موقع الصراط ... الموضوع : معالم دور المرأة في التصور الإسلامي-1
 
الجمعة - 4 / شعبان / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  معالم دور المرأة في التصور الإسلامي-1  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 19 / شوال / 1433 هـ
     
  بقلم: عبد الرحمن العلوي
المرأة، أي مخلوق هي؟ وكيف يمكن التعامل معه؟ وهل هي كالرجل لها حقوق وشخصية وممارسات قائمة على أساس من الاستقلال والحرية أم أنها مخلوق خُلق لكي يعيش عبداً للرجل وتحت سطرته القاهرة، ولا حق له في الخروج عن إرادته، ولا يملك أدنى حرية في مناقشة آرائه وأفكاره؟
ما هي المرأة؟ كيف يجب أن تعيش؟ وكيف يجب أن تتحرك؟ وما هو الهدف الحقيقي الذي رسمه الله لها والذي يتناسب مع ما أودعه فيها من قوى وإمكانات واستعدادات طبيعية؟ وهل على المرأة أن تضرب تلك الاستعدادات عرض الجدار وتتمرد على فطرتها تحت شعار المساواة مع الرجل، أم أن عليها أن تمارس دورها على ضوء تلك الاستعدادات؟ وهل المرأة قد خُلقت للرجل، أم أن كلاً منهما قد خُلق للآخر؟ وما هو دور كل منهما في كيان الأسرة وفي الميدان الاجتماعي؟ وهل عليها أن تحافظ على نظام الأسرة أم تتمرد عليه؟ وماذا يعني ذلك؟ هذه وغيرها أسئلة قديمة وجديدة لازالت تطرح دائماً وأبداً، وقد ازداد التأكيد عليها في هذه الأيام سيما بعد الموجة الجديدة من الضغوط الموجهة بشكل أو بآخر نحو الموقف الإسلامي من المرأة وما يُصوّر من امتهان لحقوقها في الإسلام والدعوات الخبيثة الموجهة من خلال هذا المؤتمر النسوي أو ذاك إلى المرأة المسلمة ـ وتحت شعار حرية المرأة وغيرها من الشعارات ـ للانتفاض على صرح الأسرة وتهديم أسوار هذه القلعة العظيمة التي تحفظ للمرأة كرامتها ودورها الرباني المقدّس.
وسنحاول في هذا الجهد المتواضع أن نجيب على هذه الأسئلة ونرسم معالم دور المرأة ضمن الإطار الإسلامي ونحدد موقف الإسلام من هذا الكائن الذي يناصف الرجل في تحمل أعباء الحياة وشق عباب المسيرة الكادحة إلى الله.

