موقع الصراط ... الموضوع : إعادة كتابة التاريخ الإسلامي الدوافع والمنهج
 
الأربعاء - 8 / رمضان / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  إعادة كتابة التاريخ الإسلامي الدوافع والمنهج  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 21 / شوال / 1433 هـ
     
  بقلم الدكتور صائب عبد الحميد
صلتنا بتاريخنا الإسلامي أبعد من مجرّد التعرّف على أحداث الزمن الماضي، وأبعد أيضاً من اقتناص التجارب وإضافتها إلى المخزون الثقافي .. ذلك أنّ تاريخنا الإسلامي بحكم أصالته، وبفعل العوامل الخاصّة التي ساهمت في تكوينه، قد أصبح إلى جنب القرآن والسنّة في تكوين الرؤى والمواقف، وصياغة الكثير من المعتقدات والمعارف، وهو لدى السواد الأعظم من الناس، ممّن ليس لديهم صلة واعية بالقرآن الكريم والسنّة المطهرّة وفقههما، أكثر ثقلاً وأعظم أثراً.
من هنا أصبح الوعي التاريخي جزءاً لا يتجزّأ من الوعي العقيدي..وأصبح تصحيح المخزون التاريخي شرطاً أساسياً في تصحيح الاعتقاد.
إننا بلا شك أمة ذات تاريخ عريق جدير أن نفخر به ونعتزّ; فلم تكن نقلة التوحيد الكبرى التي أحدثها الإسلام وغيَّر بها صورة الحياة على الأرض بالأمر اليسير أو الهين.. ولا كانت رسالة القرآن الشاملة الخالدة بالأمر الذي يُطوى أو يقلل من أهميته شيء على الإطلاق.. ولا كان المد الحضاري الذي صنعه المسلمون طوال ثلاثة عشر قرناً ملكوا فيها، بالشيء الذي يغيب أثره.. إنه جدير بنا أن نفخر بذلك كله، وأن نربّي أجيالنا على الفخر به، فنسوّغ دوماً دواعي الفخر ونحفها بالإطراء والتبجيل والتقديس....
الواقع التاريخي وحقيقة الإسلام:
إننا وإن سوغنا دواعي الفخر والاعتزاز في تاريخنا المجيد كما ينبغي، لكننا في الوقت ذاته بحاجة أكيدة إلى الاعتراف بوقوع الخطأ والانحراف في المسار التاريخي، ثم تشخيص ذلك وتحديده وتتبّع أصوله وجذوره لملاحظة مدى الأثر الذي تركه في الأمة فكرياً واجتماعياً، ذلك لما احتله التاريخ الإسلامي من دور معرفي خطير.. (فممّا لاشك فيه انّه قد وقعت انحرافات كثيرة في المجال السياسي عن الخط الإسلامي الاصيل، وانّ هذه الانحرافات قد وقعت في وقت مبكّر من تاريخ الإسلام لم يكن ينبغي أن تقع فيه)(1).
إذن فالذي ننظر إليه نظرة التبجيل والتقديس ونكرس في إظهاره والدفاع عنه كل الطاقات والإمكانات ليس هو الواقع التاريخي الناجز بكل ما يحويه من حلو ومر، بل هو الأطروحة والموقف والإنجاز الذي يتحرّك مع أهداف الشريعة ومقاصدها بغض النظر عن مصدره; أهو السلطان والنظام السياسي القائم، أم الخطوط الإسلامية المعارضة للسلطان ونظامه.. فليس من الموضوعية في شيء أن نجعل الواقع التاريخي الناجز هو المقوّم للحقيقة وللتاريخ نفسه، بل الشريعة بنصوصها ومعالمها ومفاهيمها ومقاصدها هي المرجع في تقويم ذلك كلّه.

