موقع الصراط ... الموضوع : المذهب التأريخي في القرآن-2
 
الإثنين - 3 / ذي القعدة / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  المذهب التأريخي في القرآن-2  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 21 / شوال / 1433 هـ
     
  المذهب التاريخي في القرآن:
ليس القرآن الكريم كتاباً في الفلسفة يعنى بدراسة المسائل الفلسفية والتاريخية بصورة مشروحة..وإنما هو كتاب دعوة وهداية وتشريع..ولكننا نستطيع أن نستخرج من ثنايا آيات كتاب الله الأصول العامة للتفكير بشكل دقيق.
وعندما نستعرض الآيات القرآنية نجد خطوطاً واضحة تمكننا من رسم مجمل المذهب القرآني في حركة التاريخ.
إنّ المذهب الإسلامي في تفسير التاريخ يقيّم التاريخ على ثلاثة أسس وليس أساسين فقط ويؤمن بأن بناء التاريخ لا يمكن أن يقوم على أساسين فقط ولا يمكن أن نفسر حركة التاريخ على أساس (قانون العليّة) (وإرادة الإنسان) فقط من دون أن نأخذ المشيئة الإلهية ورعاية الله تعالى عاملاً أساسياً في حركة التاريخ بنظر الاعتبار.
وهذه الأسس هي:
1 ـ قانون العليّة .
2 ـ حرية إرادة الإنسان.
3 ـ الرعاية الإلهية.
وفيما يلي نفصل هذا الإجمال:
1ـ قانون العليّة في التاريخ (السنن الإلهية)
الحياة الاجتماعية والحضارة البشرية والتاريخ ليست بدعاً من الأمور في هذا الكون كما قلنا سابقاً ولا يمكن أن نستثني شيئاً في هذا الكون من قانون العليّة, ونتائج هذا القانون دائماً نتائج حتمية لا يمكن أن تتخلف عن أسبابها وظروفها وهذه النتائج تعم كل الحالات المشابهة وتتكرر كلما تكررت الأسباب والظروف المؤدية إلى وجودها.. ومعنى ذلك أن كل أصول قانون العليّة من (الحتمية والتعميم والمسانخة) تجري في الحقل الحضاري والتاريخي كما تجري في حقول المادة.
والظاهرة الحضارية لا تختلف عن الظاهرة المادية في أنها تخضع لنفس القوانين والأصول التي تخضع لها الظاهرة المادية,فإن قانون العليّة لا يقبل استثناء ولا يمكن أن تحدث ثغرة أو خلل في تطبيق هذا القانون في المجتمع أو في غير المجتمع من هذا الكون.
فالحياة الاجتماعية والتاريخ إذن يسيران بموجب نظام وقانون دقيق وبنفس الدقة التي تجري قانون العليّة في الفيزياء.
والأحداث الاجتماعية الكبيرة والصغيرة والانقلابات والثورات والركود والحركة والفشل والنجاح والنصر والهزيمة والغنى والفقر والقوة والضعف والهلاك والسقوط وولادة الحضارات ونموها وغير ذلك من مظاهر الحركة الاجتماعية لا تحدث بصورة عفوية كما تتصور ذلك بعض المذاهب التاريخية.
وإنما يجري ذلك كله بموجب قوانين وسنن إلهية ثابتة كما أن الحاضر ليس مفصولاً عن الماضي وإنما هو نتيجة حتمية للماضي ولا يمكن تفكيك أجزاء الحضارة البشرية الواقعة على امتداد الزمان بعضها عن بعض, فكل جزء يرتبط بالجزء الذي قبله وبعده ارتباطاً قوياً وكل جزء حصيلة الأجزاء السابقة ومادة للأجزاء اللاّحقة..وهكذا ..فإن الحضارت البشرية على امتداد التاريخ ليست قطعاً وشرائح حضارية متقطعة ومتفككة, وليست الشرائح المعاصرة غريبة عن الشرائح السابقة كما ليست الشرائح الحضارية المقبلة مفصولة عن الشريحة الحاضرة والشرائح الماضية.
