موقع الصراط ... الموضوع : الأدب وقضية التأثير والتأثر من منظور حضاري-1
 
الإثنين - 29 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الأدب وقضية التأثير والتأثر من منظور حضاري-1  
   
  كتب بتاريخ : الجمعة - 4 / ذي القعدة / 1433 هـ
     
  بقلم الدكتور شلتاغ عبود
ما من شك في أن الأدب جزء مهم من معطيات الحضارة الشاملة، فإذا كانت الحضارة قبل كل شيء، رؤية خاصة للكون والحياة والإنسان، ثم عطاء إنساني في الفكر والمنهج وأساليب العيش في الحياة، فإن الأدب هو المصور لحركة الحياة، وهي تستجيب لطابع الحضارة الخاص، فلكل حضارة بعد هذا روحها وعطاؤها الفكري والمادي، ثم أدبها الذي يحفظ صور التحرك الإنساني الحضاري في مختلف المراحل التي مرت بها تلك الحياة.
والحضارات في التاريخ بين ظهور وتألق، وبين خمول أو موت، بعضها يدرج في متاحف التاريخ، وبعضها يخمد تحت تأثير ظروف مختلفة، ثمّ ينطلق كما لو كان ينطلق لأوّل مرة. وقد مرّ التاريخ بدورات حضارية، فمرّة تظهر الحضارة في الشرق، ومرة أخرى تظهر في الغرب، وإن كان الشرق أقدم بروزاً في حضارته، وأكثر تعدداً وتنوعاً; لسعة مساحته، وتعدد أجناسه، وأكثر من هذا كلّه، كونه موئلاً للرسالات السماوية كلّها.
ولسنا هنا في موضع تفسير ظهور الحضارات أو ضمورها، كما وصفها المؤرخ المسلم (ابن خلدون)، أو كما تحدّث عنها (شبنجلر) أو (توينبي)، ولكننا نريد أن نقول في هذا المقام، إنّ الحضارة التي تمرّ بمرحلة النمو والازدهار والقوّة والنفوذ والسلطان، هي التي تترك أثرها في الحضارات الأخرى. وما من شكّ سيكون الأدب مظهراً بارزاً من مظاهر الحياة الحضارية المتفوقة.
والفكرة الثانية التي يؤكّدها معظم الكتّاب والباحثين، الدارسين لقضيّة التأثير والتأثّر بين الحضارات وإفرازاتها من الآداب خاصة، وهي أن أغلب الحضارات، كانت تنشأ في مواقع جغرافية تسمح لها بالتحرّك والاتصال بغيرها من الحضارات، على اختلاف في قوّة هذا الاتصال، وقوّة أساليبه وصوره، أو ضعفها، وانّه ما من حضارة نشأت منعزلة دون أن تتأثّر بغيرها من الحضارات، أو تأثّر فيها. يقول الأستاذ عباس محمود العقّاد: (إنّ الأمم الشرقية والغربية جميعها دائنة ومدينة في تراث الحضارة الإنسانية. وإنّه ما من أمّة لها تاريخ مجيد إلاّ وقد أعطت كما أخذت من ذلك التراث)(1).
وهذا يعني أنّ الحضارة أخذ ورد، فلا توجد حضارة تفرّدت بالإبداع الكلّي، بمعنى أنّها لم تتأثر بغيرها. كما لا توجد حضارات اعتمدت على النقل الحرفي من الحضارات الأخرى، ولم تضف من ذاتيتها الخاصّة شيئاً.
على أنّه من الضروري الإشارة إلى أنّ بداية الحضارة وانطلاقها في بيئة معيّنة، لا يعني أنّها تأثرت بهذه الحضارة أو تلك. فالانطلاقة في الغالب تكون ذاتيّة، تتعلق بروح الأمم وحركة الأفكار فيها، أو المدد السماوي الذي يتمثّل بالأنبياء، الذين ينفحون في روح الأمم شُعل الحضارات وانطلاقات البناء الروحي والفكري والمادي. وحين تتجاوز هذه الحضارة مراحلها الأولى، تتفاعل مع الحضارات المجاورة مؤثّرة فيها أو متأثّرة بها. وهذا يتوقّف على طبيعة تلك الحضارة وقوّتها وتوجّهاتها. أهي حضارة ذات رسالة سماوية وإنسانية هادفة؟ أم أنّها حضارة ماديّة، هدفها بسط النفوذ والاستغلال والاستعباد؟. وبهذا، فقد يكون التفاعل هذا من خلال الإعجاب وقوّة المثل، أو من خلال الفرض والاكراه. كما سنلاحظ في تبادل التأثير والتأثّر في مجال الأدب خاصّة، بين الحضارة الأوربية والحضارة الإسلامية في العصر الحديث.
