موقع الصراط ... الموضوع : موقف الإسلام من الحكم والسيادة-3
 
الأربعاء - 17 / جمادي الأول / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  موقف الإسلام من الحكم والسيادة-3  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 28 / شوال / 1433 هـ
     
  الفرع الثاني: العلمانية الغربية وآثارها على العالم الإسلامي:
والمقصود بالعلمانية: - المأخوذة من كلمة (العالم) أي(الزمان) ـ أن يكون الحكم بيد قادة زمنيين لا يلتزمون بالدين تشريعاً وتنفيذاً. ومن الخطأ تفسيرها بأنها مذهب يدعو للاستفادة من العلم الحديث مثلاً أو أنها مجرد مذهب يدعو لإقامة التنظيم الإداري والاجتماعي على أسس عملية مدروسة وأمثال ذلك.
وقد نشأ هذا المذهب من خلال إرهاصات عديدة وصراعات بين السلطة الدينية والسلطة المدنية في الغرب، وهو ما اعترفت به المسيحية بادئ الأمر، مما خلق هذا التناقض المرير، وأدى في النهاية إلى هذا المذهب.
وقد ذكر بعض الكتّاب أن دعاة العلمانية يسوقون الحجج التالية لضرورة بناء الدولة العلمانية، واستمداد التشريع والتنفيذ من غير الدين، بل وعدم إعطائه محلاً لائقاً في المجتمع، وهي:
1- إن الدولة الدينية تعني سيطرة رجال الدين مما يعني تحكّمهم بمصائر الناس.
2- إن قوانين الدولة الدينية ثابتة كنظرتها إلى الحقيقة وهي تؤدي بالتالي إلى جمود المجتمع وعدم تطوره، وهذا شبيه بما قاله الماركسيون لرد الفلسفة المثالية، والقول بتطور الحقيقة نفسها.
3- ومن النادر وجود دولة ينتسب جميع مواطنيها إلى دين واحد، فإذا كانت الحكومة دينية وقع التمييز بين المواطنين.
4- إن الدين له تصورات معينة عن الكون والحياة والإنسان والتاريخ، والدولة الدينية تتبع تلك التصورات، مما يعرقل التقدم العلمي، ويقود إلى فجائع حفل بها التاريخ.
5- جاء في تصريحات بعض القادة العلمانيين أن المناداة بدولة دينية تعني إعطاء إسرائيل مسوّغاً لقيامها واعتدائها، وهي بالتالي خدمة للصهيونية العالمية.
هذا في حين تتمتع الدولة العلمانية بالخصائص التالية:
1- الحركية والاستمرار والتطور الاجتماعي.
2- مركز حقوقي متساو لجميع المواطنين على اختلاف انتماءاتهم الدينية.
3- سيطرة الشعب على الحكم وكونه مصدر السلطات.
4- فسح المجال لحركة التقدم العلمي.

