موقع الصراط ... الموضوع : العصم والذنوب -2
 
الثلاثاء - 5 / ربيع الأول / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  العصم والذنوب -2  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 11 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  ما هي هذه العصم؟
العصم التي جعلها الله واقية للإنسان كثيرة منها صفات ذاتية فطرية منحها الله للإنسان، ومنها أعمال أمره الله أن يقوم بها، لتمنحه ملكة التقوى، وقوة الإرادة أما الصفات الذاتية فأهمها:
1- الحياء: وهي حالة نفسية تمنع الإنسان عن ارتكاب المنكرات والقبائح، ولذا جُعلت شرطاً لوجود الإيمان يقول الإمام الصادق (ع): (لا إيمان لمن لا حياء له) وذلك لأنها عصمة للإنسان وجُعل الحياء قرين الإيمان يقول رسول الله (ص): (الحياء والإيمان قرناء جميعاً فإذا رفع أحدهما رفع الآخر) والحياء خصيصة اختص بها الإنسان دون باقي الحيوانات.
يقول الإمام الصادق (ع) للمفضل بن عمر: (انظر يا مفضل إلى ما خُص به الإنسان دون جميع الحيوان من هذا الخلق الجليل قدره العظيم غناؤه اعني: الحياء فلولاه لم يقر ضيف، ولم يوف بالعداة ولم تقض الحوائج، ولم يتحر الجميل، ولم يتنكب القبيح في شيء من الأشياء حتى أن كثيراً من الأمور المفترضة أيضاً إنما يفعل للحياء فإن من الناس من لولا الحياء لم يرع حق والديه، ولم يصل ذا رحم، ولم يؤد أمانة، ولم يعف عن فاحشة... أفلا ترى كيف وفى الإنسان جميع الخلال التي فيها صلاحه وتمام أمره)
2- الضمير: والضمير لغة: (السر وداخل الخاطر، والجمع الضمائر... وقيل: الضمير الشيء الذي تضمره في قلبك تقول: أضمرت صرف الحرف إذا كان متحركاً فأسكنته، وأضمرت في نفسي شيئاً والاسم الضمير، والجمع الضمائر... وأضمرت الشيء أخفيته...الخ)
واصطلاحاً: الضمير هو الشعور والوجدان الداخلي في نفس الإنسان أي ما يضمره من خير أو شر فمن كان ذا وجدان وضمير حي فضميره يمنعه عن الوقوع في الموبقات. وبالعكس من كان ضميره مرتعاً للشيطان يكون قد خسر إحدى العصم الأساسية في حياته،والضمير قلعة مهمة في حياة الإنسان، وأخر القلاع التي يقتحمها الشيطان.فإذا استحوذ عليها الشيطان فَقد الإنسان كل حصاناته.واصبح الشيطان يتصرف به كما يشاء.
3- التقوى: وهي من أهم العصم التي تعصم الإنسان من الانحراف والتقوى هي الالتزام بحدود الله فمن يتقي الله فإن الله يحميه؛ ولذا عبر القرآن عن التقوى (بالباس)، قال تعالى: ((ولباس التقوى ذلك خير)) (الأعراف:26) وبعبارة أخرى: التقوى مقاومة إيجابية إزاء المخالفات الشرعية.
4- العفة: وهي ملكة نفسية رفيعة تمنح الإنسان قدرة على الترفع عن الوقوع في الدنايا والخسائس، وبذلك تعصم الإنسان عن الوقوع في حبائل الشيطان، ولذلك اعتبرت أفضل ما عُبد الله به فقد جاء في أحاديث كثير ذكر هذه السمة الحسنة، يقول الإمام الباقر (ع): (ما عُبِدَ الله بشيء أفضل من عفة بطن وفرج)
وعن أمير المؤمنين (ع): (أفضل العبادة العفاف) والقرآن الكريم جعلها وقاية من إلحاح الشهوة، يقول تعالى: ((ولباس التقوى ذلك خير))
فالاستعفاف هنا عبارة عن حصن وساتر يقي الإنسان من الوقوع في الزنا... وبعد ذلك فالعفة وقاية من إلحاح غريزة التملك، يقول تعالى في وصف المؤمنين الفقراء: ((يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم)) (البقرة:273)
وهكذا فكل الملكات النفسية الحالية هي عصم تحمي الإنسان من هوى نفسه، ومغريات الدنيا والشيطان نذكر منها:
أ- الورع: جاء في الحديث الشريف عن أبي عبد الله (ع) أنه قال: (اتقوا الله وصونوا دينكم بالورع)
ب- الصبر: وهو الملكة الجامعة لكل الملكات الخيرية في الإنسان فمن كان صبوراً نال خير الدنيا والآخرة وعصمه الله من كل موبقة، عن الإمام الباقر (ع): (الصبر صبران: صبر على البلاء، حسن جميل، وأفضل الصبرين الورع عن المحارم)
ج- الحلم: ورد عن أبي عبد الله (ع): (كفى بالحلم ناصراً)
د- الرفق: قال رسول الله (ص): (إن في الرفق الزيادة والبركة، ومن يحرم الرفق يحرم الخير)
وعن أبي جعفر (ع): (إن لكل شيء قفلاً وقفل الإيمان الرفق)
هـ- المداراة: عن أبي عبد الله (ع) قال: (قال رسول الله (ص): ثلاثة من لم يكن فيه لم يتم له عمل... وخلق يداري به الناس وحلم يرد به جهل الجاهل)