إن محطّات التأثير والتأثّر التي سنتوقّف عندها هي:
١- الأدب الإغريقي، والأدب الإسلامي.
٢- الأدب الإسلامي، والأدب الأوربي في عصر النهضة.
٣- الأدب الأوربي، والأدب العربي في العصر الحديث.
وسيلاحظ القارئ، أن عنايتنا ستكون منصبّة على الأدب العربي في حالات تأثيره في الأدب الأوربي أو تأثّره به. وكما يتّضح من خلال هذه العناوين، فقد أطلقنا على الأدب العربي في المرحلتين الأولى والثانية، تسمية الأدب الإسلامي اعتقاداً منّا، أنّ هذا الأدب كان يتحرك من إطار الحضارة الإسلامية; لأنّ الإسلام هو الباعث لهذه الحضارة، ولم تكن (العروبة) باعثاً لها بأيّ حال من الأحوال. ولكنّ في المرحلة الثالثة آثرنا أن تكون تسمية الأدب العربي هي الأَوْلى بالإشارة; لأنّ هذا الأدب - وبتأثير من الحضارة الأوربية الحديثة - لم يعد أدباً إسلامياً بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة. فقد اجتاحته التيّارات الغربيّة وصار صدىً لها، أكثر من كونه ممثّلاً لحضارة الإسلام، كما سنلاحظ حين نصل إلى المحطّة الثالثة من البحث.

الأدب الإغريقي والأدب الإسلامي:
سوف لا نطيل الوقوف عند هذه المحطّة; لأنّ التأثّر والتأثير لم يتمّ في الأساس في مجال الإبداع الأدبي، وإنّما تمّ في مجال الفلسفة خاصّة، وفي مجال النقد والبلاغة. مع الإشارة إلى أنّ الأدب الإسلامي والأدب الإغريقي لم يتزامنا. فقد جاء الإسلام، والدور اليوناني قد توقف وخلفه دور الدولة الرومانية، التي لم يكن لها اهتمام كبير بالأدب. فكان الاتصال بالحضارة اليونانية من خلال آثارها الفلسفيّة والأدبية المخطوطة.
لقد انطلقت الحضارة الإسلامية بمدد سماوي رسالي، وبتوجّه عالمي; لتعبيد البشرية كلها لخالقها ومصوّرها، وتحريرها من آثار العبودّيات البشرية أو الصنميّة أو المادية. فلم تكن هذه الحضارة لتخضع لشيء مما لدى الفرس أو الهنود أو الرومان، بل جاءت حرباً على تصوّراتهم الوثنية، وقد استطاعت على المستوى العسكري أن تسقط العملاقين الحضاريين (الفرس والروم) في فترة زمنيّة وجيزة، أَذهلت مفسّري التاريخ حتّى يوم الناس هذا.
هذا الذي حدث بادئ ذي بدء. ومرّ القرن الأول من الهجرة، وحضارة الإسلام تتكامل ذاتياً دون أن تعتمد على مدد حضاري بشري. حتى إذا جاءت دولة بني العباس واتّسعت رقعة العالم الإسلامي، تفاعلت الحضارة الإسلامية مع كل من حضارة الفرس، واليونان والروم معاً. ولكنّ هذا التفاعل كان من منطلق القوّة والثقة بالنفس، والامتلاء. ولم يكن البتّة تفاعل استخذاء، وعقد من النقص والصّغار; ذلك لأنّ الإسلام كان في عزّ قوّته، وكان المسلمون هم قادة العالم وموجّهيه آنذاك.