العلمانية والإسلام:
لا ريب في أن المسيحية قنعت بنصيب ما منحتها إياه بعض العلمانيات المعتدلة بحيث تقوم بنشاط معيّن في إطار الدولة العلمانية، في قبال العلمانية الماركسية التي رفضت أي نشاط متصور لها، وهذا ما حدث أخيراً في ايطاليا مثلاً. ولكن ما هو موقف الإسلام منها؟ وهل تمتلك مسوّغاتها في الحقل الإسلامي؟ إننا نرى أن الإسلام لم يدع - منذ البدء- مجالاً لحدوث هذه النتيجة بعد أن قرر:
أولاً: وحدة السلطتين الدينية والسياسية بل جعل تعيين الإمام (وهو القائد السياسي والديني في آن واحد) إتماماً للدين وإكمالاً للنعمة السماوية على الأرض كلها، ولم يسمح بأي انفصال جوهري بينهما، وأي انفصال رئي بعد ذلك فإنما كان يعبّر عن تطبيق غير سليم للإسلام.
وإذا رجعنا إلى ملاحظة صفات الإمام أو الحاكم في الإسلام لم يبق مجال مطلقاً لتصور عملية تكريس للذات ومصالحها، بعد فرض علمه الفقهي الواسع والتزامه الكامل بتطبيق الشريعة الإسلامية المقررة. هذا والتاريخ يشهد على السيرة الممتازة التي سار فيها قادة المسلمين، بغض النظر عن بعض الذين تمادوا وطغوا. وإذا نظرنا إلى نظام (نيابة الفقيه عن الإمام) وولايته وجدنا أن الفقيه لا يمتلك هذا المقام إلا بعد توافر شروط أهمها (الكفاءة، والعدالة، والفقه العميق) ويفقد أي قدرة بفقدان أي منها، والأمة المشبعة بروح هذه الشروط هي المراقبة لسير هذا الفقيه كما أن مجلس الفقهاء العدول الأكفاء هو الحارس الأمين على السير الصحيح(1).
وحتى إذا نظرنا لنظام الشورى - بدون ولاية لشخص ما- نجد أنه أفضل بكثير من أي نظام زمني يسلّم أموره كلها لآراء الشعب، لأنه يسير وفق تشريع سماوي مسبق وطبق ضوابط شرعية.
وعلى أي حال، فإن الإسلام لم يفسح المجال مطلقاً لظهور هذه الثنائية بين السلطة المدنية والسلطة الدينية، وهي من أفدح الأخطاء التي تفقد السلطة السياسية دورها الحقيقي، في نفس الوقت الذي تشوّه حقيقة الدين وتوجهه للحياة.
ثانياً: خطط الإسلام للجانب المتغير من الحياة، فوضع القواعد العامة، والأحكام الظاهرية والاضطرارية، وفتح مناطق فراغ يملؤها الحاكم الإسلامي الفقيه العادل في ضوء مشورته ومتطلبات الظروف، إلى جانب إشباعه للجانب الثابت في الحياة الإنسانية - وهو الجانب الفطري الأصيل - بقوانين ثابتة، فلا مجال إذن للجمود وأمثال ذلك.
وقد تصور هؤلاء أن الدولة الدينية لما كانت تقوم على الإيمان بحقائق فلسفية مطلقة ثابتة، بل وتؤمن بلزوم الإطلاق في الحقيقة بمعنى (مطابقة الفكرة للواقع الخارجي) فهذا يعني الإيمان بقوانين اجتماعية ثابتة لا تتغير مطلقاً، وهو لا يعدو مجرد خلط وسخف، فالإيمان بالحقيقة المطلقة شرط، لئن نفترض إمكان المعرفة وحصول اليقين بالواقع الموضوعي الخارجي، ولا ربط له بالإيمان بثبات كل النظم الاجتماعية، أو عدمه.
إن الإسلام يؤمن بتطوير كثير من الجوانب الاجتماعية في نفس الوقت الذي يؤمن فيه بثبات الحقيقة الفلسفية، لأنهما مجالان لا ربط بينهما ولا يخلط بينهما إلا جاهل أو مغالط.
ثالثاً: إن الإسلام أعطى الدين مفهومه الصحيح، فلم يعد مجرّد شأن شخصي يمكن أن يتنازل عنه الفرد لصالح النظام الاجتماعي العام - كما اعتبره الغربيون - ومن هنا قالوا بأن إقامة الدولة الدينية تعني إعطاء امتيازات شخصية لأتباع الدين دون غيرهم، وإنما عاد الدين كل شيء في حياة الإنسان،لأنه تصورات واقعية عن الكون والإنسان يثبتها المنطق الصحيح، ونظم تعالج مسيرة الإنسان في ضوء علم الهي غير محدد وحكمة شاملة. ومع هذا التصور والمبدأ يختلف التقييم.
إن الدين حينئذ يحاول أن يبني الإنسانية الصالحة لا أن ينظم مجرد علاقة روحية شخصية للفرد بخالقه. وانطلاقاً من هذا المبدأ، فمن الطبيعي أن نتوقع للإسلام أن يقود الحياة كلها، ولا يسلّم أموره بيد دولة لا تؤمن به، ومن الطبيعي بحكم كونه ديناً مخولاً من رب الإنسانية أن يدعو الناس جميعاً للدخول تحت سلطته. كما أن من الطبيعي أن يكون المسلم المنسجم مع الهدف أوسع حقوقاً كما يكون أكثر تجمّلاً للمسؤوليات في الدولة المسلمة.
وهذا لا يعني أن الإسلام يعمل في وضع تمايزات كبرى في دولته بين المسلم وغير المسلم، وإنما يقيم توازناً بين الحقوق والمسؤوليات، كما هو مبين في متون الفقه الإسلامي.
وربما نجد بعض المفكرين المسلمين يعالجون المسألة من سبيل آخر فيدعون أن وجود دولة مسلمة في الأقطار الإسلامية أمر طبيعي وسائر وفق القوانين الديموقراطية بعد انتخاب الأكثرية المسلمة لها. وهذا الإصلاح أمر لا مسوّغ له بعد ملاحظة التصور الإسلامي للحكم، وأن الإسلام لا يحكم من خلال هذا المنطق، وليس لمبدأ الأكثرية تأثير إلا في إطار سماح المذهب الإسلامي للحكم. والواقع أننا يجب أن لا نجعل الديموقراطية هي الأصل الذي يقرر مصير الحكم الإسلامي، والتشريعات الإسلامية للحياة، فالعكس هو السبيل المنطقي الصحيح.
رابعاً: ولا نجد هنا حاجة لتوضيح موقف الإسلام من التقدم العلمي واحتضانه للعلماء في مختلف المجالات ويكفيه أنه صنع - رغم الانحراف في تطبيقه - الحضارة العلمية الناصعة في عصر كانت أوربا تغط فيه في سبات قاتل. والواقع أنه لا يمكن تقديم مثل واحد يوضح وقوف الإسلام أمام أي تقدم إنساني، في حين يمكن تقديم الأمثلة الكثيرة على تنمية الإسلام لروح التقدم الإنساني والبحث. وقد فرض الإسلام - كفاية - العمل على كون المجتمع الإسلامي دائماً في طليعة المجتمعات. نعم كان التقدم العلمي في الإسلام إنسانياً أي منسجماً مع التقدم الأخلاقي لا متعارضاً معه، وهذا له مجاله الرحب من الحديث.
وعليه، فإن العلمانية تفقد أي مسوّغ لها في الإطار الإسلامي، وإنما حمل لواءها الاستعمار وعاونه بعض المسيحيين والمسلمين المتفرنجين، ورفعوا لواء الإصلاح ونجحوا في ما قاموا به على اختلاف في درجات النجاح، ولكن النتيجة لم تكن إلا التخلف وربط مسيرة الأمة بعجلة الغرب وفقدان الأمة جل خصائصها الايجابية وتحكّم الطغاة فيها بمختلف الألوان.

الهوامش:
(1) يراجع كتابنا (حول الدستور الإسلامي) إصدار منظمة الإعلام الإسلامي، معاونية العلاقات الدولية.
يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com