موقع الصراط ... الموضوع : معالم دور المرأة في التصور الإسلامي-3
 
الجمعة - 22 / ذي الحجة / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  معالم دور المرأة في التصور الإسلامي-3  
   
  كتب بتاريخ : الإثنين - 0 / ذي القعدة / 1433 هـ
     
  المساواة في الحقوق:
لا زال الحديث عن المساواة بين المرأة والرجل حديثاً ساخناً حتى يومنا هذا، ولازال أيضاً هذا الشعار المطروح من قبل الدول الغربية بالدرجة الأولى بعيداً كل البعد عن التطبيق في هذه المجتمعات، لأن المرأة في الغرب لم تساوِ الرجل، بل فقدت جزء كبيراً من شخصيتها كإنسانة وامرأة وأم. فالغرب عندما أراد للمرأة أن تخلع عنها لباس الأنوثة وترتدي زي الرجولة يكون قد وجه ضربة كبرى إليها لأنه قد أخرجها من مسارها الذي رسمته الفطرة لها وأقحمها في مسار يتعارض كلياً معها.. وهذا هو الظلم بعينه.
وتعود بدايات الحديث عن المساواة وحرية المرأة إلى الثورة الصناعية التي حدثت في الغرب، وظهور الحاجة إلى الأيدي العاملة الرخيصة.. فوقعت عيون أرباب العمل على النساء، فأخذوا يفضلونهن على الرجل الأغلى ثمناً، وقد أصبح من العسير في تلك الفترة على الرجل أن يجد عملاً، بينما كانت أبواب العمل مفتوحة بوجه المرأة. غير أن الرجل كان يتردد كثيراً في إرسال امرأته أو ابنته إلى العمل.. فراح أرباب العمل وأبواقهم الإعلامية تتحدث عن حرية المرأة ومساواتها مع الرجل في محاولة لإقناعها بالخروج إلى العمل.
وتحرك أصحاب المعامل والشركات في بريطانيا باتجاه مجلس العموم فساعدوا على وضع قانون في عام 1882 حصلت بموجبه المرأة على بعض الامتيازات مثل حقها في الاحتفاظ بالمال الذي تحصل عليه.. والهدف من وراء ذلك استقطاب النساء نحو المصانع.. فتم تحريرها من قيود البيت لكن تقيد بقيود المصنع!
أما الذي ساعد المرأة الأوربية في إعلان ثورتها على البيت وعلى كل ما يحاول ربطها به وبنظام الأسرة فكان التاريخ المرير الذي عاشته والظلم الذي عانت منه في ظل قوانين وأعراف وطقوس جائرة لم تكن لتعترف لها بأدنى الحقوق.
إن حركة حقوق المرأة في الغرب ورغم أنها قد أزاحت عن كاهل المرأة سلسلة من المآسي والويلات، لكنها طوقتها بسلسلة جديدة من الخطوب انعكست على الرجل وعلى المجتمع بأسره.
صحيح أن الحرية والمساواة حق طبيعي للمرأة بصفتها إنسان، غير أن المرأة إنسان ذو طبيعة خاصة مثلما أن الرجل إنسان ذو طبيعة خاصة. فالرجل والمرأة متساويان في الإنسانيّة لكنهما نوعان من الإنسان بنوعين من الخصال، ونوعين من الخصائص النفسية. وهذا التفاوت ـ وكما أشرنا من قبل ـ لم يكن ناجماً عن عوامل جغرافية أو تاريخية أو اجتماعية، بل هو جزء من نظام الخلق وليس نظاماً تصادفياً أو عشوائياً. أي أن هناك رسالة خاصة لكل من الرجل والمرأة لا يمكن أن يؤديها الرجل إلاّ كرجل، ولا يمكن أن تؤديها المرأة إلاّ كمرأة. وقد غفلت حركة حقوق المرأة وحركة المساواة بين الرجل والمرأة في الغرب عن هذه النقطة وما يتشعب عنها من استحقاقات وضرورات.