المقدمات الأساسية للوعي التاريخي:
لا بد أن نتنبّه وننبه دوماً إلى الفصل بين سيادة الإسلام وانتشاره كقيمة حضارية وإنسانية وبين الدولة السلطانية التي قد تلتقي معه فتكون جزءاً منه حياً فعّالاً دافعاً لحركته باتجاهها الصحيح، وقد تفترق عنه فتكون أهم ما يعيق حركته من الداخل! (ألا أن رحى الإسلام دائرة، فدوروا مع الكتاب حيث دار، ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب، إلا أنه سيكون عليكم أمراء يقضون لأنفسهم ما لا يقضون لكم فإذا عصيتموهم قتلوكم وإذا أطعتموهم أضلّوكم)(2)
فالمسيرة مع الكتاب، التي قد يفارقها السلطان، هي التي تمثل تاريخ الإسلام الحقّ الذي ينبغي أن نبرزه ونقدمه للأجيال منار هدى وراية فخر.
هذه الرؤية تشكل المقدمة الأولى لقراءة واعية في التاريخ يكون النقد الموضوعي البناء أهم لوازمها...
والمقدمة الثانية: تتمثل في حقيقة أن حاضر امتنا وكل امة إنما هو نتاج نمو تاريخ طويل.. فحاضرنا الذي نعيشه ونراه هو ثمرة ماضينا الذي تتابعت حلقاته وتعانقت تعانق العلة بالمعلول، فلا بد لأجل معرفة حاضرنا نفسه والحكم عليه من متابعة سلسلة من الأحداث الممتدة في أعماق التاريخ، متابعة نقد وتحليل واستنتاج، تُجسد بالتالي قراءة واعية للتاريخ تكتشف قوانين نموّه، وعناصر الضعف والقوة فيه.
أما المقدمة الثانية فتنصبّ على قوانين التاريخ الإسلامي تلك القوانين، مراجع التاريخ، التي إن كانت قد حملت الكثير والكثير جداً من حقائق التاريخ، أو تكاد في مجموعها أن تكون قد حفظت جميع حقائقه، فهي بلا شك قد حملت إلى جانب ذلك أباطيل كثيرة:
1- منها ما هو إسرائيلي الصنع!
2- منها ما هو من صنع الزنادقة الذين تستروا بالإسلام فكادوا له شراً، وهؤلاء كانوا دائماً أقدر على تزيين أساطيرهم وترويجها، إذ كانوا يضعون أساطيرهم دائماً في خدمة أهواء أصحاب الفرق الدينية أو السياسية المتناحرة، وفي أجواء هيجان الصراع الفكري بينها، فمن الطبيعي أن تجد لها على الفور أنصاراً يتمسكون بها ولا تعنيهم مصادرها ما دامت قد حققت مآربهم!
3- منها ما نقل خطأً، من غير قصد، بتوهم أنه الحقّ.
4- منها أكاذيب القصّاصين وتحسيناتهم حين لم تكن غايتهم الكذب والكيد وإلقاء بذور الفتن، بل حين يمضون وراء تجارتهم، أو مواقعهم الاجتماعية، أو نهجهم القصصي.
5- منها ما اختصت به المصادر الحديثة، من كتب في التاريخ أو دراسات تاريخية، ممّا ترشح عن مدارس الاستشراق، أو التفاسير المادية أو القومية للتاريخ الإسلامي!
من كلّ هذا تجمع حول الحقيقة التاريخية غبار كثيف، وجاءت الحقائق مفرّقة، موزعة هنا وهناك.

إعادة كتابة التاريخ:
من هنا اكتسبت الدعوة إلى تصحيح التراث وإعادة كتابة التاريخ مصداقيتها، وأصبحت ضرورة لا غنى عنها في أي جهد معرفي، ابتداءً بالمطالعة العامة، إلى التثقيف والتعليم، إلى التأصيل، وإلى إعادة الصياغة بما يتناسب مع لغة العصر وحاجاته وما توفّر فيه من أدوات للنقد ومناهج البحث..(إنّ هناك عدة ملاحظات في أكثر من اتّجاه تجعلنا نلح على ضرورة إعادة كتابة التاريخ الإسلامي)(3).
فهي ضرورة قد أدركها عامة المهتمين بشأن التاريخ، وعقدت لأجلها الجامعات العربية مؤتمراً علمياً كبيراً أُقيم في جامعة الكويت عام ١٩٧٤م، وانتهى المؤتمر بإقرار ضرورة تنفيذ مشروع لإعادة كتابة التاريخ الإسلامي(4). وقبل انعقاد هذا المؤتمر بعقود من الزمن كانت تتردد مثل هذه الدعوة من مصادر مختلفة،لكنّ المشكلة في تلك الدعوات ـ وإن لم تخلُ من دعوات مخلصة ـ أنّها غالباً ما تكون دعوات مغرضة، تنوي حشر التاريخ الإسلامي في قوالب غريبة عليه; قومية، أو مادية، أو متأثرة بواحدة من الفلسفات الغربية والاتجاهات الاستشراقية الحديثة!