المرأة قبل الإسلام:
وقبل أن ندخل إلى صلب الموضوع لا بد لنا أن نلقي نظرة سريعة وخاطفة على التعامل مع المرأة خلال الفترة التي سبقت الإسلام. (ففي الأمم غير المتمدنة كان للرجل أن يبيع المرأة لمن شاء ويهبها لمن يريد، وكان عليها أن تطيع الرجل - أباها وزوجها - في ما يأمر به طوعاً أو كرهاً وكان عليها أن لا تستقل عنه في أي أمر يرجع إليه أو إليها. وكان عليها أن تتحمل من الأشغال أشقها.. فالمرأة الحامل في بعض القبائل إذا وضعت حملها قامت من فورها إلى حوائج البيت ونام الرجل على فراشها أياماً يتمرض ويداوي نفسه)(1). والنساء في الهند (لا يحل لهن الزواج بعد توفي أزواجهن أبداً، بل إما أن يحرقن بالنار مع أجساد أزواجهن أو يعشن في حالة من الذلة والامتهان)(2)
أما عند الكلدانيين فالمرأة (محكوم عليها بتبعيتها لزوجها حتى أنّه يحق له إخراجها من البيت أو التزوج عليها لو أخلت بتلك التبعية.. وكان له أن يغرقها في الماء بتأييد من المحاكم لو أخطأت في تدبير شؤون البيت أو لجأت إلى التبذير أو الإسراف)(3). والمرأة عند الروم (وكانت طفيلية الوجود، زمام حياتها وإرادتها بيد رب البيت يفعل بها ما يشاء، فربما باعها أو وهبها أو أقرضها للتمتع.. وربما أعطاها في حق يراد استيفاؤه منه، وربما ساسها بقتل أو ضرب.. وعند الإغريق كانت تُعاقب بجميع جرائمها ولا تُثاب لحسناتها ولا يراعى جانبها، وكان الرجل منهم إذا عرف أنّه عقيم عمد إلى بعض أقاربه فأورده فراش أهله لتعلق منه فتلد ولداً يدعوه لنفسه)(4)
وفي مصر كانوا كلما قلت المياه في نهر النيل، زينوا فتاة وألقوها في الماء حتى تغرق اعتقاداً منهم أن ذلك سيزيد من مياهه. والمرأة في أفريقيا تعرض للبيع كقطعان الماشية، وما أكثر ما تُربط إلى المحراث لحرث الأرض.. ولا تتجاوز قيمتها عندهم بيضة دجاجة. فلو صادف أن سقطت سلة البيض من على رأسها حكم عليها بالإعدام.. وكانوا يقومون في مجالسهم وحفلاتهم بذبح الفتيات لإطعام الضيوف(5).
وفي استراليا كانت قطعان الماشية عندهم أفضل من النساء لأن الماشية تعطي صوفاً وحليباً وكان قتل المرأة عندهم ليس ذنباً كبيراً في حين يعد ضرب البقرة الحلوب ذنباً لا يُغتفر، وكانوا يقتلون المرأة ويأكلون لحمها في أيام المجاعة... وفي إيران لم يكن للمرأة أي قيمة حقوقية واجتماعية، فكانوا يتزوجون من المحارم حتى أن الرجل كان يتزوج بأخته وعمته وخالته. فبهرام جوبين الذي عاش في القرن الميلادي السادس تزوج بأخته، والسلطان الساساني يزدجرد الثاني قد زنى بأخته وقتلها(6).
والمرأة في التوراة المحرفة أمر من الموت، والرجل الصالح عند الله هو الرجل الذي لا امرأة له، وبين ألف رجل يوجد رجل صالح بينما لا توجد امرأة واحدة صالحة بين كافة نساء العالم... أما في المسيحية فقد جاء في رسالة بولص الأولى (ليس الرجل من المرأة، بل المرأة من الرجل) و(لم يخلق الرجل للمرأة، بل خلقت المرأة للرجل) و(لا أجيز تعليم المرأة أو تعلو على زوجها، بل أن تظل صامتة)(7).
وأما عرب الجاهلية فطالما استبدلوا النساء بالجِمال، وكان بعض القبائل العربية يرى من الخزي والعار أن يكون الإنسان امرأة أو تكون لديه امرأة. وعندما تريد المرأة أن تلد كان عليها أن تذهب إلى البيداء وتحفر حفرة لتضع مولودها عندها. فإذا كان ذكراً استُقبل بالزغاريد وهنّئ به أبوه. وإذا كان بنتاً دُفن في تلك الحفرة حياً(8). و(كانت العرب لا ترى للمرأة استقلالاً في الحياة ولا حرمة، وتجوز تعدد الزوجات من غير تحديد، وكانت تتشاءم من البنت وتعدها عاراً.. وكان الرجل منهم يسره الابن مهما كثر حتى أنهم كانوا يتبنون الولد لزنا محصنة ارتكبوه، وربما نازع رجال من صناديدهم في ولد ادّعاه كل لنفسه)(9).

