موقع الصراط ... الموضوع : المذهب التأريخي في القرآن-3
 
الثلاثاء - 6 / جمادي الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  المذهب التأريخي في القرآن-3  
   
  كتب بتاريخ : الأحد - 29 / شوال / 1433 هـ
     
  تطرقنا في الحلقات السابقة إلى قانون العلية باعتباره الأساس الأول في حركة التأريخ، وسوف نواصل الحديث عن الأساسين الآخرين (حرية إرادة الإنسان، والرعاية الإلهية) وفيما يلي التفصيل.
2 ـ حريّة الإِرادة
العنصر الثاني من عناصر المذهب التاريخي في الإسلام حريّة إرادة الإنسان.
والتاريخ وان كان يتحرك بموجب قانون العليّة حركة حتمية، لكن الإنسان ـ بما آتاه الله من القدرة على الاختيار والإرادة ـ يمسك بيده ناصية التاريخ، ويحرك التاريخ. فتخضع حركة التاريخ لاختيار الإنسان وإرادة الإنسان.
من دون أن ينتقض قانون العلّيّة أو تختل حتمية هذا القانون.
إنّ الطائرة تطير في الجو والباخرة تجري في البحر بموجب قوانين الميكانيك والفيزياء الحتمية وبموجب سلسلة من الأسباب والعلل التي تخضع لقانون العلّيّة وأحوال هذا القانون بشكل دقيق.. ولكن الطيار والربّان يتحكّمان أيضاً وبصورة دقيقة في مسير وحركة الطائرة والباخرة... وليس معنى ذلك أن يختل قانون العلّيّة أو ليعطل أصل الحتمية في قانون العلّيّة، وإنّما الإنسان يقع في سلسلة المصادر والأسباب التي تحرّك التاريخ، فيحرّك الإنسان عجلة التاريخ ضمن قانون العلّيّة بالطريقة التي يريدها.
العلاقة بين حرّيّة الإِرادة وحتمية القانون:
وهذه العلاقة بين حريّة إرادة الإنسان وحتميّة قانون العلّيّة والتداخل الذي يقع فيما بين هذين الأمرين في الحضارة والمجتمع والتاريخ أدىّ في تاريخ الفكر الإنساني إلى تعقيدات فكرية وتصورية كثيرة، وظهور مذاهب متطرفة في الفلسفة.
والقرآن الكريم يصوّر هذه العلاقة بصورة دقيقة ويربط احدهما بالآخر ربطاً محكماً ولا ينفي أيّا منهما على حساب الآخر، فيقر بهذا وذاك، ويعطي المحصلة الناتجة منهما بشكل دقيق.
ففي الوقت الذي يعترف القرآن للإنسان بحريّة إرادته واختياره، يربطه بنتائج اختياره ربطاً حتمياً ويحّمله مسؤولية إرادته واختياره. فهو عنصر حر وفاعل ومؤثر في مجرى التاريخ، إلاّ أنه رغم ذلك كله لا يستطيع أن ينفلت من قبضة الحتمية العلّيّة، وبالتالي لا يستطيع أن ينفلت من نتائج وآثار فعله.
إنه يستطيع أن يحقق ما يريد، ولكن في دائرة الحتمية العلّيّة، ودون أن يستطيع أن يتخلص من نتائج اختياره وإرادته.
إنّ للإنسان حريّة كاملة في أن يختار السُمّ أو الغذاء، ولكنه لا يستطيع أن يتخلّص من النتائج الحتميّة المترتبّة على كل منهما، عندما يختار أيّا منهما... وبالتالي فهو، باعتبار النتائج التي ينتهي إليها، يخضع للحتمية العلّيّة وباعتبار المبادئ التي ينطلق منها ينطلق من إرادة حرّة، مستقلّة غير خاضعة لأيّة حتميّة.
ولربّما نجد في الحديث التالي بعض الأضواء على هذه الحقيقة: ـ
روي أن أمير المؤمنين ـ (عليه السلام) ـ عدل من عند حائط مائل إلى مكان آخر، فقيل له: يا أمير المؤمنين، تفر من قضاء الله؟ فقال (عليه السلام): ((أفر من قضاء الله إلى قدر الله))(1).
فإنّ للإنسان أن يختار أيّاً منهما باختياره وإرادته فيجلس تحت الحائط المائل أو يغير مكانه إلى نقطة أخرى بعيدة عن الخطر. ولكن إذا اختار الجلوس في النقطة الأُولى فإن وقوعه تحت الخطر نتيجة حتمية لا يمكن أن يتخلص منها.
فللّه ـ تعالى ـ في الحقيقة قضاءان حتميان، للإِنسان أن يختار أيّا منهما بإرادته واختياره، الخطر والسلامة، فإذا اختار الأول كان الوقوع تحت الخطر نتيجة حتمية لفعله وإذا اختار النقطة الثانية كان خلاصه من الخطر وسلامته نتيجة حتمية أيضاً، من دون أن تعارض هذه الحتمية قدرة الإنسان على الاختيار. وهذا هو، بالضبط ما يجري في تعامل الإنسان مع المجتمع والتاريخ.