وهذه الدعوات أخطر على تاريخ الإسلام من كلّ ما حملته دواوينه من أباطيل وظلمات، لأنّك تجد إلى جانب هذه الأباطيل والظلمات حقائق لها نور تهتدي به إذا أردت الهدى، أما حين يصاغ التاريخ وفق قوالب غريبة عليه، فسوف لا تجد بين ظلماته وأباطيله نوراً لحقيقة!
وحين ننتقل إلى الدعوات الإسلامية المنبعثة بإخلاص في هذا الاتجاه، فسوف نصطدم بمشكلة معقّدة أخرى، وهي أنّ الكثير منّا ما زال لا يعرف ألف باء فقه الحرية! فهو لا يرى الله إلاّ من خلال السلطان! أو من خلال الرؤى المذهبية التي ساهمت في صياغتها ظروف سياسية واجتماعية فالسلطان والرؤى المذهبية عنده هما المعبّر دائماً عن إرادة الله وأهداف الشريعة!
إن وجود هذا الطراز من الناس بين طلائع المؤرّخين ونقّاد التاريخ قد شكّل في نظرنا أهمّ مسوغات التصحيح وإعادة كتابة التاريخ، دون أن يقلّل من أهمية المسوغات الأخرى.
ثمّ إن طائفة من نُقّاد التاريخ الإسلاميين قد قطعوا شوطاً طويلاً في فقه الحرية، فأثارتهم ظاهرة الاستبداد في التاريخ، فراحوا يحلّلون عناصرها، فوجدوا (وعّاظ السلاطين) ظاهرة ملازمة لها، فلمّـا توغّلوا في التفصيل ليقدّموا نماذج من وعّاظ السلاطين وأدوارهم التخريبية، إذا بهم يختارون (فرنسيس بيكون) مثلا! ذلك الفيلسوف الانجليزي الذي امتلك كلّ دواعي الفخر من علم وفطنة وقدرات شخصية، إلاّ الشرف! ذلك لأنه كان يرتشي! وكان يقضي أحياناً بحسب رغبة السلطان!!
إن رجالاً في تاريخنا القديم والمعاصر مثّلوا هذا الدور ودخلوا في تكوين العقلية المسلمة ـ نسبة إلى المسلم لا إلى الإسلام ـ هم أجدر بكثير أن يكونوا أمثلتنا عن وعّاظ السلاطين ونحن نواجه مشكلات تاريخنا الخاصة، ثم بعد ذلك سوف لا تنتفي الفائدة من التمثيل بـ(فرنسيس بيكون) وغيره.
إن مجموع تلك الرؤى والملاحظات وما يتشعّب عنها من فوائد يمكن ترتيبها وصياغتها على النحو الآتي:
1- إن الدولة السلطانية والنُظُم السياسية بعد الرسول الأعظم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لا تعبّر بالضرورة عن كلمة الإسلام وأهدافه، بل قد تختلف معها وتقاطعها، وهذه حقيقة تاريخية ملموسة لا تضرّ أبداً في كون الإسلام مشروعاً حضارياً شاملا قد أدخل في حسابه عناصر الزمان والمكان والفطرة البشرية.
2- عدم التسليم بكلّ ما تضمّنه تراثنا التاريخي من نصوص.
3- عدم التسليم بآراء الناقدين والمحلّلين من القدامى والمحدثين.
4- استبعاد المواقف المسبقة إزاء الأحداث والقضايا التاريخية، والحكم عليها على وفق معطيات ونتائج البحث العلمي.
5- استبعاد المناهج الغريبة على الإسلام، في القراءة والنقد والتحليل، سواء في ذلك المناهج الاستشراقية، والقومية، والمادية، والباطنية، والطائفية، والفوضوية المتأثرة بالذوق الشخصي أو بالظروف الخارجية المتقلبة.
