موقع الصراط ... الموضوع : الرمز الحسيني في الشعر الإسلامي المعاصر
 
الأربعاء - 17 / جمادي الأول / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الرمز الحسيني في الشعر الإسلامي المعاصر  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 19 / شوال / 1433 هـ
     
  بقلم الدكتور شلتاغ عبود
khashin قراءة نقدية تحليلية في نماذج من شعر بعض الشعراء ذوي الاتجاه الإسلامي في المرحلة المتأخرة من العقود الثلاثة الأخيرة ومدَيات تجربة هؤلاء الشعراء في التعامل مع الشخصية الحسينية تعاملاً رمزيًا، وتوظيفها للحدث الحسيني بمستويات مختلفة، على أنها لم تبلغ بالشخصية الحسينية درجة القناع أو النموذج الذي يعبر فيه من خلال القصيدة كاملاً، لينسحب الشاعر بلغته الذاتية وأناه ويترك الشخصية القناع تتحدث بموضوعية رغم ما استخدمه من أدوات تبرز مرة وتخفى أخرى.

ليس في النّية الحديث عن الإمام الحسين عليه السلام وشخصيته وأبعاد ثورته في الشعر العربي الحديث، فهو موضوع أبعد من أن تفي به صفحات بحث قصير([1])، كما إنّه ليس في النية الحديث عن الإمام في مراحل الشعر في العصر الحديث في إحيائية ورومانسية وشعر تفعيلة لدى الشعراء العرب أو العراقيين خاصة، بل سيكون الحديث مخصصًا في نقطتين اثنتين:
أولاً: لدى الشعراء ذوي الاتجاه الإسلامي في المرحلة المتأخرة من العقود الثلاثة الأخيرة وهي مرحلة الوعي الإسلامي الخاص والصحوة الإسلامية المتوقدة التي حمل فيها الشاعر الإسلامي الملتزم العقيدة الإسلامية مبدأ ونظامًا وحلّا حضاريًا شاملاً، وراح يبشّر به ويعمل له، ويضحّي من أجله.
ثانيًا: والحديث سيكون عند جانب واحد من تجربة هؤلاء الشعراء وهو التعامل مع الشخصية الحسينية تعاملاً رمزيًا.
وقبل الحديث عن طريقة تعامل الشعراء الشباب الإسلاميين مع الشخصية الحسينية رمزّيًا، لا بد من التعرف على طرق الشعراء الذين سبقوهم في التعامل مع هذه الشخصية.

التعبير عن الشخصية:
ويتم بهذه الطريقة سرد أحداث الشخصية ونظمها نظمًا تقريريًا([2]). فالشخصية الحسينية موصوفة وُمتحَّدث عنها وعن أحداث المعركة التي خاضتها وعن الأبطال الذين شاركوا فيها، وعن الضحايا والنساء والأطفال الذين شهدوها. وقد كان هذا الطابع العام للشعر الحسيني الذي كتب في القرن الماضي بل في كثير من الشعر الذي كتب في النصف الأول من هذا القرن. وهو شعر، في الغالب منه، لا تجد فيه توظيفًا للحدث الحسيني لعلاج مشكلات العصر ومظالم العصر، إلا بطريقة يستوحيها القارئ استيحاءً تجد هذا مثلاً في ملحمة الشيخ عبد المنعم الفرطوسي التي بلغت خمسًا وعشرين ألف بيت، فهي على عظم الجهد الذي بذله الشاعر لا تتعدّى كونها تاريخًا منظومًا للأحداث التي مرّ بها أهل البيت عليهم السلام ومواقفهم في هذه الأحداث، ويهمنا من هذه الملحمة الجزء الثالث الذي وقف في جانبٍ منه عند الإمام الحسين عليه السلام وصفاته، ومعركته في كربلاء، والمال الذي آل إليه عياله بعد الفاجعة. يقول الشيخ الفرطوسي في وصف مصرع الإمام عليه السلام:
فأتى الشمر لا رعى الله شمراً * شاهراً سيفه بغير اتقاء
وهو أقسى من الحجارة قلباً * حين يسطو من شدة الكبرياء
فارتقى صدره وحزَّ ضلالاً * منحريه بغلظة وجفاء
يا لهول المصاب هذا حسينٌ * وهو شلو مقطع الأعضاء ([3])
فنحن، على الرغم من تأثرنا وتوقد إحساسنا في قراءة هذا المشهد، ولكننا نراه مشهدًا محايدًا يصف جانبًا من أحداث كربلاء دون أن تكون للعصر الذي نعيشه سمة أو ملمح. وعلى هذا المنوال يسير أغلب الشعر الحسيني الذي يُلقى على منابر المجالس الحسينية التي يُراد فيها التذكير بالحدث الحسيني، وتحفيز المشاعر إزاء هذا الحدث.