وهذه الشرائح والمقاطع الحضارية الممتدة على امتداد التاريخ مرتبطة ببعض بقانون العليّة, وكما لا يمكن أن يحدث شيء بصورة عفوية في حقول الفيزياء والكيمياء والميكانيك, وكذلك لا يمكن أن يحدث حدث اجتماعي أو سياسي أو اقتصادي بصورة عفوية وإنما يحدث ذلك جميعاً بموجب سنن وقوانين ثابتة تماماً كما يحدث في حقول المادة.
التأثيرات السطحية والعمودية على الشريحة الحضارية:
ولنأخذ شريحة من شرائح الحضارة الإنسانية للدراسة.. نجد أنّ هناك نوعين من التأثيرات على هذه الشريحة تتقّوم بهما:
النوع الأول: التأثيرات المتقابلة (السطحية) بين أجزاء وعناصر هذه الشريحة الحضارية في مقطع زماني واحد فالمدرسة مثلاً لها تأثير متقابل على المدرسة في شريحة حضارية واحدة وهذه التأثيرات المتقابلة والتفاعلات القائمة بين أجزاء وعناصر الشريحة الحضارية الواحدة لها دور في بناء وصياغة هذه الشريحة الحضارية.
والنوع الثاني: التأثيرات (العميقة) و(العمودية) على الامتداد التاريخي البعيد والقريب على هذه الشريحة الحضارية.وهذا النوع من التأثير يتقّوم به بسلسلة من العلل والأسباب والمؤثرات المختلفة التي كان لها الدور في بناء وصياغة هذه الشريحة الحضارية على الامتداد الطويل من التاريخ..وهذه العوامل والمؤثرات الممتدة على عمود الزمان والتي تساهم في فواصل زمانية مختلفة في بناء وصياغة هذه الشريحة الحضارية..هي (التاريخ).
فأية شريحة حضارية إذن لا تتكون بصورة عفوية منفصلة عن العوامل والمؤثرات المقارنة والعوامل والمؤثرات التاريخية ولا يمكن فهمها بمعزل عن هذين النوعين من المؤثرات.
والمجتمع البشري كأي شيء آخر من هذا الكون يخضع لقانون العليّ (الأسباب والمسببات) بكل تفاصيل هذا القانون.
وقانون العليّة (الأسباب والمسببات) يجري في الحقل الاجتماعي والحضاري كما يجري في حقل الفيزياء والميكانيك(1) في هذا الكون.
القرآن يفتح أفقاً فكرياً جديداً أمام العلم:
وهذا الفهم للمجتمع وللحضارة شيء جديد في تاريخ الفكر الإنساني.. والقرآن الكريم كما سوف نرى أول كتاب يفتح هذا الأفق الفكري الجديد أمام العلماء.
وفي تاريخ الفكر الإسلامي نلتقي لأول مرة هذا اللون من الفهم العلمي للمجتمع والحضارة..ونعرف أن الحضارة البشرية تخضع لسلسلة من العلل والقوانين وتتبع قوانيناً وأصولاً يسميها القرآن الكريم بـ (السنن الإلهية) ونعرف أن هذه ثابتة لا تتبدل في حياة الإنسان (ولن تجد لسنة الله تبديلاً) ونستطيع أن نقول إن أول من استطاع أن يستخرج جملة من هذه السنن ويخضعها لدراسة علمية منظمة من علماء المسلمين هو عبد الرحمن بن خلدون المؤرخ والمفكر الأفريقي المغربي المعروف فقد استطاع ابن خلدون أن يتجاوز السطحية التي كانت تتصف بها الدراسات التاريخية والحضارية من قبل واستطاع أن يكتشف الأصول والقوانين التي تتبعها الحضارة والمجتمع أو كما يقول هو(العمران البشري) واستطاع أن يكشف إن العمران البشري ليس بدعاً من الأشياء في هذا الكون,وإنما هو أيضاً كأي شيء آخر يخضع لقانون العليّة (الأسباب والمسببات) وبغير هذه الصورة لا نستطيع أن نفهم المجتمع والحضارة الإنسانية.
السّنن الإلهية:
يشير القرآن الكريم بشكل خاص إلى هذه المسألة ويؤكد بأن الحضارة الإنسانية في ولادتها ونموها ونضجها وضعفها وانتكاسها وسقوطها وموتها تتبع قوانين وسنناً إلهية ثابتة.
ويؤكد بأن أمثال هذه الأحداث لا تحدث بصورة عفوية وإنما تحدث بموجب سنن وقوانين وأن هذه السنن هي من الله تعالى وأنها سنن ثابتة لا تتبدل ولا تتغير.