حقوق المرأة في الغرب:
قبل الدعوات المطالبة بحقوق المرأة في الغرب، انطلقت الدعوات التي تطالب بحقوق الإنسان كإنسان. فقد كان الإنسان بشكل عام مضطهد في الغرب، ولم يكن هناك أدنى اعتراف به، بل كانت الشعوب الغربية مجرد آلات وبيادق شطرنج يتحكم فيها الامبراطور أو الملك كيف يشاء، فكانوا يعانون من اضطهاد فـظيع يتعارض مع أبسط الحقوق الإنسانيّة.
وظهرت أُولى الهمسات المطالبة بحقوق الإنسان الأوربي خلال القرن السابع عشر، وانطلقت تلك الهمسات من حناجر بعض المفكرين أمثال جان جاك روسو وفولتير ومونتسكيو حيث تحدثوا عن الحقوق الفطرية والطبيعية للإنسان والتي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تُسلب منه مهما كانت المبررات.
ونجم عن تلك الدعوات صراع طويل في بريطانيا مثلاً بين الحكومة والشعب تمخض عنها حصول الشعب على بعض الحقوق الاجتماعية والسياسية عام 1688م.
وفي عام 1776م عُقد في فيلادلفيا بالولايات المتحدة مؤتمر حول حقوق الإنسان جاء فيه (إن كافة الناس متساوون في الخلق، وقد فوّض الخالق لكل مخلوق حقوقاً ثابتة لا تتغير، كحق الحياة وحق الحرية، كما أن الغاية من تشكيل الحكومات هي حفظ تلك الحقوق، وأن قوّة الحكـومة ونفوذ كلمتها منـوط برضا الشعب...)(10). وفي القرن التاسع عشر طرأت تحولات وأفكار جديدة على صعيد حقوق الإنسان في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية أدت بمجملها إلى ظهور الاشتراكية وضرورة تحقيق بعض الامتيازات للطبقة الكادحة ونقل السلطة إلى أيدي الطبقة العاملة.
وفي مطلع القرن العشرين طرح لأول مرة بالغرب شعار (حقوق المرأة)، حتى أننا نجد انجلترا التي تُعدّ أقدم بلد ديمقراطي لم تقل بحقوق للمرأة متساوية مع الرجل إلاّ في مطلع هذا القرن. كما أن الولايات المتحدة ورغم اعترافها بحقوق الإنسان العامة عند إعلان استقلالها في القرن الثامن عشر، إلاّ أنها لم تصادق على مساواة المرأة للرجل في الحقوق السياسية إلاّ في عام 1920م.
وفي أعقاب ذلك ظهرت فئات وحركات عديدة في القرن العشرين وفي أنحاء مختلفة من العالم أخذت تدعو بمجملها إلى أحداث تحول عميق في العلاقة بين الرجل والمرأة من حيث الحقوق والامتيازات. وهناك اعتقاد لدى هؤلاء بأن أي تحول وتغير في العلاقة بين الأمم والأجهزة الحاكمة، وبين الطبقة العاملة وأرباب العمل، هذا التحول لن يكون قادراً على استيعاب معنى العدالة الاجتماعية ما لم يطرأ تطور على العلاقة الحقوقية بين الرجل والمرأة. وقد أُشير إلى التساوى في الحقوق بين الرجل والمرأة لأول مرة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عن منظمة الأمم المتحدة عام 1948م(11).
ولكن هل استطاع الفهم الغربي لحقوق الإنسان بشكل عام ولحقوق المرأة على وجه الخصوص أن يمنح المرأة حقوقها بشكل كامل ويتعامل مع المرأة بالشكل الصحيح بما يتناسب مع فطرتها وبنائها الطبيعي وبما يحفظ لها كرامتها وشرفها ويحافظ على ما اختار الله تعالى لها من دور على هذا الكوكب؟
ستتضح صورة الإجابة عن هذه التساؤلات في الموضوعات اللاّحقة، ولكننا نؤكد هنا حقيقة أن الفلسفة الغربية قد هبطت بالإنسان ولم تأخذ بعين الاعتبار سوى الجزء المادي منه. أو بعبارة أصح أنها أخذت تنظر إلى الإنسان بعين واحدة، بعين المادة فقط، وأخذت تتعامل معه تعاملاً مادياً صرفاً لاغيةً بذلك الجانب الأهم في حياة الإنسان وهو جانب الروح والمعنويات. ولهذا ترى بعض الفلسفات الغربية أن الإنسان ليس إلاّ آلة تحركها المصلحة الاقتصادية فحسب، وما الدين والأخلاق والعلم والأدب والفن إلاّ بناءات فوقية أساسها أسلوب الإنتاج وتوزيع الثروة. في حين يرى آخرون أن الدافع الرئيسي وراء حركة الإنسان وكافة نشاطاته هي العوامل الجنسية، وما الأخلاق والدين وغيرهما إلاّ مظاهر لذلك العامل الجنسي(12).
وفي ظل مثل هذا الفهم المادي لحركة الحياة والإلغاء الكامل للجانب المعنوي من حياة الإنسان ذلك الإلغاء الذي يجعل من مفاهيم الخير والشر مفاهيم نسبية، فكيف نتوقع أن تكون حقوق الإنسان هناك على الصعيد العملي - رجلاً وامرأة - وهل من الممكن أن نجد انسجاماً بين حال الإنسان الواقعي واللاّئحة التي تتحدث عن حقوقه المشروعة؟

الهوامش:
(1) الميزان في تفسير القرآن، محمد حسين الطباطبائي، ج2، ص262.
(2) نفس المصدر، ص264.
(3) نفس المصدر، ص264.
(4) نفس المصدر، ص265، 266.
(5) مكانة المرأة فى الإسلام مصطفى القوجاني، ص7، 8 .
(6) نفس المصدر، ص9.
(7) نفس المصدر، ص10، 11.
(8) نفس المصدر، ص12.
(9) الميزان، ج2، ص265.
(10) نظام حقوق المرأة في الإسلام مرتضى المطهري ص127.
(11) نفس المصدر، ص128.
(12) نفس المصدر ص134.

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com