هذه الطريقة (التعبير عن الشخصية) له وجه آخر إيجابي يختلف عن المنهج التقليدي، وهو الوجه الذي يوظّف الحدث الحسيني لمعانٍ سياسية واجتماعية معاصرة، ولكن بطريقة استنهاضية مباشرة تهدف إلى تغيير أحوال الأمة إلى الهدف الذي ثار من أجله الحسين عليه السلام، وهو تحكيم الإسلام في واقع الحياة. وسيادة الإسلام في أعراف المجتمع. ولهذا الاتجاه شعراؤه الكثر ونكتفي هنا بالإشارة إلى شعر الشيخ أحمد الوائلي في مثل قوله:
وضعناك بالأعناق حرزاً وإنما * خلقت لأن تُنضى حساماً وتُشْرَعُ
وصُغناك من دمع وتلك نفوسنا * نصورها، لا أنت، إنك أرفعُ
فإن شئت أن تحيا فألهم نفوسنا * لننهل من كأس شربتَ ونجرعُ([4])
وفيه ـ كما ترى ـ نقدٌ لاذع للطريقة التي يتعامل معها عامة الناس مع الحدث الحسيني، وفيه توجيه إلى المسار الذي سلكه الحسين عليه السلام، وهو مسار لمقارعة الظالمين ومسار الشهادة.
وفي هذا الشعر التوظيفي الذي فيه مسحة الحداثة والجدة ما نجده في قصائد السيد مصطفى جمال الدين في مثل قوله:
ذكراك، تنطفئ السنين وتغربُ * ولها على كف الخلود تَلّهبُ
لا الظلم يلوي من طماح ضرامها * أبداً ولا حقد الضمائر يحجب
ذكرى البطولة ليلها كنهارها * ضاحٍ تؤجّ به الدماء وتلْهَبُ
ذكرى العقيدة لم يَنُؤ متنٌ لها * بالحادثات، ولم يخنْها منكِبُ ([5])
ولكن هذا الشعر على الرغم من قربه من نفوس الناس وربطه بين الحدث الحسيني والحدث المعاصر لا يمكن أن يُدرج ضمن التوظيف الرمزي بل ولا حتى التوظيف الإشاري الذي نجده لدى شعراء المدرسة الاحيائية أمثال أحمد شوقي([6]). بل هو شعرٌ وصفي يتوفر فيه الشاعر على وصف الإمام أو وصف أحداث كربلاء، أو يربط بين الماضي والحاضر في قصيدة كاملة، أو جانب كبير من العقيدة، وغالبًا ما يتم هذا في إحياء مناسبة عاشوراء، ويكون في صورة رثاء، أو صورة استنهاض سياسي واجتماعي.

الشخصية الحسينية رمزاً:
لقد سبق الشعراءُ غير الإسلاميين الشعراءَ الإسلاميين في طريقة التعامل الذي لم يبلغه الشعراء الإسلاميون بعد خاصة في صورة رسم (النموذج) الموضوعي للشخصية، واعتبارها معادلاً لعواطف الشاعر ومشكلاته المعاصرة، نجد هذا لدى شعراء مثل حسب الشيخ جعفر، وأدونيس، وممدوح عدوان وغيرهم([7]) والحق أنهم يلتقون مع الإسلاميين في وجهة التوظيف في اغلب الأحيان، وان حاول بعضهم أن يسرق رموزًا إسلامية أخرى ويوظفها توظيفًا ماركسيًا مثل تعاملهم مع شخصية الإمام علي وأبي ذر الغفاري كما فعل مظفر النواب مثلاً.
ونود هنا أن نتتبع خطوتين من خطوات التعامل الرمزي مع الشخصية الحسينية لدى الشعراء الإسلاميين.