وينظر إليها القرآن نظرة أوسع وأشمل من النظرة المادية التي ينظر بها أصحاب التوجهات المادية التاريخية.

حتميّة السّنن التاريخية:
والسنة كما يقول الراغب(2) [الطريقة (وسنة الله) طريقة حكمته] فهي القوانين والأصول الإلهية التي تجري عليه مشيئة الله تعالى في خلقه, وهذه القوانين حتمية لا تتبدل. والقرآن الكريم يعبّر عن هذه الحتمية بطرق مختلفة كقوله تعالى (قُل للّذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنّة الأولين) الأنفال /38.
وهكذا سنة ماضية وقانون نافذ لا يتخلف ولا يسلم منه أحد يقول البيضاوي في تفسير هذه الآية الكريمة [وإن يعودوا إلى قتاله (رسول الله) فقد مضت سنة الأولين الذين تحربوا على الأنبياء بالتدمير كما جرى على أهل بدر فليتوقعوا مثل ذلك)(3).
ويقول تعالى (سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلاً) الأحزاب /38.
وهكذا قدر مقدور لا مفر منه كما جرت هذه السنة الإلهية في الذين خلوا من قبل.
(ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلاً, ولن تجد لسنة الله تحويلاً ) فاطر /43.
فسوف لا تحل بهم إلا سنة الله في الأولين وهي سنة ثابتة لا سبيل إلى تبديلها وتحويلها.
الرؤية التوحيدية لسنن الله:
والقرآن الكريم ينظر إلى هذه السنن والقوانين والأصول الثابتة في حركة التاريخ من خلال نظرية الشمولية في (التوحيد) وينسب هذه السنن إلى الله تعالى جميعاً وينفي أن تكون هذه السنن تجري بمعزل عن مشيئة الله أو خارجة عن إرادة الله تعالى. انظر الآيات الواردة في الذكر الحكيم.
وهذه هي الميزة الأولى للرؤية الإسلامية إلى السنن والقوانين عن الرؤية المادية.
علاقة الجزاء بالعمل في سنن الله:
وهذه السنن تشتمل على نوع من العلاقات بين العمل والجزاء لا تخضع للحسابات المادية فإن التصور المادي لقانون العليّة في التاريخ وللعلاقة السببية بين مسلسل الأحداث في التاريخ لا يزيد على تصور العلاقة المحسوسة بين الأحداث كالعلاقة بين العرض والطلب في السوق وبين أسعار البضائع.
وأما علاقة الجزاء بالعمل فهو من العلاقة السببية غير المحسوسة وغير المفهومة بالرؤية المادية للتاريخ. والقرآن الكريم يلفت نظرنا إلى هذا النوع من العلاقة والارتباط في التاريخ.
(ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله فهل ينظرون إلاّ سنّة الأولين) فاطر/43.
(واتقوا فتنة لا تصيبنّ الذّين ظلموا منكم خاصة واعلموا أنّ الله شديد العقاب) الأنفال/25.
(أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشدّ منهم قوة) فاطر/44.
(ولو قاتلكم الذين كفروا لولّوا الأدبار ثم لا يجدون ولياً ولا نصيراً سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً) الفتح/22-23.
(ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين) آل عمران/139.
(فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا ,إنّ في ذلك لآية لقوم يعلمون) النمل /52.
(إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزاً من السماء بما كانوا يفسقون) العنكبوت /34.
(ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذّبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون) الأعراف /96.
(ومن يتّق الله يجعل له مخرجاً ) الطلاق/2.
(ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً) الطلاق/ 4.
هذه العلاقة الحتمية وغير المرئية بين الفعل والجزاء مما يخفى على الذهنية المادية, والقرآن الكريم يسلّط الضوء على هذا النوع من العلائق بين الفعل والجزاء ويصفها بصفة الحتمية التي لا سبيل إلى تبديلها وتحويلها.
سنن الله في التاريخ مرآة لحاضر الإنسان ومستقبله:
ثم يلفت القرآن نظر الإنسان إلى هذه السنن الإلهية الثابتة في التاريخ ليتخذ منها مرآة ينظر من خلالها إلى نفسه وحياته وعصره.
