موقع الصراط... نهج السعادة والتقدم موقع الصراط ... الموضوع : شبابنا بين الهوية والدور
 
الأحد - 7 / ذي الحجة / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  شبابنا بين الهوية والدور  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 1 / ذي القعدة / 1433 هـ
     
  بقلم: فيصل الناصر
هل أصبح "الشباب" ملفاً ساخناً؟ هل نحن بحاجة إلى حملة وطنية سعياً إلى وضع حلول سريعة وجذرية لمشكلة الشباب؟ وهل الشباب قضية أصلاً؟..
أسئلة تتدافع، وتتدافع، وليس في الأمر ما يدعو للغرابة، فالحديث عن الشباب، يعني الحديث عن 60 ـ 70 بالمئة من سكان هذا البلد، فنحن إذن لا نتحدث عن شريحة هامشية أو صغيرة الحجم، بل نتكلم عن المساحة الاجتماعية الأكبر، والتي منها يتشكل مجتمع الغد.
حتى نهاية القرن التاسع عشر، وربما إلى الربع الأول من هذا القرن لم يكن الشباب موضوعاً للدراسة والتحليل من قبل علماء النفس، أو حتى الحكومات، بكلام آخر لم يكن الشباب "مشكلة" قبل اندلاع الاضطرابات باتجاهاتها المختلفة: الاقتصادية، الاجتماعية، والسياسة، والثقافية، التي تفجرت في بقاع عديدة من العالم، وهدّدت بوقوع كوارث اجتماعية خطيرة كادت تؤول إلى انهيار النظم السياسية فيها، حين أخذت شكل التجمعات الحزبية الفاشستية كما في ألمانيا وايطاليا..
هذه الاضطرابات كانت أشبه بجرس الإنذار المبكر أو قنبلة مدوية أوصلت رسالة صوتية للمعنيين كيما يُلتفت إلى حاجات الشباب، ويُستمع لقائمة القضايا التي يحملونها، والتطلعات التي يرومون الوصول إليها..
ولكن، الرد كان متأخراً فجاءت الاستجابة سلبية، بعد انقلاب الصورة، فقد نظر إلى موضوع الشباب من زاوية المشكلة، حتى أصبح فعلاً مشكلة عالمية، وهي كذلك، فطبيعة الأشياء تعلمنا أن حتى القداسة يمكن تدنيسها باختلال النظرة وسوء الاستعمال، ويسري هذا على نظراتنا لكل الأشياء، فطبيعة النظرة للشباب تحدد الحكم عليه، فالفارق بين أن تعتبر الشباب جزءاً من حل أو جزءا من مشكلة، ونعلم جيداً أن البعض ينظر الى كل شاب بأنه مشروع جريمة، وهو كذلك حين نقبع في تحليلنا للموضوع في زاوية النظرة السلبية، دون بذل عناء كبير من أجل الإنصات للنداءات الداخلية للشباب وتحليلها، والبحث في سبل إشباعها بطريقة سليمة ومرضية، لا إخمادها في المهد.
وقد تصل بنا النظرة إلى سوء أوضاع الشباب إلى تجاوز التعليلات العقلانية، حتى يصاب البعض بالهذيان في التعبير عن نظرته ويقرر على أساسها التعامل معهم باعتبار الشباب كائنات أخرى غير البشر، أو أنهم "خوارج" على النظام الاجتماعي ونسيجه البشري.
لا يدعونا هذا في الوقت ذاته إلى التهوين من شأن القضية، فالشباب قوة بنائية جبّارة وفي الوقت نفسه قوة تدميرية هائلة، فهم سلاح ذو حدين، فالشباب عماد البناء الاجتماعي والاقتصادي، والقوة القادرة على التشييد المدني والعمراني، وبلا شك أن المجتمعات التي يشكل فيها قطاع الشباب نسبة كبيرة تكون مؤّهلة أكثر من غيرها للازدهار والنمو إذا ما أفيد من الطاقة الهائلة المودعة في الشباب، وأمكن استغلال فعاليتهم استغلالاً واعياً، والحضارات البشرية طوال التاريخ الإنساني ما قامت إلا بسواعد الشباب، ولكن في الوقت نفسه يجب ألا نغفل ما يختزنه الشباب من أسلحة فتاكة قادرة على تدمير كل الأشياء الجميلة في الحياة، وإشاعة الاضطرابات الاجتماعية، إذا لم يجدوا فرصهم في التعبير عن كيوننتهم، أو أسيء استغلال طاقاتهم، أو تعرضوا لعمليات تضليل تستفز فيهم النزوعات الشريرة.
فالشعور بالقوة الذي يغمر الشباب في ظل تقلبات نفسية سريعة للغاية وغير محسوبة يلعب ـ هذا الشعور ـ دوراً تحريضياً على الجنوح نحو العنف والعبث والتخريب، وإن تنامي هذا الشعور يفضي إلى الاستسلام للإغواء، فإذا صاحبه الغنى المادي بما يوفّر من حظوة اجتماعية وإسناد عائلي، أي الاطمئنان بأن نتائج الخطأ مهما عظمت ستكون غير خطيرة أو مكفولة من جهات أخرى، ستساهم في صناعة شاب متخم بالدناءة والاحتقار والوضاعة، حيث تصبح كل الخطوط الحمراء قابلاً في أي وقت للاختراق، وستتفاقم المشكلة حين تتراخى وتترهل آليات الضبط الاجتماعي، وحينئذ يصبح: تحمل المسئولية، واحترام الآخر، والتعاون، والانضباط، ورعاية الآداب العامة، مجرد مثل لا تصمد أمام منطق القوة كسلاح فعّال يكتسح به الشباب كل الحدود والمحرمات، ويحققون به ذواتهم، ويشبعون به رغباتهم.
