موقع الصراط ... الموضوع : معالم دور المرأة في التصور الإسلامي-2
 
الثلاثاء - 10 / ربيع الثاني / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  معالم دور المرأة في التصور الإسلامي-2  
   
  كتب بتاريخ : الإثنين - 23 / شوال / 1433 هـ
     
  التفاوت بين الرجل والمرأة:
ليس هناك من شك أن الكائنات بصورة عامة تتفاوت في استعداداتها وقابلياتها الطبيعية، وليس هناك شك أيضاً في أن كل استعداد طبيعي يقتضي حقاً طبيعياً، فابن الإنسان مثلاً له حق التعلم والذهاب إلى المدرسة، أما ابن الحيوان فليس له مثل هذا الحق لأن ابن الإنسان يتوفر لديه استعداد التعلم وقابلية الدراسة.
ولكن ماذا عن أبناء الإنسان نفسه؟ هل يختلفون من حيث الاستعداد الطبيعي؟ هناك رأي شبه متفق عليه يقول بأن الناس يتشابهون جميعاً من حيث الاستعدادات الطبيعية، ولهذا فهم متساوون في الحقوق الطبيعية الأولى. فالكل لهم حق التعلم والعمل وممارسة مختلف النشاطات العلمية والأدبية والفنية وغيرها.
غير أن ذلك التساوي في الحقوق الطبيعية الأولى لا يستمر معهم إلى ما لا نهاية.. فهؤلاء الناس سيكونون بالتدريج في وضع غير متساوٍ من حيث الحقوق المكتسبة.. تتدخل في ذلك الظروف وجانب الذكاء والتحرك لدى كل إنسان. ولو أردنا أن نساوي بين هذه الحقوق المكتسبة نكون قد ارتكبنا ظلماً فادحاً...
هذا على صعيد المجتمع.. أما على صعيد الأسرة فهل لأفراد الأسرة وضع متماثل من حيث الحقوق الطبيعية ومتفاوت من حيث الحقوق المكتسبة؟
هناك رأيان على هذا الصعيد(1):
الأول يقول، بان كون الفرد زوجاً أو زوجة، أباً أو ابناً، أماً أو بنتاً، لا يعطيه الحق في أن يكون له وضع خاص.. إنما المزايا المتكسبة هي التي تجعل من هذا رئيساً ومن ذاك مرؤوساً، وهذا مطيعاً وذاك مطاعاً، وهذا أجرته أكبر وذاك أقل. وتقوم فرضية المساواة في الحقوق على أساس هذه الفرضية.
الثاني لا يقول بذلك، ويذهب إلى أن الحقوق الطبيعية الأولى متفاوتة أيضاً على صعيد الأسرة. فالزوج قد أصبح زوجاً لأن هناك حقوقاً خاصة أوجبت ذلك. والزوجة قد أصبحت زوجة لأن وظائف وحقوقاً أخرى قد أوجبت ذلك. وينطبق هذا الأمر أيضاً على الأم الأولاد. وتقوم الفرضية التي يتبناها الإسلام على هذا الأساس.
فنظراً للتفاوت بين الرجل والمرأة من حيث النظام الجسمي والفسلجي والنفسي، فلا بد أن يؤثر هذا التفاوت على تعيين حقوق وواجبات ووظائف كل منهما.. فلم تكن تلك الاختلافات عبثية بل قائمة على أساس وهدف.. ولا بد أن يتناسب دور الرجل والمرأة في الحياة على أساس ما زود الله كلاً منهما من إمكانات جسمية ونفسية.
وهناك شبه إجماع على أن الرجل بشكل عام أقوى من النساء في أغلب الأمور. وبمراجعة للتاريخ يظهر بوضوح أن الرجل متفوق على المرأة في المجالات السياسية والاقتصادية والعلمية والأدبية والصناعية وغيرها. ويعتقد بعض المفكرين وعلماء النفس أن ذلك أمر فطري وطبيعي لا يمكن تلافيه. ومن أدلتهم على هذا الصعيد قولهم: ما الذي حدث في بداية خلق الإنسان حتى أمسك الرجل بزمام الأمور منذ البداية وتفوق على المرأة؟ فلو لم يكن التفاوت الطبيعي قد أعطى الغلبة للرجل قبل أن يظهر الاختلاف في طابع تربية المرأة والرجل خلال الفترة التي كان فيها للاثنين حرية العمل والظهور على الميدان الحياتي، فلماذا أصبحت رئاسة الأسرة والوظائف السياسية والاجتماعية بيد الرجل؟ ولماذا أطاعت المرأة الرجل منذ اليوم الأول وحينما كان الاثنان مجهزين بإمكانات وتجهيزات متساوية وواجها بنفس الظروف والوسائل معركة التنازع على البقاء؟ والدليل الآخر الذي يورده هؤلاء هو ما نشاهده من تفوق وأرجحية للذكور في كافة الحيوانات.