إنّ التاريخ عندما يكون شتاتاً من الأحداث المتفرقة التي تتجمع وتتفرق بصورة اعتباطية, ومن دون قانون وسنة..تفقد الشفافية التي تمكن الإنسان أن ينظر من خلالها إلى نفسه وعصره وأمته ولكن عندما يكون التاريخ مجموعة من السنن والقوانين الثابتة فإن بإمكان الإنسان أن ينظر من خلال مرآة التاريخ إلى نفسه وعصره ويقوم من خلال هذه المرآة نفسه ومجتمعه.
إنّ سرد التاريخ في القرآن الكريم يتم من خلال تكريس الأصول والقوانين الثابتة في حركة التاريخ.
القرآن يعرض من هذه الصورة المقننة من التاريخ ليجعل منها مرآة للناس أن ينظروا إلى أنفسهم وعصرهم من خلالها ثم يؤكد بصورة متكررة الدعوة إلى النظر إلى هذه المرآة والاتعاظ والعبرة وأن يعدل الإنسان سلوكه وعمله من خلال النظر إلى هذه المرآة.
ولنقرأ هذه الآيات المباركات في مواضيع مختلفة من كتاب الله.
(أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها) محمد/10.
(ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات) الرعد6.
(فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون) النمل 52
فالخطاب هنا للأمة وليس للفرد, والسنن والقوانين التي تذكرها هذه الآيات سنن جارية في حياة الأمم والجماعات.
(وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤا وجوهكم, وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرّةٍ, وليتبروا ما علوا تتبيرا ً, عسى ربكم أن يرحمكم, وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً) الإسراء/4-80.
وهذه الآيات المباركات جديرة بالكثير من التأمل لفهم سنن الله تعالى في حياة الإنسان.
فالخطاب هنا للأمة وليس للفرد والسنن والقوانين التي تذكرها هذه الآيات سنن جارية في حياة الأمم والجماعات.
ولنتأمل مرة ثانية في هذه الفقرات من آيات الله.
(وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدنّ في الأرض مرتين ولتعلنّ علواًّ كبيراً).
بعد كل فساد واستكبار ينذرهم الله بعذاب وخراب.
(فإذا جاء وعد أولاهما) بعد الفساد والاستكبار الأول (بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد) وسلّط الله عليهم رجالاً أشداء ليقتلوهم وليأسروهم ولينفذوا إلى داخل بيوتهم وليذلوهم في عقر دورهم.
ثم تؤكد الآية الكريمة بشكل حاسم أن هذه النتيجة مصير حتمي لبني إسرائيل ووعد قاطع نافذ لله تعالى (وكان وعداً مفعولاً) لا يتخلف ولا يتغير والقرآن هنا يحدثنا عن أعمق أعماق قوانين وسنن الله تعالى في الكون والمجتمع, ثم إذا ندم بنو إسرائيل وتابوا إلى الله تعالى أعاد الله تعالى إليهم رحمته وبركاته ومكنهم من أعدائهم ونصرهم عليهم وأمدهم بالأموال والبنين..وهذا قضاء آخر وقانون آخر وسنة أخرى لله تعالى ثابتة أيضاً لا تتخلف ولا تتبدل.
(ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيراً).
ثم يأتي القضاء العام والقانون والحكم الإلهي الثابت في بني إسرائيل وفي كل الأمم .
(إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم ,وأن أسأتم فلها).
(فإذا جاء وعد الآخرة) وعاد بنو إسرائيل من جديد, نتيجة الترف إلى الطغيان والاستكبار والاستعلاء سلّط الله تعالى عليهم من جديد أعداءهم, ليهلكوهم وليذلوهم كما فعل بهم أعداؤهم أول مرة.
ثم إذا عدتم إلى الله من جديد وتبتم وأقلعتم عن المعاصي والذنوب فـ (عسى ربكم أن يرحمكم) وهذه فقرة أخرى من السنن الإلهية من هذا المقطع القرآني..ولكن (وإن عدتم عدنا) إن عدتم إلى الطغيان والاستعلاء على وجه الأرض عاد الله عليهم بالعذاب والتنكيل والإذلال.
أرأيت كيف ينطق القرآن بالسنن الإلهية الحاسمة والنافذة والمستمرة ..(وإن عدتم عدنا).