في المقابل، نحن بحاجة إلى أن نبيّن حجم التغيرات التي طرأت على قطاع الشباب، والمصادر التي ساهمت في التكوين النفسي والثقافي لهذا القطاع، فقبل عقود قليلة، كان الشاب شأنه في هذا شأن من يكبره أو يصغره سناً، يخضع لعملية تربوية صارمة داخل الأسرة، التي تكاد تنفرد في سلطانها على الأبناء، حيث لم يعهدوا بعد وسائل الاتصال، والسفر للخارج، أو قراءة المنتج الثقافي الأجنبي، فما زالت الأوضاع الاقتصادية راكدة تماماً، حيث تنحصر مصادر العيش في الزراعة وصيد الأسماك والأعمال اليدوية البدائية..
وبعد الثورة النفطية في منتصف السبعينيات من هذا القرن، حدثت تبدلات اجتماعية عظيمة، استهلت بتحسن الأوضاع المعيشية، تبعاً لتعدد مصادر الرزق، ثم تدريجياً أخذ التبدل والتغيير يطال كل الأشياء، إذ تصدّع النظام الأبوي، بعد تهدّم الهرم الأسري، فقد بات بإمكان الأبناء العيش خارج (البيت العود)، وتوافرت فرص أفضل للعمل خارج مزرعة العائلة، ومع وصول كمية وفيرة من المال في أيدي الناس، مكنّت من بناء المساكن الحديثة المعدّة بكامل تجهيزات الراحة من وسائل تكييف، وطبخ، وتسلية، وراحة، وصار بإمكان القطاع الواسع من الناس السفر للخارج، واكتساب معارف أخرى غير تلك المكتسبة من الأسرة التقليدية، وعادات جديدة غير تلك التي ورثورها من آبائهم وأجدادهم.
وكان الانفتاح على الخارج من أبرز الظواهر الاجتماعية الجديدة، كشفت عن القدرة الهائلة للمجتمع على امتصاص وهضم الثقافات والعادات الأخرى، وبطبيعة الحال تراوحت القابليات على الامتصاص والهضم من قطاع لآخر. فالشباب بحكم تكوينهم النفسي والنشاطية الدؤوبة على إشباع الغريزة، كانوا الأكثر استجابة وتفاعلاً مع ممليات الانفتاح، ولغياب البديل المحلي القادر على إبطال مفعول سلبيات الانفتاح، أصبح الشباب يميلون إلى كل أجنبي وإن كان متخلفاً أو منبوذاً حتى في المجتمعات التي نشأ فيها، وأصبحت ساحتنا وكأنها مرمى نفايات للثقافات الكاسدة، وليس بظاهرة عبدة الشيطان سوى إحدى هذه النفايات.
ولا شك ندرك، أن تركيزاً كثيفاً من أغلب شركات التسلية على الشباب باعتبارهم اكبر مستهلك لمنتجاتها، وهذه الشركات تساهم في صياغة الثقافة الخاصة بالشباب (YOUTH CULTURE) ، فهناك ميل دائم لدى المؤسسات الاستهلاكية المتخصصة تسمح للمراهق بأن يبقى مجذوباً لمجتمع الاستهلاك لأطول فترة ممكنة لأنه يمثل زبونها الرئيسي فلا بد من المحافظة على هذا السوق وإن كان بتدميره نفسياً وأخلاقياً واجتماعياً خصوصاً إذا عرفنا أن الأشياء المصنعة ليست دائمة بل هي حسب الموضة واحتياجات السوق في الوقت ذاته مازلنا متقاعسين عن إنتاج هذه الثقافة بما يتناسب مع ذوق وحاجات والشباب.
ولا شك ندرك أيضاً، أن المنتج الأجنبي بطابعه الاستهلاكي دخل كأحد العوامل الفاعلة في إحداث إختلالات نفسية واجتماعية في أوساط الشباب، ولا شك أن هذه الاختلالات تخدم السياسة الاستهلاكية التي رسمتها شركات التسلية، حتى أصبح من أهدافها ضخ المزيد من المنتجات التسلوية المحفوفة بغمام كثيف من الدعاية والتي تساهم في نهب الشباب إلى مجتمع القلق، فالإحصائيات تشير إلى أنه خلال العشرين سنة الأخيرة بدّل نحو 85% من الشباب في الولايات المتحدة سلوكياته بفعل الثقافة الاستهلاكية الجديدة، وأن 80% من الشباب في كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا يعيش حالة قلق من المستقبل فيما تتجه أصابع الاتهام إلى شركات التسلية ودورها في انبثاث نوع من الثقافة الاستهلاكية يؤدي في ظاهره إلى إشاعة أجواء مفعمة بالمرح، وفي باطنها إلى إخماد جذوة الطموح في داخل هذا القطاع.
المصدر: شبكة أهل البيت للأخلاق الإسلامية.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com