6- اعتماد الأدوات العلمية والموضوعية اللازمة في محاكمة الرواية والرأي، واختيار ما تُثبت تلك الأدوات صحّته، ونفي الآخر الذي لا نجد له أثراً في الطرف الآخر من المعادلة، فهو إنّما اندسّ في تراثنا عند غياب رقابة تلك الأدوات، أو بالالتفاف عليها.
7- النظر إلى مناهج المؤرخين المتقدمين وطبيعة تتبعهم واختيارهم للأخبار، كواحدة من أدوات البحث، فالذي يختاره واحد أو أكثر ممّن عُرف بالتتبّع ودقّة الاختيار أولى بالقول من رواية من غلب على منهجة جمع الأخبار دون تمحيص، حين تأتي روايته بلا إسناد أو بإسناد فيه ضعف بيّن..
وأصحاب التفصيل والإطناب حكمٌ على أصحاب الإيجاز في ما تحوم حوله شبهة إنكار.. وصاحب الهوى متّهم في ما يرمي به خصمه حين يتفرّد به، أو حين لا يشاركه في روايته إلاّ آخر مثله.. وهو متّهم أيضاً في ما يتفرّد به من مناقب وفضائل ينسبها إلى طائفته، لكنّ شهادته مقبولة حين يشهد على طائفته بتقصير أو انحراف.. إلى غير ذلك من خصائص منهجية ذات صلة بهذا الموضوع.
8- سحب المرجعية والأصالة من المراحل التاريخية ورجال التاريخ كافة، ووضعها في محلّها الصحيح; في الكتاب الكريم والسنّة المطهّرة، من قول النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وتقريراته وسيرته العلمية، وكلّ ما وراء هذين المصدرين من مراحل التاريخ ورجاله فهو موزون بهما، معروض عليهما، محكوم عليه بأحكامهما، ولا يصحّ بحال اعتباره في نفسه مرجعاً تُرجع إليه القضايا التاريخية المتنازع فيها، أو أصلا تقاس إليه.. قال تعالى: (فإن تنازعتم في شيء فردّوهُ إلى الله والرسول إن كُنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خيرٌ وأحسنُ تأويلاً )(5)
والذي يراد من وراء ذلك كلّه: إعادة بناء سليم وحقيقي لتاريخ الإسلام السياسي والثقافي والاجتماعي والعلمي، بناء تتقدّم فيه الحقيقة التاريخية على المواقف المسبقة والرؤى المذهبية كافة، فإنّما يأتي الانحراف والتشويه في صورة التاريخ حين نحاول أن نشكّل التاريخ بحسب تشكيلات رؤانا المختلفة ومواقفنا المسبقة المتباينة.
إذن فالبناء السليم للتاريخ هو البناء الذي نقبل فيه الحقيقة التاريخية، ونشذبها، وإن قوّضت شيئاً من رؤانا، أو مما قد نظنّه من المسلّمات التي لا كلام فيها.
أمّا بدون ذلك فسوف لا نحقق تاريخاً، وإنّما نحقق ذواتنا التي أفرغناها على التاريخ لتصطفي منه كلّ ما يمكنه أن يتشكّل على وفق صياغتها..
إذن ستبقى أوجه التاريخ تتعدد باطّراد، بتعدد المؤرخين، وتعدد النقاد.. بل حتى بتعدد قرّاء التاريخ أيضاً، إذ غالباً ما يكون القارئ ناقداً، بوحي من الحقيقة، أو بوحي من الذات!

الهوامش:
(1) قطب، محمد، كيف نكتب التاريخ الإسلامي: ١٦.
(2) حديث شريف أخرجه الطبراني، المعجم الصغير ج١، ص٢٦٤; الهيثمي، مجمع الزوائد، ج٥، ص٢٢٨، ٢٣٨.
(3) قطب، محمد، كيف نكتب التاريخ الإسلامي: ١١.
(4) المسلم المعاصر (مجلّة) ـ العدد ١١ سنة ١٣٩٧هـ ـ ١٩٧٧م، ص١٢٣.
(5) النساء، الآية ٥٩.
المصدر: موقع الجامعة الإسلامية.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com