ولنستمر مع القرآن الكريم شوطاً آخر من التأمل في سنن الله تعالى في حياة الإنسان.
(فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون) النحل /34.
(وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً, وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده بصيراً) الإسراء/16-17.
(ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض, ولكن كذّبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون) الأعراف/96.
(ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبيّنات وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين) يونس /13.
(وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون) الأنعام/123.
والآيات القرآنية في هذا المعنى كثيرة وكلها ينطق بهذا الفهم العلمي الدقيق للتاريخ: سنن وقوانين وأصول ثابتة للتاريخ والحياة.
ولا سقط أمة ولا يهتك ولا يكون مفر ولا هزيمة ولا انتكاسة ولا ازدهار ونمو ونضج إلا بموجب قوانين وسنن إلهية ثابتة.
وهذه السنن كلها لله تعالى أوجدها بمشيئته وحكمته وهدى إليها عباده.
أصل وحدة الأمّة في القرآن:
في الوقت الذي يقرر القرآن الكريم قدرة الإنسان على الاختيار والإرادة وتقرير المصير بشكل تام يقرر القرآن الكريم أصلاً هاماً في حياة الأمم في التاريخ وهو (وحدة شخصية الأمة) وهذه الوحدة في نسيج الأمة والمجتمع تأتي على بعدين:
1 ـ البعد الأفقي.
2 ـ والبعد العمودي.
1 ـ البعد الأفقي: ففي البعد الأفقي لا يمكن أن يعزل الفرد الذي يعيش في مجتمع ما نفسه عن عواقب وتبعات سيئات قومه مهما صلح أمره.
يقول تعالى (واتقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصة) الأنفال/25.
وقد ينسب القرآن الكريم عمل فرد واحد من الناس إلى الأمة جميعاً إذا كانت الأمة راضية بذلك العمل.
يقول الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام:
(أيها الناس إنما يجمع الناس الرضى والسخط, وإنما عقر ناقة ثمود رجل واحد فعمّهم الله بالعذاب كما عموه بالرضى فقال سبحانه (فعقروها فأصبحوا نادمين) فما كان إلا أن خارت أرضهم بالخسفة)(4).
وكلام الإمام عليه السلام كلام دقيق فإن الرضى بالجريمة في الوسط الاجتماعي نحو من المشاركة في ذلك العمل, وإن كانت ممارسة الجريمة من طائفة من المجتمع ولكن الآخرين لما أعلنوا رضاهم منها بالسكوت عنها كان سكوتهم عنها بحكم الإقرار لها والمشاركة فيها, وذلك أن الجرائم الكبيرة المعلنة تختلف عن الجرائم الفردية التي يرتكبها الناس في الخفاء, فإن المجرم لا يتمكن من ممارسة الجرائم الكبيرة أمام الملأ ويتحدى بها مشاعر الأمة, لولا أن يدعمه الآخرون بالتأييد والرضا والتشجيع.
وعند ذلك فلا يكون المجرم وحده فإنما يمثل تلك الجريمة, وإنما يشاركه فيها الراضون الذين دعموه وأعانوه بالرضا والتأييد والسكوت .
2 ـ البعد العمودي:
ويعتبر القرآن الكريم الأمة في عمرها الزمني وامتدادها التاريخي قطعة واحدة متصلة ومترابطة, يعتبر الجيل السابق مادة وأساساً لبناء الجيل الحاضر ويكون الجيل الحاضر حصيلة لعمل الجيل السابق, وينسب القرآن الكريم عمل الجيل السابق عندما يحظى برضى الجيل الحاضر إلى الجيل الحاضر.
يقول تعالى: (لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء,سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق... ذلك بما قدّمت أيديكم وأن الله ليس بظلاّم للعبيد, الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار, قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فَلِمَ قتلتموهم إن كنتم صادقين) آل عمرن/181 –183.
وهؤلاء الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء هم من اليهود الذين عاصروا رسول الله صلى الله عليه وآله, والله تعالى ينسب إليهم جرائم آبائهم في قتل الأنبياء (وقتلهم الأنبياء).
وعندما طلبوا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يأتيهم بقربان تأكله النار أمر الله تعالى نبيه (ص) أن يحاججهم ويقول لهم (قد جائكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فَلِمَ قتلتموهم إن كنتم صادقين) علماً بأن القوم الذين طلبوا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يأتيهم بقربان تأكله النار لم يقتلوا نبياً.
