موقع الصراط ... الموضوع : من أنوار سيرة أمير المؤمنين-15
 
الأحد - 21 / صفر / 1441 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  من أنوار سيرة أمير المؤمنين-15  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 21 / شوال / 1433 هـ
     
  الكاتب: الشيخ جميل الربيعي
ما الذي كان يقلق الإمام علياً (ع)؟
علي (ع) البطل المطرق في كل ميادين الشجاعة: في ميادين الجهاد الأكبر: صراع النفس, وترويضها, وجهادها, وتهذيبها, وفي ساحات الوغى حيث نازل الأبطال, وتحدى الفرسان وفي مضمار العلم والإيمان, والاستقامة في مواجهة الانحراف عن خط الرسالة الإلهية, ومساندة الحق. فمذ كان صبياً وقف إلى جنب رسول الله (ص) وسط قروم قريش وعتاتها. فلم يبال بسخريتها وكبريائها, وفي ميدان العدل الاجتماعي ضرب المثل الأعلى في المساواة بين الناس. لم يخف في الله لومة لائم, ولم يحابِ وجيهاً ولا ظالماً مستغلاً لأموال المسلمين, ولا قريباً ولا صديقاً. لم يميز أحداً على أحد, بل كان ميزان قسط لم يُقدم قوياً على ضعيف, ولا قريباً على بعيد, ولا مؤيداً على منافر له , بل كان الناس عنده سواء, حتى الذين كانوا على غير ملته نالوا نصيبهم من عدله كما في قصة النصراني الذي وجده على قارعة الطريق يستعطف الآخرين... ففي كل ميدان تجد له دوراً وأثراً وموقفاً يجسد الحق والعدل والإنسانية, ولا عجب فهو الرجل الذي جسد الإسلام قولاً وعملاً, قلباً وقالباً, فهو الإسلام, والإسلام هو, وهو مع القرآن, والقرآن معه يدور حيثما دار بل هو القرآن الناطق, وكيف لا وقد أعده الله عز وجلّ لذلك, وزقه رسول الله (ص) بالعلم زقاً, وما فارقه حتى فرقتهما دعوة السماء حين لبى رسول الله (ص) نداء ربه وخلفه خليفة ووصياً على أمته من بعده.
ورغم ذلك كله فقد كانت هناك أموراً تقلق علياً, وتقض مضجعة, ويتخوف على الإسلام وأمته منها, وطالما حذَّر ونبه عليها. تلك الأمور التي كانت تخيفه وتؤرقه هي الأمراض الاجتماعية والنفسية التي تتفشى في الأمة, وأهم هذه الأمور التي يتخوف منها هي:
أولاً: بروز العالم المتهتك والجاهل المتنسك: لقد اشتهر عنه (ع) قوله:(قصم ظهري عالم متهتك، وجاهل متنسك, فالجاهل يغش الناس بتنسكه، والعالم ينفرهم بتهتكه) وفي رواية أخرى قال (ع): (قصم ظهري رجلان من الدنيا: رجل عليم اللسان فاسق، ورجل جاهل القلب ناسك، هذا يصد بلسانه عن فسقه، وهذا بنسكه عن جهله، فاتقوا الفاسق من العلماء والجاهل من المتعبدين، أولئك فتنة كل مفتون، فإني سمعت رسول الله (ص) يقول: يا علي هلاك أمتي على يدي كل منافق عليم اللسان)
وواضح من كلامه (ع) أنه لم يتخوف من العالم, أو الجاهل لذاتهما, وإنما يتخوف على الأمة من الضلال, والضياع, فالذي يهمه أمر الأمة وهدايتها, وقد روى (ع) أن قال رسول الله (ص): (إني لا أخاف على أمتي مؤمنا, ولا مشركاً. أما المؤمن فيمنعه الله بإيمانه، وأما المشرك فيقمعه الله بشركه، ولكني أخاف عليكم كل منافق الجنان عالم اللسان، يقول ما تعرفون، ويفعل ما تنكرون)