المرأة تشترك مع الرجل في الإنسانيّة وتساويه على هذا الصعيد، لكنها امرأة أيضاً ولا يمكن بأي حال من الأحوال تغافل هذا الجانب المهم.. فالحديث في الغرب عن كون المرأة إنساناً قد أدى إلى نسيان أنها مرأة أيضاً، وهذا ما أدى إلى إلحاق الظلم بهذا الكائن العظيم وتعطيل دوره الرائد في الحياة. وهذا التجاهل لا يمكن رده فقط إلى غفلة فلسفية ناجمة عن التسرع أو ضيق الرؤية، بل أيضا إلى ما أشرنا إليه سابقاً من محاولة لاستغلال هذا الكائن البريء لحساب الجشعين والرأسماليين، وهذا ما أكد عليه دورانت في (لذائذ الفلسفة) بقوله (كانت حرية المرأة من إفرازات الثورة الصناعية). كما لم تغفل السياسة أيضاً عن استخدام عامل المرأة وجعلها وسيلة لتحقيق أهدافها تحت غطاء المساواة والحرية. فيكون القرن العشرين قد طوق المرأة بأغلال جديدة ناجمة عن الشطب على حقيقة أن المرأة لها خصائصها واستعداداتها ورسالتها الخاصة في الحياة، مثلما كانت الأغلال القديمة ناجمة عن التفكير الذي لا يقر للمرأة إنسانيتها واعتبارها مخلوقاً أقل شأنا من الرجل.
والتغافل عن أنوثة المرأة ووضعها الطبيعي والفطري قد ساعد إلى حد كبير على ضياع حقوقها وطمس معالم شخصيتها وإلغاء دورها الذي لا يقل في أهميته عن دور الرجل، إن لم يتفوق عليه، بل إن هذا التغافل قد ألقى على كاهل المرأة أعباءً جديدة أخرى تضاف إلى ما لديها من أعمال أولاً وتتناسب مع النظام الخلقي الذي جبلت عليه ثانياً وهو ما يُعدّ ظلماً مضاعفاً، لأن المرأة مخلوقة ومهيأة جسمياً ونفسياً لأداء نوع خاص من الأعمال وأداء شكل معين من الممارسات.. أما أن تأتي لتؤدي أعمال الرجل الشاقة إضافة إلى أعمالها الخاصة بها، فماذا يمكن أن نصف مثل هذا الموقف من المرأة؟ فهل تكون قد ساوت الرجل؟ وهل تعني المساواة أن تمارس أعمال الرجل إضافة إلى أعمالها.. وإذا لم تفعل ذلك فلا ينطبق عليها مفهوم المساواة؟
أما الإسلام فقد ساوى بين الرجل والمرأة في كافة الحقوق آخذاً بنظر الاعتبار طبيعة كل منهما.. فقد أقر لها حقوقها الطبيعية كافة مثلما أقر للرجل حقوقه الطبيعية كافة، وهذا ما يعبر أروع التعبير عن المساواة التي يراها الإسلام.. المساواة القائمة على العدالة في النظرة إلى الجانبين والتعامل معهما. فالإسلام لم ينظر إلى الرجل على أنّه كائن كامل ولا إلى المرأة على أنها كائن ناقص كما يحاول البعض أن يصور ذلك. فالخالق تعالى لم يخلق واحداً كاملاً وآخر ناقصاً، بل خلق الاثنين معاً فردين مزوّدين بكل ما من شأنه أن يصل بهما إلى الكمال النسبي، وذلك عبر الاستخدام الصحيح الواعي لعناصر الاستعداد التي أودعها سبحانه في كل منهما.
فالمساواة الإسلامية بين المرأة والرجل إذن قائمة على أساس المماشاة مع الفطرة والانقياد لنظام الخلق، ولهذا لم يلغِ أنوثة المرأة ولا رجولة الرجل باسم المساواة والحرية. فقد نظر إليها وتعامل معها كما هما في الطبيعة. ومن هذا نلاحظ الانسجام الكامل بين الصورة التي يرسمها القرآن للمرأة وبين صورة المرأة في الطبيعة. وبعبارة أخرى أن المرأة في القرآن هي نفسها المرأة في الطبيعة.
وهنا لا بد من الإشارة إلى قضية مهمة وهي أن الغرب حينما يطرح المساواة بين المرأة والرجل لا يريد بهما المساواة وإنما يريد بها (التشبه)، والتشابه أمر غير ممكن لأنه يتعارض مع نظام التكوين والفطرة. فالغرب يسعى أن تكون القوانين والحقوق والوظائف والتكاليف واحة للرجل والمرأة غير آخذ بنظر الاعتبار الاختلافات الغريزة والعضوية والنفسية بين المخلوقين(1).