ومؤاخذة الحاضرين وعتابهم بأعمال أسلافهم مذكورة في القرآن الكريم في أكثر من موضع, ولهذه المؤاخذة والعتاب رغم أنهم لم يرتكبوا شيئاً مغزى اجتماعي نعرفه جيداً, إذا عرفنا أبعاد التصور الإسلامي للتاريخ والحضارة ..فإن هذه المؤاخذة لا تتم إلا عندما يرضى الخلف بفعل السلف ولا يتبرأ منه ويدافع عنه وهذه هي الوشيجة والصلة القائمة بين الأجيال من أمة واحدة والتي تربط الأجيال من أمة واحدة وحضارة واحدة بعضها ..ببعض.
فإذا انقطعت هذه الصلة بين الأجيال من أمة واحدة فإنها ستتحول من أمة إلى أمة أخرى وتنقلب من حضارة إلى أخرى فلا تكون بين جيل وآخر صلة أو علاقة ولا مسؤولية ولا مؤاخذة ولا عناء. ومادامت الأمة والحضارة قائمة فإن الحب والبغض والولاء والبراء واحد لا يتغير..وولاء الآباء ينتقل إلى الأبناء وبراءة الآباء تنتقل إلى الأبناء ومحاسبة الأبناء ومؤاخذتهم على جرائم آبائهم تتم على هذا الأساس, ثم نلقي نظرة ثانية على حالة وحدة الولاء والبراءة هذه بين الأجيال فترى أن السلف هو المسؤول عن ولاء وبراءة أبنائهم وانحرافهم وزيفهم وانتمائهم إلى محور الباطل والطاغوت أو في أن يرفع ذلك مسؤولية الأبناء عن انتمائهم إلى محور الشرك والطاغوت ودون أن يسلب ذلك حرية إرادة الأبناء على تقرير مصيرهم بشكل مستقل عن الآباء, كما سوف نتحدث عن ذلك إن شاء الله في العنصر الثاني من عناصر النظرية الإسلامية في التاريخ..فإن الآباء لا شك يمهدون أرضية خصبة للانحراف والشرك والفساد للجيل اللاّحق ويغذون الجيل الذي يأتي من بعدهم بشكل غير مرئي بالفكر والحضارة الجاهلية وينقلون فكرهم وأخلاقهم وأعرافهم وتصوراتهم إلى الجيل الذي يأتي من بعدهم وهذا هو البعد غير المرئي للحضارة.
ونلاحظ بشكل أكثر وضوحاً هذا التصور القرآني للتاريخ والصلة الوثيقة القائمة بين الأجيال من أمة واحدة وحضارة واحدة في دعاء نوح عليه السلام بهلاك قومه (وقال نوح ربّ لا تذر على الأرض من الكافرين ديّاراً,إنك أن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً) نوح/26 –27 .
فالجيل الذي تمرد على الله تعالى ورسوله من قوم نوح لا يلدون إلا فاجراً وكفاراً, وهذه الحضارة والأمة الجاهلية لا تغذي من بعدها من الأجيال إلا الشر والفساد والفجور والكفر.
ولعل الآية الكريمة تلقي ضوءً على هذه الحقيقة (والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه,والذي خبث لا يخرج إلا نكداً)الأعراف /58 .
وبهذه الصورة نرى أن القرآن الكريم يربط الحاضر بالماضي والماضي بالحاضر من أمة واحدة في المسؤولية والمحاسبة والمؤاخذة, فالجيل الحاضر مسؤول عن سلفه والسلف مسؤول عن الخلف, وهذه الآيات المباركات تكشف إلى حد بعيد أبعاد التصور الإسلامي في النسيج الاجتماعي والتاريخي المترابط للأمة الواحدة, وحكومة قانون العليّة في التاريخ والمجتمع وتأثير كل جيل في الأجيال التي تليه في الخير والشر.

الهوامش:
(1) مع فارق نذكره قريباً.
(2) مفردات الراغب 245 .
(3) تفسير البيضاوي 240 .
(4) نهج البلاغة د.صبحي صالح, خطبة 201 ص 319.

المصدر: مجلة رسالة القرآن، العدد الأول.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com