هذا هو الإطار العام، الذي سوف ينطلق منه المسلمون للأخذ من اليونان. غير أنّ الذي يتابع المؤلّفات الأوربية التي كتبت عن هذه الفترة من التفاعل بين الحضارة الإسلامية وآثار اليونان، يملؤه الدهش والعجب من خبث الاستنتاجات التي توصّل إليها أصحاب هذه المؤلّفات والأبحاث. وخلاصة هذه الاستنتاجات، أنّ المسلمين اقتبسوا الفلسفة اليونانية بعد ترجمة آثارها إلى العربية في مرحلة الاستقرار من العصر العباسي، ولم يستطيعوا أن يضيفوا إليها شيئاً من بنات أفكارهم أو تصوّراتهم، ولا شيئاً من التصوّر الإسلامي نفسه!!.
وكان أكثر من ضخّم هذا المفهوم، ونفخ في كيره وأحاطه بالحجج الممّوهة، هم المستشرقون والغلاة من الأوربيين. فلقد كان (أرنست رينان) يقول: (إنّ الفلسفة العربية هي الفلسفة اليونانية مكتوبة بأحرف عربية)(2)! لقد بلغ إعجابهم بالحضارة اليونانية حدّ الغرور، فدفعهم ذلك إلى غمط حقّ الحضارات الأخرى السابقة لليونان أو اللاحقة لهم. حتى كأنّ الدنيا لم تلد من البشر إلاّ اليونان، أو كأنّ البشر الآخرين لم يملكوا نصيباً من العقول التي تخوّلهم النظر في هذا الكون، أو التفاعل مع الحياة وبنائها. فلا حضارات المصريّين والآشوريين، أو البابليين أو الهنود، السابقة لليونانيين أثارت التفاتهم، ولا الحضارة الإسلامية اللاحقة لهم اعُتبرت ذات قيمة أو إضافة للحضارة البشرية في نظرهم. فالمستشرق الألماني (هنرش بيكر) يرى أنّ الإسلام (شكل آسيوي للحضارة اليونانية)(3)! والمستشرق الانجليزي (هملتون جب) يرى (أنّ العلوم الإسلامية كانت متأثّرة بشكل وآخر بالتراث اليوناني في الشكل والتعبير ووجهة النظر والأسلوب والنظام)(4). وقلّما تجد واحداً من المستشرقين إلاّ وله نظرية في هذا الاتجاه، وبسط في القول وتعليل واستنتاج، على شتّى مشاربهم ومناهجهم.
ولقد طبعوا الأبحاث من بعدهم بهذا الطابع، فصرت لا ترى إلاّ بحثاً عن أثر أرسطو في ابن خلدون، أو أثر أرسطو في ابن رشد، أو أثر الفكر اليوناني في علوم الحديث، أو أثره في المذاهب الإسلامية والحركات السياسية، وأثر الفلسفة اليونانية في النحو العربي والنقد الأدبي العربي، وهلمّ جرّا، حتى النثر الفني الأدبي لم يسلم للعرب، بل زعموا أنّ العرب أخذوه من اليونان، مع أنّ العرب عرف عنهم أنّهم ذوو لسن وبلاغة، يشهد على ذلك نزول القرآن الكريم بين ظهرانيهم.
ولعلّ هذا أخطر جانب من نشاطات المستشرقين، حيث يخطّطون للاتجاه العام للفكر والبحث العلمي في العالم الإسلامي، ولا يسمحون للاتجاه الأصيل المرتبط بتاريخ الأمّة وواقع التاريخ الحقيقي بالظهور، بل يحاربونه بما يملكون من أتباع ومؤسسات في العالم الإسلامي. وسنجد الخطر نفسه، والأسلوب نفسه في حديثنا عن التأثّر والتأثير بين الحضارة الأوربية الحديثة والحضارة الإسلامية، حيث تتجه الأبحاث كلّها - بتأثير الاستشراق - إلى الحديث عن أثر الحضارة الأوربية في الفكر والحياة الإسلامية المعاصرة.