و- التواضع: عن أبي عبد الله (ع) قال: (فيما أوحى الله عز وجل إلى داود (ع): يا دود كما أن أقرب الناس من الله المتواضعون كذلك أبعد الناس من الله المتكبرون)
ز- القناعة: عن أبي عبد الله (ع)قال: (من قنع بما رزقه الله فهو من أغنى الناس)
وعنه (ع) أنه قال لرجل سأله أن يعلمه شيئاً ينتفع به: (إن كان ما يكفيك يغنيك فأدنى ما فيها يغنيك، وإن كان ما يكفيك لا يغنيك فكل ما فيها لا يغنيك)
هذه أهم الملكات النفسية التي جعلها عصمة للإنسان من الذنوب، وأما الأعمال والعبادات التي تعصم الإنسان، فأهمها:
1- الصلاة: يقول تعالى: ((إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر)) (العنكبوت:45)
2- الصوم: ورد في الحديث: (إن الصوم جنة من النار)
3- ذكر الله: فإن الذكر يحيي القلب ويوقض الضمير ((ألا بذكر الله تطمئن القلوب)) (الرعد:28)
4- ذكر الموت: كفى بالموت واعظاً، ويقول أمير المؤمنين (ع): (وأكثروا ذكر الموت عند ما تنازعكم (إليه) أنفسكم من الشهوات، وكفى بالموت واعظاً، وكان رسول الله (ص) كثيراً ما يوصي أصحابه بذكر الموت فيقول: أكثروا ذكر الموت فإنه هادم اللذات، حائل بينكم وبين الشهوات)
وهكذا جميع الفرائض الإلهية هي عصم تحجب الإنسان عن ارتكاب الذنوب، ولذا سميت حدود الله، وفي الحديث المشهور: (لا إله حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي)
فالصوم والصلاة وغيرها من الفرائض عصمة ووقاية عن الذنوب، يقول أحدهم: (كنا نمشي في طريق، فعرض لنا قطاع طرق فسلبوا كل ما عندنا، وكان الوقت في شهر رمضان، وبعد أن أخذوا كل ما عندنا جلسوا يأكلون، فأكلوا إلا كبيرهم ورئيسهم لم يأكل، فجئت إليه، وقلت: مالك لا تأكل؟ فقال: أنا صائم. فقلت: كيف تصوم وأنت تقطع الطرق، وتأخذ أموال الناس؟ فقال: إن شهوتي قطعت كل ما بيني وبين الله، ولم يبق لي إلا هذه العصمة وهي الصوم، ثم بعد سنة ذهبت إلى الحج، وإذا بذلك الرجل يطوف، ويبكي، ويستغيث إلى الله، فسألته فقال: ألم أقل لك إن هذه العصمة وهي الصوم، استرجتعني إلى الله تعالى...)
وبهذا المعنى يقول حافظ الشاعر الفارسي: (إذا أردت أن تقطع الحبل الذي بيدك وبين حبيبك فاقطعه بحيث إذا ندهت تستطيع أن تعقده بغير ذلك...)
ونحن نسمع كثيراً في التاريخ أن أناساً كانوا منغمسين في شهواتهم ثم إذا بهم يتوبون ويرجعون إلى الله، ورأينا رجالاً كانوا في قمة العلم والإيمان ثم هووا إلى القاع، وقصة بشر الحافي خير دليل على ذلك، كيف ارتكس في الرذيلة، وانقلب ورجع إلى الله بكلمة سمعها من الإمام موسى بن جعفر، ومثله قصة الفضيل بن عياض وكيف رجع إلى الله.
ونسمع بقصة الشلمغاني وكيف سقط، وإبليس كان أكبر من الشلمغاني كان يسجد سجدة واحدة لمدة ألفي عام، ونتعجب من ذلك كيف يهوي الإنسان من القمة إلى القاع، وكيف يرتفع من الحضيض إلى قمة الجبل، والذي ينبغي أن يلتفت إليه أن هذه الأمور لم تحدث صدفة، وأن كنا نراها مباغتة ومفاجئة، بل هذا قانون هو قانون حسن العاقبة، وسوء العاقبة هذا الذي هوى صحيح أنه انحرف إلا أنه أبقى بينه وبين الله صلة وسط سيئاته الكثيرة، وهذه الصلة هي التي جذبته إلى الله تعالى.
وهذا الخط الذي أقام بنياناً شامخاً، ظاهره جميل يجذب الأنظار إليه، ولكن كان من داخله منخور فهذا أعماله كلها كانت رياء وسمعة واستجابة للهوى فهذا البنيان الجميل قائم لامع، وإذا به يهوي مرة واحدة، وفي الحقيقة أن هذا البناء كان من أول أمره مبني على أساس من رمل، وما أصدق قوله تعالى: ((أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان من الله خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هارٍ فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين * لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم)) (التوبة:109-110)
والعجيب أن هذا البناء قد صب الإنسان فيه كل جهده، وكرس له كل حياته، وبنى عليه كل آماله وفكره وطموحه، ولا يمكن انتزاعه من قلبه ثم يتحول إلى ريبة، ولجاج، وعناد؛لأنه لم يؤسس على تقوى من الله.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com