حريّة الاختيار إلى جانب حتمية النتائج:
وإلى هذه الحقيقة المزدوجة تشير آيات كتاب الله إشارات واضحة.
فمن ناحية يقرر القرآن الكريم حريّة إرادة الإنسان بصورة قوية وواضحة ومن دون أي تحفّظ، ومن ناحية أخرى يقرر القرآن حتمية النتائج التي تترتب على اختيار الإنسان وحريته، ومسؤولية الإنسان عن أفعاله واختياراته.
وفيما يلي نشير إلى هذه الحقيقة القرآنية المزدوجة من طائفة من الآيات:
الطائفة الأولى، هي التي تقرر حريّة إرادة الإنسان والطائفة الثانية هي التي تقرر حتمية نتائج هذا الاختيار ومسؤولية الإنسان عنها.
الطائفة الأولى:
وهي طائفة واسعة من الآيات نذكر منها قوله تعالى:
(إِنّا هَدَيْنَاهُ السّبِيلَ إِمّا شَاكِراً وَإِمّا كَفُوراً). (الإنسان / 3)
(بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ). (البقرة / 90)
(إِنّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئاً وَلكِنّ النّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ). (يونس / 44)
(قُلْ يَا أَيّهَا النّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقّ مِن رَبّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى‏ فَإِنّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلّ فَإِنّمَا يَضِلّ عَلَيْهَا). (يونس / 108)
(وَمَن يُرِدْ ثَوابَ الدّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا). (آل عمران / 145)
(مَن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدّنْيَا فَعِندَ اللّهِ ثَوَابُ الدّنْيَا وَالآخِرَةِ). (النساء / 134)
(قُلْ كُلّ يَعْمَلُ عَلَى‏ شَاكِلَتِهِ فَرَبّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى‏ سَبِيلاً). (الإسراء / 84)
(فَمَن شَاءَ اتّخَذَ إِلَى‏ رَبّهِ سَبِيلاً). (الإنسان / 29)
الطائفة الثانية:
وفي القرآن طائفة أخرى واسعة من الآيات تدل على أن اختيار الإنسان هو أساس ومادة تاريخ الإنسان، وأن هذا الاختيار إن كان خيراً أو شراً، يصنع بصورة حتميّة تاريخ الإنسان، ولا يستطيع الإنسان أن يتخلص من نتائج عمله وكسبه، ويقع اختيار الإنسان وكسبه، واختيار الأمة وكسبها في سلسلة علل وأسباب التاريخ. وتعمل هذه العلل والأسباب عملها بصورة حتميّة في حياة الإنسان وتاريخه وتستتبع النتائج المترتبة عليها بصورة قطعية وحتمية... ولكن مبادئ هذه الحتمية التاريخية تقع في يد الإنسان وتحت اختياره. ولْنقرأ شطراً من هذه الآيات من كتاب الله:
(كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ). (المدثر / 38)
كل نفس رهينة بأعمالها لا تستطيع أن تتخلص من النتائج الحتمية التي يستتبعها عملها وكسبها.
وكسب الإنسان وعمله يقع تحت اختياره، ولكن النتائج التي يستتبعها عمله وكسبه تقع بصورة حتمية ويكون هو رهيناً بها.
(وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكم موعداً) (الكهف/59)
وهلاك الأمم والأقوام - والحديث هنا على الأمم وليس عن الأفراد - نتيجة حتمية لظلم الأمم وفسادهم.
(فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون، فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين) (الأنعام/44-45)
ويبدأ الأمر من هذه المسيرة الحضارية: الإنسان حين يعرض عما ذكره الله به وعن ذكر الله تأتيه سنة الاستدراج ويفتح الله عليهم أبواب كل شيء ثم يأتيهم بعد سنة المحق والهلاك بصورة حتمية:
(ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض، ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون) (الأعراف/96)
(وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى) (النجم/39-41)
(ووفيت كل نفس ما عملت، وهو أعلم بما يفعلون) (الزمر/70)
(من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) (النحل/97)
(تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون) (البقرة/134)
(لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) (البقرة/286)
(ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون) (المائدة/65-66)
(ويا قومِ استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدراراً ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تولوا مجرمين) (هود/52)
(وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقاً) (الجن/16)
(والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون) (النحل/41)
أمر بين الأمرين:
وهذه الحالة التي يشرحها القرآن الكريم في هاتين الطائفتين من الآيات تقرر وتوضح معنى النص المعروف الوارد عن أهل البيت عليهم السلام من (الأمر بين الأمرين) في الصراع العقائدي الذي احتدم بين المسلمين في إثبات الحرية لإرادة الإنسان أو نفي الحرية عن إرادته، فقد طرح أهل البيت عليهم السلام في هذه المعركة الفكرية مبدأ (الأمر بين الأمرين) في مقابل النظريات الفكرية المتطرفة التي تبناها كل من طرفي الصراع في الحرية المطلقة لإرادة الإنسان أو نفي الحرية عن إرادة الإنسان بشكل مطلق.