وعلى العكس من ذلك، هناك فئة من الباحثين وعلماء الاجتماع تعتقد أن الرجل والمرأة شريكان في العناوين الأولى للإنسانية، وليس هناك من تفاوت في كفاءة ونشاط هاتين الفئتين، وما يلاحظ من تفاوت إنما هو مجرد نمط تربوي خاص استمر لقرون متمادية وطويلة. ولهذا نجد كلما حظيت الطبقة النسوية بالأهمية والاحتضان، كلما ارتفع مستوى قابلياتها وكفاءاتها على شتى الأصعدة.
وربما فات هؤلاء الباحثين أن الرجل والمرأة مخلوقان متفاوتان خُلق كل منهما لأداء عمل معين، ولم يخلق لهدف واحد. فالبناء الجسمي والعقلي، المادي والمعنوي لهاتين الفئتين والمهام والوظـائف الموكلة لكل منهما تختلف عن بعضها اختلافاً كبيراً. فالمرأة قد خصها الله بخصائص معينة لأداء دور معين وتحقيق هدف معين، والرجل قد خصه الله بخصائص أخرى لأداء دور آخر.. ولا يمكن للحياة الإنسانيّة أن تستمر بدون هذين الدورين...
فالرجل والمرأة أشبه بجسم الإنسان الذي يتألف من عدة أعضاء يشترك كل منها في ضمان بقاء الحياة، وفي حالة اختلال أي منها ستختل الحياة أيضاً. فلا يمكننا مثلاً أن نقول أن القلب أهم من الدماغ أو أن الدماغ أهم من الكبد، أو أن الكبد أهم من الرئة.. لأن عدم وجود أي عضو من هذه الأعضاء يعني موت الإنسان وتوقف عملياته الحيوية. ولهذا فلا يمكن أن نستصغر الدور الذي تقوم به المرأة أو أن نقول بأن دور الرجل أهم منها، أو أن نحاول زج المرأة في معتركات الحياة الخاصة بالرجل.. لأن دور المرأة يضاهي دور الرجل ومكمل له ولأن الحياة لا تستغني عن دور المرأة.
الرجل والمرأة تياران موجب وسالب يجتمعان معاً لإيقاد شعلة الحياة. فلو كان كلاهما من سنخ واحد وعاطفة واحدة وميزان وخصائص واحدة، لما كان بمقدور أي منهما أن يعيش إلى جانب الآخر ولعجز كلاهما عن أداء ما ينتظرهما من مهام اجتماعية وإنسانية.
ولا نتصور أن هناك من يدعي أن المرأة أقوى من الرجل وأن عليها أن تلتزم بواجبات ومهام أكبر من الرجل وأن تواجه مشاكل أكثر.. لكن أولئك القائلين بأن على المرأة أن تشارك الرجل مهماته وواجباته الثقيلة وتناطح المشاكل الحياتية مثله.. هؤلاء يفترضون - من حيث لا يدرون - أن المرأة أقوى من الرجل لأن هذه الأعمال ستُضاف إلى الأعمال الأخرى التي لا يمكن للرجل أن يؤديها وأملتها عليها طبيعة خلقها كالحمل والولادة والإرضاع وتربية الطفل(2).
ولا شك أن التفاوت بين الرجل والمرأة لا يقتصر على الجهاز التناسلي فحسب وإن كان هذا التفاوت ليس بالقليل أبداً لأنه يضع كلاً من الرجل والمرأة أمام مجموعة من الوظائف التخصصية التي لا يمكن لأحدهما أن ينوب عن الثاني في أدائها وما ينعكس عن تلك الوظائف من التزامات لا يمكن أيضاً التنصل عنها. و قد قام البروفسور الأمريكي الشهير (ريك) ببحث طويل دام عدة سنوات على صعيد نفسية الرجل والمرأة، ومما جاء فيه:
