موقع الصراط ... الموضوع : التواضع-2
 
السبت - 9 / ربيع الأول / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  التواضع-2  
   
  كتب بتاريخ : الجمعة - 20 / شوال / 1433 هـ
     
  التكبر على المتكبر تواضع:
لا بد أن نشير أن التواضع إنما يكون للمتواضع، أما المتكبر إذا تواضعت إليه عده ذلة ووضاعة فلا ينبغي أن يُتَواضَع إليه، بل قيل: (التكبر على ذي التكبر عليك بماله تواضع)(1) وذلك؛ لأن وضيع النفس إذا أحس بإنسان يتواضع له، استصغره، واستذله؛ ولهذا يقول أمير المؤمنين (ع) في وصيته لولده الحسن (ع): (احمل نفسك من أخيك عند صرمه على الصلة وعند صدوده على اللطف والمقاربة، وعند جموده على البذل، وعند تباعده على الدنو، وعند شدته على اللين، وعند جرمه على العذر، حتى كأنك له عبد، وكأنه ذو نعمة عليك. وإياك أن تضع ذلك في غير موضعه، أو تفعله بغير أهله)(2)
إذن لا ينبغي أن يتواضع المؤمن إلا لمن هو أهل للتواضع، وهو من يعرف قيمة التواضع، وإنها نابعة من شرف الإنسان، وطهارة نفسه، ورجاحة عقله؛ ولهذا قال رسول الله (ص): (إذا رأيتم المتواضعين من أمّتي فتواضعوا لهم، وإذا رأيتم المتكبرين فتكبروا عليهم؛ فإن ذلك مذلّة لهم وصغار)(3)

آثار التواضع :
للتواضع آثار اجتماعية عظيمة في شخصية الإنسان، ومن تلك الآثار: انتشار فضله وارتفاع شأنه، وسمو شرفه، وتعاظم قدره، وازدياد حبه في القلوب وانتظام أموره، فهو يملك القلوب من غير سلطة إلا سلطة الخلق الرفيع، ويتقدم على الناس في مسيرتهم، وبحسن رضاهم، والسر في ذلك هو: أن سنة الله تعالى في خلقه، ما من إنسان تواضع لله تعالى إلا رفعه، كما أكدت ذلك الروايات الكثيرة، يقول أمير المؤمنين (ع):
(من تواضع عَظّمَه الله ورفعه)
(ما تواضع أحد لله إلا زاده اللهُ تعالى جلالةً)(4)
وعن أبي عبد الله (ع) قال:
(لا عز إلا لمن تذلل لله، ولا رفعة إلا لمن تواضع لله)(5)
وهذه الرفعة تأتي من قرب الإنسان لله تعالى؛ لأن المؤمن كلما تواضع لله تعالى ازداد قرباً إليه. قال النبي (ص): (أوحى الله تعالى إلى داود (ع): يا داود، إن أقرب الناس مني يوم القيامة المتواضعون، كذلك أبعد الناس مني يوم القيامة المتكبرون)(6)
والأمر الآخر في سبب رفعة المتواضع، هو: أن الإنسان بفطرته يحب من يحترمه ويكرمه، وليس هناك أكثر إكراماً من المتواضع للآخرين، ويعجبني أن أنقل كلام الحكيم الصيني لاوْتْسي، قال: (إن سبب تلقي البحار والأنهار مياه مئات الينابيع الجبلية؛ يكمن في كونها أدنى منها، وهكذا نستطيع التحكم بكل الينابيع الجبلية، وهكذا إن أراد الحكيم أن يكون فوق سائر الناس، يجب أن يضع نفسه أدنى منهم، وإن أراد أن يكون في مقدمتهم يضع نفسه خلفهم، وهكذا رغم وجوده فوق سائر الناس فهم لم يشعروا بثقله، ورغم وجوده في المقدمة فهم لم يعتبروا ذلك إهانة)(7)

حدود التواضع :
يظهر تواضع الإنسان من خلال مخالطته ومعاشرته للناس، فلا يقدم نفسه على أحد لا في مسير، ولا في مجلس، ولا ينتظر من الناس أن يقدموا له خدماتهم واحتراماتهم، وإنما هو الذي يبادر ويسارع، ويقدم الآخرين على نفسه، يحترم الكبير، ويعطف على الصغير ليّناً، مدارياً، بشوشاً، خاضعاً للحق ولو كان على نفسه، أينما كان، وعند من كان، وقد أكدت كل ذلك أحاديث أهل البيت (ع) ، فعن أبي عبد الله (ع) عن آبائه قال:
(إن من التواضع أن ترضى بالمجلس دون المجلس، وأن تسلم على من تلقى، وأن تترك المِراء، وإن كنت محقاً، وأن لا تحبَّ أن تحمد على التقوى)(8)
وسأل الحسن بن الجهم الإمام الرضا (ع) قائلاً: (ما حد التواضع؟ قال (ع): تعطي الناس من نفسك ما تحب أن يعطوك مثله)(9)
وعن أمير المؤمنين (ع) قال:
(ثلاث هن رأس التواضع: أن يبدأ بالسلام من لقيه، ويرضى بالدون من الشرف، ويكره الرياء والسمعة)(10)
وعن أبي عبد الله (ع) قال: (كان رسول الله (ص) إذا دخل منزلاً قعد في أدنى المجلس إليه حين يدخل)(11)

الهوامش:
(1) الغزالي، إحياء علوم الدين: 3/343.
(2) نهج البلاغة كتاب: 31 .
(3) إحياء علوم الدين: 3/341.
(4) الآمدي، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم: 249 ، ح/5172-5175 .
(5) علي الطبرسي، مشكاة الأنوار، باب التواضع: 2/101 .
(6) المصدر نفسه: 103 .
(7) دل كارنيجي، كيف تتعامل مع الناس: 165.
(8) علي الطبرسي، مشكاة الأنوار: 2/98، وثقة الإسلام الكليني، الأصول من الكافي: 2/122-123 .
(9) علي الطبرسي، مشكاة الأنوار: 2/103 .
(10) المتقي الهندي، كنز العمال: 3/701 ، ح/8506 .
(11) الأصول من الكافي: 2/662 .

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com