الإسلام لا يعارض المساواة في الحقوق بين الرجل والمرأة، لكنه يعارض (التشابه). وهذا نابع من الأهمية الكبيرة التي يوليها الإسلام لعملية التوازن في المجتمع، هذه العملية التي لا يمكن الحفاظ عليها إلاّ من خلال الحفاظ على الاستعدادات الطبيعية لدى كل من الرجل والمرأة، واستخدامها ضمن الإطار المتلائم معها. أما عند الاستخدام المحرف لهذه الاستعدادات وعند زجها في عملية لا تتناسب معها، فعندئذ سينعكس ذلك الاستخدام المحرف على أوضاع المجتمع ليظهر على شكل اصطدام القوى والإمكانات ببعضها، الأمر الذي لا بد وأن يؤدي إلى خروج المجتمع الإنساني عن مساره الطبيعي وانزلاقه إلى منزلقات لا يحمد عقباها مثلما هو حادث اليوم في المجتمعات الغربية.
فالمجتمع الإنساني لا يمكن أن تستقيم أموره بفقدان أي من الدورين الرجالي والنسائي.. لأن المجتمع والحياة بشكل عام بحاجة إلى الدورين معاً وفي آن واحد. فأي فاجعة ستلحق بذلك المجتمع لو أُريد للمرأة أن تؤدي دور الرجل وتشابهه في كافة المعايير؟ فعندئذ سيبقى دور المرأة فارغاً، مما يعني حدوث خلل كبير في عملية التوازن الاجتماعي، الأمر الذي ينذر بوقوع فاجعة إنسانية.
فالإسلام إذن لم يفضل في يوم ما الرجل على المرأة ولا المرأة على الرجل، بل ينظر إلى هذين العنصرين نظرة واحدة لا انحياز فيها لطرف ولا تفضيل لأحد على الآخرين، بل ساوى بين الاثنين في كافة الحقوق الإنسانيّة ولم يفرق بينهما حتى في المسائل الأخروية كالجزاء والحساب والثواب والعقاب فنشاهد القرآن الكريم يقول بصراحة: ((ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيراً))(2).
((ومن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب))(3).
وغيرهما من الآيات القرآنية التي تقرن المرأة بالرجل في عمل الصالحات واستحقاق المثوبة وتسجيل الأعمال. وهل هناك نظرة للمرأة أسمى من هذه وموقف حيال المرأة أروع من هذا الموقف الذي لا يفرق بينهما وبين الرجل في القرب من الله تعالى والحصول على نعمائه ورضوانه؟ وهل هناك مبدأ آخر غير الإسلام يرفع من شأن المرأة إلى هذه الدرجة ويضفي عليها هذه القدسية ويقربها من منابع الفيض الإلهي؟ فأي فرق بين الرجل والمرأة إذن من وجهة النظر الإسلامية؟ لا فرق بينهما مطلقاً.. فبإمكان أي منهما أن يسمو ويرتفع بعمله عبر الطريق إلى الله تعالى، وبإمكان المرأة أن تسبق الرجل وتجتازه مادام الشرط الوحيد هو العمل الصالح والسلوك الحسن لا فرق في ذلك بين أن يكون السالك رجلاً أم امرأة.
وقد صرح القرآن الكريم أن أساس التفاضل بين الناس هو (التقوى).. التقوى ولا غير، سواء كانت تلك التقوى صادرة عن رجل أو أنثى، مادام كل منهما يشترك في تكوينه ذكر وأُنثى: ((يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم))(4).
(فجعل تعالى كل إنسان مأخوذاً مؤلفاً من إنسانين ذكر وأنثى هما معاً وبنسبة واحدة مادة كونه ووجوده، وهو سواء كان ذكراً أو أنثى مجموع المادة المأخوذة منهما... بل جعل تعالى كلاً مخلوقاً مؤلفاً من كل. فعاد الكل أمثالاً، ولا بيان أتم ولا أبلغ من هذا البيان، ثمّ جعل الفضل في التقوى)(5). لقد أورد القرآن الكريم إلى جانب كل عظيم وقديس عظيمة وقديسة من نساء آدم وإبراهيم إلى أمهات موسى وعيسى. وإذا كان قد أشار إلى امرأتي نوح ولوط كشخصيتين منحرفتين، فقد أشار إلى امرأة فرعون كشخصية قويمة صالحة، وكأنما أراد القرآن أن يحفظ التوازن بين الرجل والمرأة حتى في قصصه وآياته(6).