(إن عالم الرجل يختلف تماماً عن عالم المرأة، فإذا لم تستطع المرأة أن تفكر أو تعمل كما يفكر الرجل ويعمل فلأنّ عالمها يختلف عن عالمه... إنهما مثل كوكبين يتحركان في مدارين مختلفين وبإمكان كل منهما أن يفهم الآخر ويكمل الآخر، لكن ليس باستطاعتهما أن يكونا شخصاً واحداً... إنّه لمتعب للرجل أن يكون دائماً إلى جانب المرأة التي يحبها، لكن ليست هناك لذة أعظم لدى المرأة من أن يكون الرجل الذي تحبه إلى جانبها دائماً... الرجل يحب أن يظل دائماً على حالته التي هو عليها أما المرأة فتحب أن تكون موجوداً جديداً وتنهض كل صباح بمظهر جديد.. أفضل عبارة يمكن أن يقولها الرجل للمرأة: عزيزتي أني أحبك، وأجمل عبارة يمكن أن تقولها المرأة للرجل: إني افتخر بك... السعادة من وجهة نظر الرجل الحصول على مقام وشخصية محترمة في المجتمع، والسعادة عن المرأة الحصول على قلب الرجل والاحتفاظ به طوال عمرها)(3).
وهنا يجب أن نؤكد على حقيقة مهمة وهي أنّه ورغم الاختلافات الفسلجية والنفسية القائمة بين الرجل والمرأة، فهي لا تعني - كما أشرنا - أن المرأة أقل شأناً من الرجل أو أن الرجل أرفع شأناً من المرأة. لقد أراد الله تعالى من هذه الاختلافات تقوية آصرة المحبة والانسجام بينهما، كما أراد منها تقسيم وظائف ومسؤوليات الأسرة بين الجانبين لا أن تكون حكراً على أحدهما...
(فالمرأة تزاول من الأعمال ما تمتلك من مؤهلاتها وإمكانياتها، والرجل كذلك يزاول منها ما يمتلك من مؤهلاتها وإمكانياتها. وهذا التنوع في الأدوار أمر طبيعي وضروري لا يقتصر على الجانب التشريعي، بل يتعداه إلى التكويني في جميع مرافق الكون ومفاصل المادة. فعالم الكثرة والتعدد يقتضي تعدد وتنوع الحاجيات... وفي هذا التنوع من الحاجيات يتطلب تنوعاً في الأدوار... وبالتالي كان لا بدّ لكل إنسان من مؤهلات تكوينية تجعله مستعداً لأداء الدور الذي أوكل إليه وفي هذا تعاون واجتماع البشر لأنه وإن كان كل ما في عالم الكثرة تعدداً وكثرة تكويناً وتشريعاً، لكن الله عز وجل أراد أن يوحي بالكثرة إلى الوحدة وأن يشير بالتعدد إلى الأحدية)(4)
لكننا وللأسف نشاهد هناك اتجاهين غير سليمين أو موقفين خاطئين حيال المرأة:
الاتجاه الأول يصر على أن التفاوت بين المرأة والرجل في القابليات والاستعدادات الجسمية والنفسية إنما يعد نقصاً للمرأة وكمالاً للرجل. في حين يرى الإسلام أنّ هذا التفاوت بين الرجل والمرأة قائم على التناسب مع الأدوار وليس نقصاً للمرأة ولا كمالاً للرجل. وقد تطرقنا إلى هذه النقطة بالتفصيل.
والاتجاه الآخر يتمثل في تجريد المرأة من خصائصها الإنسانيّة وإلغاء دورها الأساسي الذي يتناسب مع تكوينها تحت شعار حقوق المرأة والمساواة، في محاولة صادقة أم كاذبة لإنقاذ المرأة مما لحقها من ظلم، لكن هذه الحركة (لما أرادت معالجة هذا الخطأ الشنيع اشتطت في الضفة الأخرى وأطلقت للمرأة العنان ونسيت أنها إنسان خُلقت لإنسان، ونفس خُلقت لنفس، وشطر مكمل لشطر، وإنهما ليسا فردين متماثلين، وإنما هما زوجان متكاملان)(5)

الهوامش:
(1) نظام حقوق المرأة في الإسلام :ص144، 145 .
(2) حقوق المرأة في الإسلام وأوربا، حسن الصدر، ص215 ـ 267.
(3) نظام حقوق المرأة في الإسلام ص165 ـ 166.
(4) المرأة في العرفان، جوادي آملي، ص10 ـ 11.
(5) في ظلال القرآن، سيد قطب، مجلد2، ص263.

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com