بلا ريب - نظاماً اقتصادياً كاملاً يقوم على مذهب محدد، كما أعطاها نظاماً للعقوبات، وآخر للشؤون الشخصية، ورابعاً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك، وكل هذه النظم يمتلك الحكم فيها مساحة مهمة بحيث لا يتصور قيام كل منها - كنظام - إلا بافتراض وجود الدولة الإسلامية التي تحتل ذلك الموقع وتسير على هدى الإسلام وتعيينه لوظيفتها.
يقول محمد المبارك: (إن مجموع هذه الأحكام الجنائية والمالية والدولية والدستورية لا يمكن أن يعقل إيرادها والالتزام بها التزاماً يعتقد المؤمن بالإسلام بوجوبه والإثم بتركه إلا إذا كان القرآن يفرض على المسلمين تنظيم الحكم وإقامة الدولة.
ولا يعقل أن يقدم الإسلام في قرآنه هذه الأحكام لدولة لا تؤمن به أو لا تقوم على أساس عقيدته ومبادئه، ولا يقول بهذا إلا من فقد رشده أو غالط نفسه أو قصد المراوغة والخداع)(8)
والطريف أن نجد (جان جاك روسو) يسوّغ رفضه للدين العالمي الذي يتدخل في الشؤون المدنية بأن ذلك يؤدي إلى الاعتراف برئيسين وسلطانين وقانونين، وهو ما لا ريب في سخفه وعدم إمكانه فيقول: (قد ينقسم الدين على ضوء علاقته بالمجتمع ـ التي تكون إما علاقة عامة وإما خاصة - إلى نوعين: وهما دين الإنسان ودين المواطن.
الأول: وهو بلا معابد ولا هياكل ولا طقوس، مقتصر على العبادة الداخلية المحضة لله الأعلى، وعلى الواجبات الأخلاقية الأبدية، يكون دين الإنجيل النقي والبسيط، التوحيد الحقيقي وهو ما يمكن أن نسميه القانون الإلهي الطبيعي.
الثاني: وهو مدّون في بلد وحيد يمنحه آلهته وشفعاءه الخاصين وحماته، وله عقائده وطقوسه وعبادته الخارجية المفروضة بالقوانين، وفيما عدا الأمة التي تعتنقه يكون كل إنسان بالنسبة له كافراً أجنبياً، بربرياً، وهو لا يحدد واجبات الإنسان وحقوقه خارج حدود هياكله. كانت هذه هي أديان الشعوب الأولى جميعها التي يمكن أن نطلق عليها اسم القانون الإلهي المدني أو الوضعي.
ثمة نوع ثالث من الأديان أكثر غرابة، إذ أنه بتقديمه للبشر تشريعين ووطنين يخضعهم لواجبات متناقضة، ويمنعهم من أن يكونوا في آن واحد مؤمنين ومواطنين. ذلك هو دين اللاميين، ودين اليانيين والمسيحية الرومانية، ويمكن تسمية هذا الدين بدين الكاهن، وينشأ عنه نوع من القانون المختلط والانطوائي لا اسم له إطلاقاً.
وإذا ما نظرنا سياسياً إلى هذه الأنواع الثلاثة من الأديان وجدنا أنها تنطوي على أخطاء. فالثالث واضح كل الوضوح أنه سيئ، ومن العبث إضاعة الوقت في البرهان على ذلك، إذ أن كل ما يفرّق الوحدة الاجتماعية لا قيمة له، وجميع المؤسسات التي تضع الإنسان في تناقض مع نفسه لا قيمة لها)(9)
و(روسو) هنا ينظر للدين نظرة المشرع الوضعي المؤمن بالديموقراطية والنظام المدني وهو يحاسب الدين في ضوء خدمته لهذا النظام، فيقسم الدين إلى: دين روحاني عالمي لا ربط له بالحياة، وآخر إقليمي ذي هياكل وهو يسند القانون الوضعي، وثالث عالمي متدخل في شؤون الإنسان، ويرى أن الثالث واضح البطلان.