الأولى: التعامل الإشاري الجزئي:
وهو التعامل الذي يكون من خلال بيت شعري أو صورة شعرية جزئية، واضعًا الشخصية في سياق مُوحٍ مشعّ بالدلالة على معانٍ متعددة مرتبطة بأخلاق الإمام وصفاته وأهداف ثورته. نجد مثل هذا في شعر مدين الموسوي مخاطبًا سالكي منهج الحسين في الثورة والرفض: يا سالكاً درب الحسين * تخاف خطوتك الدروبُ
وتلوذ منها كالظلام * إذا هدى برقٌ رهيبُ
حشدوا لك العقباتِ * ظنّاً منكَ يغريكَ الهروبُ
خسؤوا لقد فتحوا لك الدنيا * فعدتَ بها تجوبُ ([8])
فالدرب الحسيني هنا درب واضح الأبعاد تلوذ منه دروب الاستكانة والذي كما يلوذ الظلام من البرق الرهيب! وهو الدرب الذي يتجاوز معه سالكه كل الصعاب ويقتحم كل المشقات. ولكنها لا تشكل جانبًا في العقيدة واسعًا أو تمحور العقيدة كلها حول دلالتها الرمزية.
نجد مثل هذا في شعر مصطفى محمد الغماري الذي يأخذ ملمحًا في ملامح الشخصية أو صفة من صفاتها وهي صفة الإباء والكبر على الطغاة، يفعل هذا حين يخاطب الشهيد السيد محمد باقر الصدر بـ(كبر الحسين):
غالتكَ يا كبرَ الحسين عصابةُ «البعثِ» الهجينْ([9]).
أو حين يقرن بين الرمزين على سبيل التضاد، رمز الإمام الحسين ورمز (يزيد) أو بني أمية عمومًا مشيرًا إلى السائد من توجهات الناس من الإعراض عن منهج الحسين والإقبال على (دنيا) يزيد:
كم تاجروا بدم الحسين * وقدسوا دنيا يزيد!!([10])
وقد يتمّ الرمز الجزئي عن طريق ذكر مسميات يستدعي ذكرها استحضار الشخصية الحسينية، مثل واقعة الطف أو كربلاء أو الإشارة إلى السيدة زينب أو استدعاء الشخصيات المجاهدة مع الإمام، وربما أورد الشعراء سيف الإمام أو مهره الجريح، ولكن هذا كله يتمّ عبر اللمحة الجزئية من العقيدة، ولا يشكل نسيجها الكلي، كما اشرنا، نجد شيئًا من هذا في شعر جواد جميل في قوله:
يا كِبَر الدماءْ
يا لونَ إعصارٍ يخطّ الجرحَ
في رمال كربلاءْ
إغضبْ فهذا موسمُ الطواف بالمآزر الحمراءْ!!([11])
فكر بلاء رمز الجراح والغضب والتضحيات، كما تتبدى في هذا المقطع الجزئي، وهي رمز معادل لشخصية الإمام نفسه وفي نموذج آخر نراه يقول:
هامتي تشمخ كالنخل العراقي وأطول
وأنا ما عدتُ أعزلْ
في عيوني غضبٌ يحفرُهُ
مهرٌ حسينيٌّ مُحجّلْ
كلما ألهبَه سوطُك أضحى ليَ أجملْ!!([12])
فالمهر الحسيني رمز مفعم بالإيحاء من خلال السياق الثائر الذي وضعه الشاعر فيه، حتى اقترن المهر بالغضب، وأحلّ احدهما بالآخر، ولقد أعطت الصفة (محجّل) لهذا المهر سمة من التميز والجلال والهيبة.
إنّ هذه الصورة الجزئية يمكن اعتبارها مرحلة أولى وهامة من مراحل الانتقال بالشخصية الحسينية من التعبير عنها إلى التعبير بها عن معانٍ وأحاسيس معاصرة.
الثانية: وهي الصورة التي يُعبّر الشاعر فيها بالشخصية أو من خلالها عما يريد في دلالات، ولم تعد مثل الحديث عن الشخصية إيغالاً بالتاريخ بل إحساسًا بالهموم التي تحاصر إنسان اليوم وبالضغوط التي تأخذ بخناقه وتسد عليه المسارب، وهذا إما هارب أمامها، أو مواجه لها وروحه بين كفيه...
فالحسين في هذه الصورة الرمزية يرحل إليها، يعيش بيننا، ويستشهد بين أيدينا، وتكون لنا ثمة مواقف متعددة، فمنا العباس وعلي الأكبر، ومنا زهير بن القين وحبيب بن مظاهر، ومنا الحر بن يزيد الرياحي... ومنا كذلك يزيد، ومنا الشمر، ومنا عبيد الله بن زياد...
ولم يكن الشاعر راحلاً إلى الحدث الحسيني وحده، بل جعل الحدث الحسيني يرحل إلى القرن العشرين ويحضر في صراعه ممثلاً في ورثة الحسين عليه السلام وعشاق دربه.