فالأمر المهم عند أمير المؤمنين (ع) هو المحافظة على الأمة من الزيغ والانحراف وشَخَّصَ (ع) عناصر الضلال باثنين: العالم الذي يمتهن العلم, ويتظاهر به بأقواله ومدعياته ويخالفه في أفعاله وسلوكه؛ وهذا له تأثير سلبي خطير على الناس حيث يقودهم إلى الضياع والضلال, بل الهلاك والدمار؛ لأن انحراف العالم لا يتوقف خطره عليه ، وإنما يمتد إلى المجتمع؛ ولهذا يقول (ع):
(زلة العالم تفسد العوالم)
(زلة العالم كانكسار السفينة تغرق وتغرق معها غيرها)
(لا زلة أشد من زلة العالم)
(آفة العامة العالم الفاجر)
وقال (ع) عن محمد بن كعب قال: (قال رسول الله (ص): إنما أتخوف على أُمتي من بعدي ثلاث خصال: أن يتأولوا القرآن على غير تأويله, أو يتبعوا زلة العالم، أو يظهر فيهم المال حتى يطغوا ويبطروا، و سأنبئكم المخرج من ذلك : أما القرآن فاعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وأما العالم فانتظروا فيئه، ولا تتبعوا زلته، وأما المال فان المخرج منه شكر النعمة, وأداء حقه)
هكذا حذر علي (ع) من المتاجرين بالعلم, الذين اتخذوه وسيلة؛ لغرض التوصل إلى مآربهم الدنيوية. وحدد أخطارهم بأنهم آفة الناس, وأعظم خطراً من السرطان في جسد الأمة وبين عواقبهم في الدنيا والآخرة. يقول (ع): (لو أن حملة العلم حملوه بحقه لأحبهم الله وملائكته وأهل طاعته من خلقه، ولكنهم حملوه لطلب الدنيا. فمقتهم الله, وهانوا على الناس)
كل هذا التأكيد والتحذير والتقريع لهذا الصنف من الناس؛ لأن الناس تأخذ دينها من العالم... فهو إما يقودهم إلى الهدى, وإما يقودهم إلى الضلال, ولا يهدي الناس إلى الله جل جلاله إلا العالم المتمسك بدينه الهادي إليه بعمله قبل نطقه. وطالما تحسر (ع) على ما يحمل من العلم؛ لأنه لم يصب حملة له، ولا يحمل هذا الكنز إلا النادر القليل. فكان يقول (ع): (ها، إن هاهنا لعلما جما [وأشار إلى صدره] لو أصبت له حملة، بلى أصبت لقنا غير مأمون عليه، مستعملا آلة الدين للدنيا، ومستظهرا بنعم الله على عباده)
فهو يحذر من اتخاذ الدين وسيلة للدنيا كما هو ديدن طلاب الدنيا الذين يتذرعون بالدين للتوصل إلى تحقيق أهدافهم المادية من خلال التظاهر بالتدين, واعتبرهم (ع) أخطر على الدين من الأعداء الظاهرين, بل كان هؤلاء المصيبة الكبرى في حياته كما يقول (ع) وهو يشرح الحالة السياسية والاجتماعية بعد مقتل عثمان بن عفان:
(أما بعد فإن الله سبحانه بعث محمداً (ص) نذيراً للعالمين، ومهيمناً على المرسلين، فلما مضى (ع) تنازع المسلمون الأمر من بعده، فوالله ما كان يلقى في روعي, ولا يخطر ببالي أن العرب تزعج هذا الأمر من بعده (ص) عن أهل بيته، ولا أنهم منحوه عني من بعده، فما راعني إلا إنثيال الناس على فلان يبايعونه، فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمد (ص)، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلما أو هدما تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوت ولايتكم التي إنما هي متاع أيام قلائل يزول منها ما كان كما يزول السراب، أو كما يتقشع السحاب، فنهضت في تلك الأحداث حتى زاح الباطل وزهق واطمأن الدين وتنهنه)
إذن لا يهم علياً (ع) فوت الخلافة والولاية والحكم ومصادرتها منه, وهو أحق بها وأهلها ولكن الذي يقلقه ويخيفه ويقض مضجعة أن يحدث في الإسلام ثغرة, وتلك هي المصيبة التي يتخوف منها صلوات الله وسلامه عليه.