إنّ الحقيقة الجلّية التي لا ينكرها البحث الموضوعي، ولا يُماري فيها إلاّ مكابر ومغرض، هي أنّ المسلمين حين بنوا أسس حضارتهم أوّل الأمر، وبتوجيه من عقيدة الإسلام، تفاعلوا مع الحضارة اليونانية، فهضموها أوّل الأمر ثم طبعوها بطابعهم الخاص وأخضعوها لتصوّراتهم الخاصّة. فما كان لهم على المستوى الفلسفي، أن يؤمنوا بنظريات سقراط أو أفلاطون أو أرسطو كلّها، على ما فيها من تصوّر مادي لأصل الوجود، أو خلط بين الوهم والواقع. فلقد صحّح علماء الإسلام وفلاسفته كثيراً من مقرّرات العلوم لدى الأقدمين، في الطب والفلك والفيزياء والجبر والحساب كذلك(5). وفوق ذلك كلّه، كان لهم فضل حفظ التراث اليوناني نفسه من الضياع، إذ أنّ كثيراً من كتب اليونان قد ضاعت، ولم يمكن الحصول على نصّها اليوناني، ولم يبق إلاّ نصّها العربي، أو الردود عليه بالنص العربي.
لقد تعامل المسلمون مع تلك الحضارة من منطلق التفوّق والقوّة، كما اشرنا، ومن منطلق من يملك قاعدة عريضة لتفسير الحياة، وحضارة أُرسيت أصولها قبل الاتصال بالحضارة اليونانية نفسها. ولقد كانت لهم حساسيّة خاصة من كلّ ما يمتّ لأصحاب العقائد الوثنية السابقة بصلة، بل إنّهم كانوا يتعاملون مع عقائد الكتابيّين السابقين لهم من اليهود والنصارى، بحذر شديد كذلك. فالتمايز ووضوح الشخصية الفكرية، سمتان بارزتان من سمات الفكر الإسلامي على ولقد ألفينا بعض الأوربيين أنفسهم، ممن انتزع نفسه من آثار قومه والتفت إلى روح المغالطة والتمويه لديهم. يقول العلاّمة (دريبر): (ادّعينا طويلاً أنّ المسلمين لم يفعلوا شيئاً أكثر من نقل علوم اليونان، ونحن لا نستطيع أن نؤيّد منهجاً مبهماً كهذا من غير أن نُتّهم بالجهل والخطأ)(6).
ومن منطلق التفوّق الإسلامي والانيّة الحضارية العقائدية، تعامل الأدب الإسلامي مع الأدب اليوناني، فلم يأخذ عنه أساطيره ولا مسرحياته التي تقوم على هذه الأساطير والمشاعر القومية. لم يكن الأديب المسلم ليقدم على أدب تتعدّد فيه الآلهة وتذوب الفوارق فيه بين الإبطال من البشر والإبطال من الآلهة!!، لذا تراهم أقبلوا على دراسة الفكر الفلسفي الذي أثَّر بدوره على بعض وجوه الأدب، من مثل النظريات النقدية والبلاغية عند الجاحظ مثلاً، أو عند قدامة بن جعفر في نقد الشعر أو نقد النثر.
وربما يثور تساؤل في هذا المجال: لماذا لم يقبل العرب على أدب اليونان، وأقبلوا على أدب الفرس، على ما فيه من الآلهة والأصنام؟! يعلل لنا ذلك الأستاذ (أحمد أمين) بأنّ العرب اختلطوا مع الفرس اختلاطاً مباشراً، وذابت دولتهم في دولة الإسلام، وكانوا عنصراً بارزاً من عناصر الجسم الإسلامي الموحّد. فكان هذا التقارب الديني والنفسي سبباً إلى تسهيل اطّلاع العرب على الأدب الفارسي، وخاصّة (الشاهنامة) للفردوسي(7). والحق، أنّ هذا تمّ بعد مرور عدّة قرون من تفاعل العرب والفرس، وتكوينهم للحضارة الإسلامية. وما (الشاهنامة) إلاّ نتاج أديب مسلم، على الرغم من ميله إلى العنصر الفارسي، وتمجيده لملوك الفرس وآثارهم السابقة على الإسلام. فضلاً عن هذا، أنّ العرب اتصلوا باللغة الفارسية والأدب الفارسي اتصالاً مباشراً، بينما كان الاتصال بالثقافة اليونانية يتمّ عن طريق ترجمتها إلى السريانية ثم إلى العربية. وفوق هذا، فإنّ الأدب الفارسي لم يكن ليطابق الأدب اليوناني في تعدد آلهته، ونزولهم إلى الأرض وقتالهم مع البشر وتلبسّهم بلبوس الإنسانية ونوازعها الشهوانية. وهذا ما نفّر المسلمين العرب والفرس من الإقبال عليه.