ولعل الآيتين الكريمتين تشيران إلى هذه الحقيقة.
(ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) (الأنفال/52)
(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) (الرعد/11)
وفي هاتين الآيتين يوجد تغييران اثنان:
1- تغيير الإنسان لنفسه.
2- تغيير الله تعالى للإنسان، وهذا التغيير الثاني يجري بموجب السنن والقوانين الإلهية الحتمية وينسبها القرآن الكريم إلى الله تعالى بصورة مباشرة على طريقة القرآن التوحيدية من إسناد الكون إلى الله عز شأنه.
والتغيير الثاني يتبع التغيير الأول، فكيفما يصنع الإنسان بنفسه من تغيير يصنع الله تعالى به بموجب القوانين والسنن الإلهية الحتمية.
إن للإنسان ملء الحرية أن يختار هذا الطريق أو ذاك، ولكنه إذا اختار أحدهما فلا يملك التخلص من النتائج الحتمية المترتبة عليه.
الخلاصة والنتيجة: إن القرآن الكريم يقرر العلاقة بين هذه الحرية وتلك الحتمية بصورة رائعة ودقيقة ومتينة، ويأخذ بنظر الاعتبار كلاً من العاملين الأساسيين في حركة التأريخ ويربط بينهما ربطاً علمياً في غاية الدقة والمتانة.
فليس التاريخ - وهنا النظرية - حركة منفلتة من قانون العلية وأصوله الذي ينظم الكون كله، وليس التاريخ بدعاً من الأمور والأشياء التي تخضع للحتمية العلمية كما يقول أصحاب النظرية التأريخية.
وفي نفس الوقت لا تكاد تشبه قوانين التاريخ القوانين الفيزياوية، ولا الحتمية التاريخية الحتمية الفيزياوية، ونحن عندما نؤمن بالحتمية التأريخية لا نريد أن نكرر ما يقوله أصحاب نظريات الحتمية التأريخية في إلغاء دور الإنسان الفاعل في تغيير مسار التأريخ، وإعطاء مسار دوري ثابت لتأريخ الإنسان..
إن النظريات التأريخية المعروفة بالاتجاه الجبري في التاريخ تكاد تلغي الدور التاريخي الفاعل للإنسان في حركة التأريخ، وتعتبر الإنسان جزء صغيراً جامداً في عملية التأريخ الكبرى التي تتحرك بقانون العلية والأمر ليس كذلك، وحركة التاريخ لا تشبه الحركة الفيزياوية الدائرية في الكون، وإذا جاز لنا أن نرسم المسار الكلي لحركة التأريخ فلا بد أن نقول إن حركة التأريخ حركة متعرجة صاعدة ونازلة، وليست دائرية ولا يمكن التنبؤ الدقيق بها إلا بموجب القانون الكلي الذي يعطيه القرآن الكريم لهذه الحركة.
(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) (الرعد/11)
كيف يخترق الإنسان قهر البيئة؟
وقد يقال إن (إرادة الإنسان) تقع مقهورة للمحيط وللمجتمع، عندما يكون ضغط المحيط قاهراً على الإنسان فلا يستطيع أن يغير أو يبدل شيئاً من المجتمع، ولن يكون دوره دوراً تغييرياً فاعلاً في المجتمع...
وعلى ذلك فإن الفرد لا يكاد يملك حرية التحرك، واتخاذ القرار بغير الاتجاه العام الذي يتحرك فيه المجتمع.
وتكون النتيجة على كل حال حتمية حركة التأريخ، وحتمية التبعية للفرد تجاه المجتمع.
والقرآن الكريم يوضح هذه النقطة بدقة واهتمام، ويبين أن الله تعالى قد زود الإنسان إلى جانب الإرادة والقدرة على اتخاذ القرار بالعقل والبصيرة والفطرة التي تمكنه من التشخيص السليم والتمييز الدقيق.
وتبعية الفرد للمجتمع الفاسد تقع نتيجة فقدان الوعي والقدرة على التشخيص عند الفرد... أما حينما يمتلك الفرد الوعي الكافي، والقدرة الكافية على التشخيص فإن إرادة الإنسان تكون قادرة على التخلص من الظروف الاجتماعية مهما كان سلطانها، وقوتها.
ويشير القرآن إلى منابع الوعي والفطرة والهداية الإلهية للإنسان في داخل نفسه وفي الخارج.
(فأقم وجهك للدين حنيفاً، فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (الروم/30)
(إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً) (الإنسان/3)
(وهديناه النجدين) (البلد/10)
(لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) (البقرة/256)
وعليه فإن الله تعالى قد خلق للإنسان نوراً يمكنه من التشخيص والتمييز، وخلق له إرادة تمكنه من اتخاذ القرار، فلا يكون الفرد عنصراً جامداً ومقهوراً للمحيط الاجتماعي في حركة التأريخ.

الهوامش:
(1) بحار الأنوار 5/97 و 114 من نفس الجزء .
يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com