وأما العنصر الثاني الذي يتخوف منه أمير المؤمنين (ع) هو الجاهل المتنسك وهو الشخص الذي التزم بالإسلام عن عاطفة ساذجة بغير علم وبصيرة فهذا يضل الناس بتنسكه, وإن لم يقصد ذلك؛ وذلك لأن أغلب الناس تنظر إلى الإسلام من خلال سيرة حامليه, والجاهل إذا حمل الدين أعطى عنه صورة معكوسة فيكون وبالاً عليه,وعلى الدين يقول أمير المؤمنين (ع): (عمل الجاهل وبال, وعلمه ضلال)
ثانياً: يتخوف (ع) من تسلط السفهاء والفجار على مقدرات الأمة, وهذا الأمر كان شديداً عليه, أقلقه كثيراً, وأرق سهاده, وقد حذر منه بشدة ؛ لعلمه بما يفعلون من جرائم وجرائر، يقول (ع): (إني والله لو لقيتهم واحداً، وهم طلاع الأرض كلها ما باليت، ولا استوحشت، وإني من ظلالهم الذي هم فيه، والهدى الذي أنا عليه، لعلى بصيرة من نفسي ويقين من ربي, وإني إلى لقاء الله, وحسن ثوابه لمنتظر راج , ولكنني آسى أن يلي أمر هذه الأمة سفهاؤها وفجارها، فيتخذوا مال الله دولاً، وعباده خولاً، والصالحين حرباً، والفاسقين حزباً)
لقد كان (ع) يقرأ المستقبل, ويعلم ما سيحدث فيتخوف من صعود الفجار على أكتاف الأمة كمعاوية, وابن العاص, والمغيرة, وغيرهم من الفساق... وهذا ما ينبغي للمؤمنين أن يحذروه من تولية أمور المسلمين من لم يكونوا أهلاً لذلك أو أنهم طالبون له حباً للظهور والتسلط. فإنهم يعبثون في دين الله, ويظلمون عباد الله. وهذا ما ابتليت به الأمة في العصر الأموي, والعباسي والعثماني, وإلى اليوم إلا ما ندر في فترات قصيرة.
ثالثاً: انسياق الأمة وراء بروق الآمال والمطامع والأهواء، يقول (ع): (ألا إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل، فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة)
وهذا تخوف آخر حيث أن الأمة أو الفرد إذ انساق وراء أطماعه, وانقاد لشهواته أصبح همه نيل الملاذ فلا يفتر عنه, ولا يقف عند حد, ولا يردعه شيء, وحينئذ يصده عن الحق، وينسيه الآخرة, ويجره إلى الفساد، وما جرت على الأمة من مصائب وأهوال من سفك الدماء, وهتك الأعراض, وتحريف الأحكام, وابتداع المذاهب الباطلة إلا نتيجة اتباع الأهواء وطول الآمال؛ لأن اتباع الهوى مفسد للأرض والسماء كما صدع القرآن الكريم: ((وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ)) (المؤمنون:71)
رابعاً: الفتن: والمقصود بها التباس الحق بالباطل, وتلبس أهل الباطل بثوب الحق, واختلاط الصالح بالطالح, وحينئذ يقع الالتباس, ويصعب التمييز, ويفترق الناس شيعاً وأحزاباً, ويصعد الوصوليون والنفعيون, ويحارب الصالحون, ويصبح دين الله بضاعة يتلاعب بها السفهاء والفُساد,يقول (ع): (إن الفتن إذا أقبلت شبهت, وإذا أدبرت نبهت. ينكرن مقبلات, ويعرفن مدبرات يحمن حول الرياح يصبن بلداً, ويخطئن بلداً، ألا إن أخوف الفتن عندي عليكم فتنة بني أمية، فإنها فتنة عمياء مظلمة عمت خطتها، وخصت بليتها، وأصاب البلاء من أبصر فيها، وأخطأ البلاء من عمي عنها)
وأروع عبارة تحدد طبيعة هذه الفتنة, وتوضح أخطارها, ما جاء في نهج البلاغة المبارك حيث يقول (ع): (إنما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع، وأحكام تبتدع، يخالف فيها كتاب الله، ويتولى عليها رجالٌ رجالا على غير دين الله، فلو أن الباطل خلص من مزاج الحق، لم يخف على المرتادين، ولو أن الحق خلص من لَبْس الباطل، لانقطعت عنه ألسن المعاندين، ولكن يؤخذ من هذا ضغث، ومن هذا ضغث فيمزجان، فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه، وينجو الذين سبقت لهم من الله الحسنى)
فاختلاط الحق بالباطل, وتلبس أهل الباطل بدين الله الحق يوقع الناس في هرج ومرج لصعوبة التمييز بين هؤلاء وأولئك, ويكثر القيل والقال... وتتصاعد الفتن نسأل الله أن يمنحنا بصائر نميز بها أهل الحق من أهل الباطل, ويرينا الحق حقاً فنتبعه، والباطل باطلاً فنجتنبه.
يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com