وجسّد الرسول الأكرم (ص) الموقف الإسلامي في التعامل مع المرأة أروع تجسيد عندما قال: (خيركم، خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي. ما أكرم النساء إلاّ كريم ولا أهانهن إلاّ لئيم)(7). وفي حديث آخر: (خيركم، خيركم لنسائه ولبناته)(8) كما قال (ص): (ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله عز وجل خيراً له من زوجة صالحة إن أمرها أطاعته وإن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها أبشرته، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله)(9)
وتعبر عن مقام المرأة الآية القرآنية القائلة: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة)(10).
فهذه الآية الكريمة تعتبر المرأة من الرجل.. من نفسه وليست غريبة عليه... فهي من سنخه وهو من سنخها.. وجعلها سبحانه سكناً واطمئناناً للرجل تربطها به رابطة المودة والرحمة، لا رابطة التسلّط أو الاستضعاف. فالعلاقة بين الرجل والمرأة من وجهة نظر الإسلام إذن علاقة حب وعطف وحنان. ولا يتولد هذا الحب ما لم يكن هناك احترام متبادل وثقة متبادلة. فكل من الرجل والمرأة إذن (يشكل وحدة كاملة متآلفة يتمم بعضها بعضاً في انسجام عجيب وتوافق غريب، فلا يستطيع الرجل الحياة بدون المرأة، ولا تستطيع المرأة أن تعيش بدون الرجل، فكل منهما خلق للآخر، وكل واحد منهما أُعطي من الكفاءات والمؤهلات بحيث يقوم بجانب معين من الحياة لتتم مسيرة الحياة على نظام التكامل والمحبة والتعاون)(11).
فالإسلام ضد الرأي القائل: (إن المرأة خُلقت للرجل)، فهو قول فيه إضاعة لشخصية المرأة وكيانها، بل يقول إن كلاً منهما قد خُلق للآخر، تصرح بذلك الآية القرآنية: (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن)(12).
ونلاحظ في تاريخ الإسلام نماذج نسوية رائعة ذات شأن في الإسلام والتاريخ الإسلامي واكتسبت هذا الشأن وتلك المنزلة الرفيعة بفضل الإسلام وتعاليمه السامية، حتى وصل الأمر بالمرأة إلى أن تكون راوية للحديث النبوي الشريف وهو مقام يعز على كثير من الرجال. فنجد من بين هؤلاء النسوة من روى عن الرسول(ص) كفاطمة بنت الرسول(ص) وأم سلمة، وعائشة زوجتي الرسول(ص) وأم أيمن، وزينب العطارة، وأم هاني بنت أبي طالب، وصفية بنت عبد المطلب. ومنهن من روى عن الإمام علي(ع) كحبابة الوالبية ونضرة الازدية. ومنهن من روى عن الإمام الصادق(ع) كأم فروة، وأم بكر السلمي وكلثوم بنت يوسف، وأم سعد الأهمصية، وأم البدا وسلمة مولاة أبي عبد الله.
فالإسلام لم يكن ضد المرأة في يوم من الأيام ولا سبباً من أسباب تخلفها كما تبوق الأبواق المأجورة، وإذا كان هناك ظلم لحق بالمرأة - وهو لا يصل إلى الظلم الذي لحقها في المجتمعات الغربية - فليس سببه الإسلام بل المجتمع الإسلامي المتخلف عن حركة الإسلام وكذلك الحكومات التي تحكم العالم الإسلامي دون أن ترجع في حكمها إلى الإسلام.
الهوامش:
1- راجع نظام حقوق المرأة: ص7-14 .
2- سورة النساء /124.
3- سورة غافر/40.
4- سورة الحجرات /13.
5- الميزان، ج2، ص269 ـ 270.
6- نظام حقوق المرأة، ص117.
7- نهج الفصاحة، الحديث رقم 1520.
8- نفس المصدر، الحديث رقم 1522.
9- نفس المصدر، الحديث رقم 2615.
10- سورة الروم/ 21 .
11- طابع الزوجية في المخلوقات، المنطلق، العدد 4، 1399 .
12- سورة البقرة/187 .

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com