ومثل ذلك فعل مصطفى الغماري في قوله:
تعالوا..
فما زال دمعُ القرونْ
وما زال غدرُ القرونْ
وسيفُ (عليٍ)
وزيفُ (أميّهْ)
وما زال في الدرب وردُ (الحسينْ)
وشوكٌ تعهَّده (ابنُ سميّهْ)!!([13]).
فلم يكن حديث الغماري عن الإمام الحسين عليه السلام لذاته، بل عن أيام الناس هذه التي ظهر فيها ألف حسين وألف يزيد ولعل كلمة (ما زال) هي التي أحدثت النقلة من الماضي إلى الحاضر، وجعلت الشاعر يعبّر بالشخصية عن عصره، ولم يرحل إلى الشخصية ليعبّر عنها وعن عصرها.
ومن التعبير اللافت ما يختصر ظاهرة أو سيرة حياة أو ملمحًا من ملامح التعريف الذاتي للشخصية على طريقة اللافتة الشعرية وما تستبطن من دلالات وإيحاءات في الشعر المعاصر، يقول فرات الأسدي في قصيدة عنوانها (بطاقة شخصيّة):
على ضفّةِ العطشِ (الكربلائيِّ)،
يومًا وُلِدْتُ،
وتحت لَهاتيَ طينُ الفراتْ
وبينَ جفونيْ العصافيرُ نائمةً،
والنخيلُ تهدهدها،
والصبايا تصوغُ لها الأغنياتْ.
وُلدِتُ،
وكفّيَ مقبوضةٌ لستُ أفتحُها..
ولحظةَ فكّوا أناملها
وجدوا: الحزنَ والجُرحَ،
ـ خبَّأتُ ـ
والشعرَ والكلماتْ..
فقبَّلني والدي في جبيني،
وكبَّر في أُذنيَّ، وقالَ لأميَ:
هذا وليدُ الشتاتْ!([14])
ولم يكن حديث الأسدي أيضًا عن الإمام الحسين عليه السلام لذاته بل عن عمق ارتباط ثلاثية المكان والزمان والإنسان في الرمز الحسيني، واسقاطها على مفردة الولادة وما يكتنفها من ترقّب ورهبة وغموض وأمل، ومصير يحدّد مسار المولود وحياته يستدعي الماضي إلى الحاضر ويستحضر كربلاء وأجواءها في قضية الإمام الحسين عليه السلام ومضامينها الواسعة الممتدة، والرموز الضاربة العمق والدلالة.
ونتدرّج مع سبل التعبير بالشخصية الحسينية فنجد لدى الشاعر جواد جميل توظيفًا أكثر عمقًا واتقادًا وتوترًا، ففي قصيدته (أشياء مثل الدم) يسأل الجرح والدرب والمتعبين والقلب فيجيبه كل أولئك بما يفيد الإصرار على المضي في طريق العطاء والكدح والشهادة على الرغم من أن الطريق مازال كما كان زمن الحسين عليه السلام:
وأخبرني بأنّ الطف مازالت تُرضّ
على ثراه الأضلعُ الحمرا
وما زالت ملطّخةً هناك الأذرعُ البتْرا
ومازال الرضيعُ، يذوب من عطشٍ
فتمسح وجهَه (الحورا)
ومازال الحديدُ يئنّ، يُثقلُ مشيةَ الأسرى
وأخبرني بأن نَظما
وأخبرني بأن نَعرى
ولكنْ لم يقل: إنّ الجراحَ تُباعُ أو تُشرى!!([15])
فما زالت المذبحة قائمة، ومازالت نماذج في الأضلع الحمرا التي رُضّت في أرض كربلاء ونماذج من الرضّع الذين لم يجدوا حتى مثل الحوراء زينب التي كانت تمسح عن وجوه أيتام الحسين.. ومازال الحديد.. ولكنه ذو ثقل آخر خلف قضبان السجون وسراديب المعتقلات... كل هذا يحدث ولكن أنصار الحسين عليه السلام لم يفكروا لحظة في أن يغيّروا مسار الطريق أو يساوموا أو يبيعوا القضية بدريهمات (يزيد) أو وعيد (يزيد).. إنها ملحمة صراع جديدة تعتمد في رموزها على استيحاء الشخصية الحسينية لإلقاء الضوء على مشاهد أكثر رعبًا وقسوة، وأكثر تحديًا وشوقًا لعناق الموت!