والواقع أن الدين العالمي المتدخل لو كان يعترف بقانونين وسلطانين ووطنين احدهما للدين والآخر للدولة، فما أبعده عن الواقع. ولكن الإسلام وهو الدين العالمي المنظم لشؤون الإنسان في ضوء علم وحكمة إلهيين واسعين لا يسمح بقيام نظام وسلطة أخرى إلى جنب سلطته وحكومته، وإلا ألقى الإنسان في تناقض مع نفسه كما فعلت المسيحية المحرّفة بتدخلها القليل في شؤون الإنسان واعترافها بالنظم المدنية.
إن الإسلام يعتبر نفسه هو الحاكم وهو المسيطر، وهو المطاع وهو الموجه لشؤون الحياة، كما ستأتي بعض النصوص في ذلك. وهو الذي يربط بين شؤون الدنيا والآخرة ربطاً تاماً حتى انه دعا لان تكون الحياة بمفهومها الواسع عبادة وقربةً إلى الله، فلا معنى للقول بعد ذلك بأن هذا من أمور الدنيا وذاك من أمور الآخرة، وهذا من أمور الدين وذلك من أمور الدولة والدنيا، وأمثال ذلك.
ثالثاً: إن القرآن والإسلام دعوة ثورية تربوية تريد أن تربي الإنسانية العابدة، وتلغي كل بذور الجاهلية في العقيدة والنظام والأخلاق والتقاليد وغيرها. والتربية تعني - أول ما تعني - مسك أزمّة الأمور، ثم وضع برنامج تربوي عام، وخلق التلاؤم بين مختلف نواحي الحياة ونظمها، خدمة لذلك الهدف التربوي العام الذي بيّنته الآية الكريمة (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)(10)، تحقيقاً لمدارج التكامل الإنساني.
ومن هنا يتغير هدف الحكومة في الإسلام، ويختلف عن أهداف الحكومة في المجتمعات الوضعية ـ كما قلناه ـ حيث ركزت على تحقيق رفاه المواطنين وراحتهم، في حين يطلب الإسلام من (الإمام) وهو عنوان الدولة الإسلامية أن يراقب تحولات المجتمع، ويسوقه نحو كماله في مختلف الجوانب، كما سيأتي مزيد توضيح لهذه النقطة.
رابعاً: إن طبيعة العقيدة الإسلامية تقضي أن تستمد الحكومة ولايتها وقدرتها ومبادئها من الإسلام، فأساس الإسلام هو التوحيد الخالص وولاية الله الحقيقية ومالكيته للكون والإنسان، ولن يملك أي إنسان ولاية على آخر، إلا أن يسمح الله له. وقد رأينا من قبل أن الحكومة بطبيعتها تحتاج إلى من يمنحها هذه الولاية، ووفقاً للعقيدة الإسلامية وأساسها التوحيدي الحنيف، لا يملك حتى الناس أنفسهم سلطة تولية الآخرين عليهم إلا بإذن الهي.
ومن هنا كان النبي (ص) أولى بالمؤمنين من أنفسهم،كما في حديث الغدير المتواتر، وكان الإمام طبقاً له أولى بالمؤمنين كما سيأتي.
هذا بيان موجز عن اقتضاء طبيعة الإسلام وواقعيته لأن يضع الإسلام أسس دولته الخالدة خلود رسالته.

الهوامش:
(1) سورة الإسراء ، الآية ٥٤.
(2) سورة الشورى، الآية ٤٨ .
(3) سورة الفرقان، الآية ٥٦.
(4) سورة الغاشية، الآية ٢١ ـ ٢٢.
(5) عبد الرازق ، علي ، الإسلام وأصول الحكم ، بيروت ، مكتبة الحياة ، ١٩٧٨، ص ٧١ ـ ٧٥. (6) المصدر نفسه، ص ٧٨.
(7) الكليني، الأصول من الكافي، طهران ، دار الكتب الإسلامية ، ص ٥٩، ح ٤.
(8) المبارك، محمد، نظام الإسلام .. الحكم والدولة ، ص ١٣.
(9) روسو، العقد الاجتماعي، ص ٢٠٦ ـ ٢٠٧.
(10) سورة الذاريات، الآية ٥٦.

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com