وقد لاحظ الدكتور (عبد الرحمن بدوي) الاختلاف الواضح بين روح الحضارة الإسلامية والحضارة اليونانية، بحيث لم تستطع هذه الروح أن تُقبل إلاّ على العلوم العملية التي هي قدر مشترك بين الناس، فكان أن وجدنا إنّ الاتجاه العام للحضارة الإسلامية كان ينفر نفوراً شديداً من التراث اليوناني، ويحمل عليه حملة شعواء، ولكنّ الغريب في النتيجة التي يتوصل إليها هذا المفكر وهي: (أنّ السبب في عدم إيجاد فن إسلامي، هو أنّ الفن مناف لطبيعة الروح الإسلامية، فليس في استطاعتها إذن، أن تُنشئ فناً مهما أُنفقت من جهود)(8). وتعليل ذلك عنده، أنّ الفكر اليوناني والطبيعة اليونانية تقوم على الذاتية الضرورية للإبداع في الفنون، في حين أنّ الحضارة الإسلامية تُنكر هذه الذاتية أشدَّ الإنكار!!
ولسنا هنا في موضع مناقشة هذا الرجل، الذي يعيش في القاهرة بجسمه ويحيا في أوربا بعقله وروحه، وحسبنا أن نلتقي معه حول استقلالية كل من الحضارتين الإسلامية واليونانية، وتنافرهما تنافراً في مجالات الحياة كافة. ويبقى له فهمه الخاص في فهم توجهات كل من الحضارتين.

الأدب الإسلامي والأدب الأوربي في عصر النهضة:
أشرنا إلى أنّ الحضارة الإسلامية كانت في مرحلة عطاء وتأثير في الأصقاع الواسعة التي أظلّتها وبسطت روحها عليها، كما أشرنا إلى أنّها كانت تأخذ المشاع العام من العلوم، وتحترز مما له علاقة بالروح والمفاهيم والآداب الوثنيّة. ونريد الوقوف الآن عند عطاء الحضارة الإسلامية وأثرها في أوربا، سواء في مرحلة ما قبل نهضتها أو في مرحلة هذه النهضة، فيما بين القرن الثاني عشر للميلاد والقرن الرابع عشر منه.
والأمر نفسه، تعرّضت له هذه الحقبة من محاولة الطمس والإخفاء من قبل المفكّرين الأوربيين وبعض المستشرقين، مثلما حاولوا أن يفرغوا الحضارة الإسلامية من قبل، من أيّ أبداع ويجعلونها عالةً على الحضارة اليونانية، وهو زورٌ وبهتان بيّن. ولكنّ الحقائق أكبر من أن تخفى، فقد ظهر كثير من المنصفين الاسبان ومن غيرهم، ممّنْ يجلّي مدى الأثر الذي تركته الحضارة الإسلامية في أوربا، في عصر النهضة خاصّة.
فمن المعلوم أنّ الاحتكاك الإسلامي الأوربي تمَّ في أكثر من موضع، وأبرز هذه المواضع هي الأندلس وصقلّية (جنوب ايطاليا)، والحروب الصليبية في شرق البحر الأبيض المتوسط، فكان هناك اختلاط وتمازج وتفاعل شديد. فقد استقرّ المسلمون في الأندلس ما يقرب من ثمانية قرون، وامتزجوا مع العنصر الاسباني، ونقلوا إلى اسبانيا مختلف النشاطات الحضارية، فكان ذلك موضع إعجاب الأوربيين ودهشتهم، مثلما أطلَّ الأوربيون على معالم الحضارة الإسلامية وعرفوا سرّ عظمتها من خلال الحروب الصليبية خلال قرنين من الحروب.
وكان خلاصة ذلك، أن أقبل الأوربيون على تلقيّ الحضارة الإسلامية ودراسة الثقافة الإسلامية واللغة العربية في المعاهد الإسلامية في الأندلس وصقلّية. ثم ترجموا الكتب العربية إلى اللاتينية، منذ فترة مبكّرة من احتكاكهم بالمسلمين في الأندلس. وقد كتبت في هذا المجال الكثير من الكتب والأبحاث، ولكننا نريد أن نشير إلى أنّ الأثر الإسلامي كان عاماً وشاملاً للصناعات والفلسفة والعلوم والرياضيات، ثمّ شمل الأدب والفن والعمران والموسيقى.