إنّ هذه الصورة من التعامل مع الرمز لم تنظر إلى قضية الحسين عليه السلام المعاصرة على أنّها قضية بيئة معينة أو قضية مذهب من المذاهب الإسلامية، بل قضية عقيدة تحاصر ويراد لها أن تُنسى ويُراد لأتباعها أن يذلّوا، ولكن العقيدة التي يمثّلها الإمام الحسين عليه السلام تبرز في هذا الشعر متحدّية خالدة، وأتباع هذه العقيدة يتنافسون في رفعها وتقديم التضحيات من أجلها.
على أنّنا نلاحظ أنّ الشعر الإسلامي المعاصر لم يبلغ بالشخصية الحسينية درجة (القناع) أو (النموذج) الذي يعبّر فيه من خلال القصيدة كاملاً عن المحنة المعاصرة. ويقصد بهذا القناع أو النموذج أن ينسحب الشاعر بلغته الذاتية وأناه، ويترك الشخصية القناع تتحدّث بموضوعية لا على أساس أنها (حسين) العقد السادس من القرن الأول الهجري، ولكن على أساس أنها (حسين) القرن العشرين بكل ما يعج به هذا القرن من تناقضات وسرقات وطغيان وسفك دماء ومصادرة مبادئ ودجل إعلام وجور بشر وقلوب وحوش.
كيف يحدث هذا؟ الحق إنّه يحتاج إلى مهارة فنية عالية، ويحتاج إلى حالة من الموضوعية المتأتية في دراسة الفن المسرحي والقصصي الذي تبتدع في الشخصيات ابتداعًا ويختفي الكاتب وراء حركة وتطور تلك الشخصيات([16]).
ولعل الذي أبعد شعراء التجربة الإسلامية عن هذا الشكل من الرمز هو درجة الحماس والتوقّد التي تستدعي حضور (الأنا) الشعرية حضورًا بارزًا، بينما يحتاج خلق الشخصية الموضوعية من خلال القناع والنموذج إلى هدوء تام. وهو الهدوء الذي يفتقر إليه شاعر التجربة الإسلامية المعاصرة الذي يجد نفسه محاصرًا بالنيران من كل جانب، فلا يملك إلا أن يصرخ بكل ما تسعفه حنجرته وبكل ما يملكه قلبه من خفقان!!

الهوامش:
([1]) ينظر بحث الدكتور حاتم عبد حبّوب الساعدي (الحسين في الشعر العراقي المعاصر) للتعرف على تفاصيل شخصية الإمام وثورته لدى شعراء العصر الحديث في العراق، وهو بحث نال به درجة الدكتوراه في كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة.
([2]) استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر، د. علي عشري زايد، الشركة العامة للنشر، ليبيا، ط 1، 1978، ص 15.
([3]) ملحمة أهل البيت، ج3 ص 334/ دار الزهراء ـ بيروت، ط 21 1978.
([4]) ديوانه المخطوط، ص 43، نقلاً عن بحث الدكتور حاتم عبد حبوب ص 180.
([5]) عن بحث الدكتور حاتم، ص 183، والعقيدة منشورة في مجلة الأضواء عدد (91).
([6]) الأسطورة في الشعر المعاصر، د. أنس داود، المنشأة الشعبية، طرابلس، ص 233.
([7]) استدعاء الشخصيات التراثية، د. علي عشري زايد: ص 153، وما بعدها.
([8]) الجرح بالغة القرآن، طهران، ط1، 1404هـ، ص 230.
([9]) لن يقتلوك، مطبعة البعث، قسنطينة الجزائر، ط1، 1980، ص 9.
([10]) قراءة في آية السيف، الشركة الوطنية، الجزائر، ط1، 1983، ص 50.
([11]) أشياء حذفتها الرقابة، بدون تاريخ، أو سند طبع، ص 181.
([12]) للثوار فقط، دار الفرات، بيروت، ط1، 1991، ص 11.
([13]) قراءة في زمن الجهاد، مطبعة البعث، الجزائر، ط1، 1400، 1980، ص 15.
([14]) ذاكرة الصمت والعطش، ص 15، والغلاف الأخير.
([15]) أشياء حفتها الرقابة، ص 97، 98.
([16]) للتعرّف على فنّيات (القناع) ينظر، اتجاهات الشعر المعاصر، د. إحسان عباس، سلسلة المعرفة، الكونية، ط1، 1978، ص 154، بالإضافة إلى كتاب (استدعاء الشخصيات التراثية)، و(الأسطورة في الشعر العربي المعاصر) سالفي الذكر.

المصدر: مجلة رسالة الحسين، العدد الخامس.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com