وكان الأثر الإسلامي - فوق هذا - أثراً نفسيّاً مشوباً بالإعجاب تارةً، وبالحذر والخوف تارةً أخرى، حتى أنّنا لنجد بعض قساوسة أوربا وقادتهم يحذّرون من طغيان التقليد، والسير وفق المنهج الإسلامي في اللغة والعادات والتقاليد، فأطلقوا صيحات مدوّية ضد هذا الاتجاه، الذي حسبُوهُ آخذاً بالنمو الذي يهدّد أوربا وتأريخها ودينها(9). تماماً كما هو الحال عندنا اليوم، حين يحذّرنا الغيارى من المسلمين من مغبّة السير وراء النموذج الأوربي، الذي طغى على حياتنا المعاصرة. فمثلما نسمّي اليوم المعجبين والمنبهرين بالحضارة الأوربية بـ(المستغربين)، كانوا هم يسمّون الأجيال المعجبة بالحضارة الإسلامية بـ(المستعربين)!!
لا نريد أن نستطرد في هذا المجال الشامل، بل نريد الوقوف عند الظواهر الأدبية الإسلامية البارزة، التي تركت أثرها في أدب النهضة الأوربية باعتراف الأوربيين أنفسهم. وستكون وقفتنا في مجالي الشعر والقصة فقط:
الشعر- ظاهرة الموشحات والأزجال:
وأوّل ظاهرة تواجهنا في الشعر هي ظاهرة الموشّحات والأزجال، وهي ظاهرة أن اختُلف في أصلها، أهو مشرقيّ أم أندلسيّ؟ فلا خلاف في أثرها في الشعر (البروفانسي) جنوب فرنسا، أو ما سمّي شعراؤه بـ(الترابادور) أو الشعراء الجوّالة. ولكنّ هذا لا يعني أنّه لا يوجد من الأوربيين من يحاول أن يثبت الأصول اللاتينية لهذا الشعر، كعادة بعضهم في نسبة كل مجد لليونان، وتجريد المسلمين من أيّ أبداع(10). والإجماع الذي عليه معظم الباحثين الأوربيين والمسلمين، هو بروز هذا الأثر في الشعر الفرنسي لقرب الاتصال، وشدّة الاحتكاك بالبيئة الأندلسية والشعر الأندلسي، فضلاً عن أنّ المسلمين توغّلوا في جنوب وغرب فرنسا، حتى وصلوا إلى ما يقرب من مئة كيلو متر غرب باريس العاصمة، ومهما يكن (فقد ظهر في جنوب فرنسا فجأة، وفي نهاية القرن الحادي عشر شعر ذو طابع جديد، بقالب جديد، ونفسّية اجتماعية جديدة، وأغراض مستحدثة، وليس في الأدب الفرنسي العتيق ما يشير إلى هذه الفترة [الظاهرة] إلاّ النزر اليسير) كما يقرّر المستشرق الانجليزي (سر هاملتون جب)(1١).
وغنيٌّ عن البيان، أنّ هذه الظاهرة الشعرية التي اقتبسها شعراء (الترابادور) هي جزء من التأثير الاجتماعي والنفسي العام، الذي مارسته الحضارة الإسلامية المزدهرة على المجتمع الفرنسي، والمجتمعات الأوربية الأخرى. ولقد كان التأثير أحياناً يأخذ شكلاً غير مباشر، فالشعر الانجليزي مثلاً تأثر بالشعراء (الترابادور) بشكل بارز(12). وقلْ الأمر نفسه في سائر شعراء أوربا في هذا المجال، أي أنّ التأثير الإسلامي في بعض البلدان الأوربية كان تأثيراً عبر شعراء (الترابادور) الفرنسيين.
وبالإضافة إلى تأثير الشكل الشعري للموشحات والأزجال الأندلسية، من حيث أوزانها وقوافيها وتنوّع مقطوعاتها وأقفالها وأغصانها وخرجاتها، فإنّ هناك أثراً نفسيّاً وعاطفياً واجتماعياً للروح الإسلامية في الشعر الفرنسي في فترة الاتصال تلك. ويتمثل هذا في انتقال الروح العذريّة وفكرة الحب النبيل، من الشعر الأندلسي والفكر الإسلامي بشكل عام. فقد تمثّلت هذه الظاهرة في الحب العفيف من خلال نماذجها في الشعر الإسلامي وفي الشعر الأندلسي خصوصاً، كما تمثّلت ببعض الآثار الفكرية الإسلامية في الأندلس، والتي وجدت طريقها للأسبان والفرنسيين وبقية الاوربيين.
ويمكن الإشارة هنا إلى ثلاثة آثار مهمّة هي كتاب (الزهرة) لمحمد بن داود بن خلف الظاهري، و(طوق الحمامة) لابن حزم و(الفتوحات المكيّة) لمحيي الدين بن عربي(13). وسوف يكون هذا الاتجاه، ذا تأثير كبير على الاتجاه الرومانسي في الشعر الأوربي في الفترة اللاحقة. وفي هذا يقول (جب): (ومهما كانت الدرجة التي عيّنها الباحثون لتأثير الشعر العربي في إثارة روح الإبداع في الشعر الرومانسي، فانّ الدَّين الذي تحمل عبأه أوربا القرون الوسطى للشعر العربي، لا يمكن أن يُماري فيه أحد)(14).
ولا يمكن تجاوز الحديث عن الأثر الإسلامي في الشعر الأوربي خلال مرحلة الازدهار الإسلامي - والتي سمّاها الأوربيون بالقرون الوسطى - وفي مرحلة عصر النهضة الأوربية أيضاً، دون الوقوف عند أهمّ ظاهرة شعرية أوربية في تلك المرحلة على الإطلاق. ونعني بها رائعة الشاعر الايطالي (دانتي الليغري) (الكوميديا الإلهية).
فلقد ظلّ هذا الأثر الشعري الضخم يمارسُ تأثيراً سحرّياً مقدساً على الإنسان الأوربي لعدّة قرون، وظلّ الناس يتحدّثون على مرّ الأجيال عن عبقرية (دانتي) وإعجاز عمله وتفرّده فيه تفرّداً مدهشاً، ظل هذا الاعتقاد سائداً حتى جاء اكتشاف العالم الاسباني (ميجل آسين بلاثيوس) الذي أسقط دانتي من شاهق، وغيّر كثيراً من المفاهيم النقدية التي أحاطته بالتقديس. لقد أثبت هذا العالم إثباتاً علمياً لم يستطع أحدٌ أن يدحض حجّته، في كتابه المثير (أثر الإسلام في الكوميديا الإِلهية)، أثبت الأصول الإسلامية للكوميديا الإِلهية.
وليس مهماً أن تكون الفتوحات المكيّة لابن عربي، أو أستاذه ابن مسّرة، أو قصة الإسراء والمعراج النبوية، أو رسالة الغفران لأبي العلاء المعرّي، ليس مهماً أيّ أثر من هذه الآثار، ولكن المهم أنّ هندسة البناء في الكوميديا الإِلهية والخطوط الموضوعية العريضة لها، كانت ذات طابع إسلامي وروح إسلامية دون أدنى شك(١5). وهذا ما لم يلتفت إليه (الدانتيون) الايطاليون، أو الأوربيون من قبل، والذي كان له تأثير عظيم على المعتقدات الشعبيّة المسيحية الغربية نفسها ولعدّة قرون.
ويذهب (جب) إلى أنّ الروح الإسلامية والفن الإسلامي، تجاوز التأثير على (دانتي) نفسه إلى أهم الأفكار التي جاء بها شعراء المدرسة الايطالية الحديثة، المسمّاة (الأسلوب الرشيق الجديد)(16).
ولعلّ أوضح ما يُبرز التأثير الإسلامي على الشعر الايطالي والفكر الايطالي، تلك الصيحة التي أطلقها الشاعر الايطالي (بترارك) والتي تُفصح عن العقدة أو العقبة التي لا يمكن إنكارها أو تخطيها، تلك هي عقبة التفوّق العربي الإسلامي، يصرخ (بترارك) بالايطاليين عالياً فيقول: (ما خطبنا لقد استطاع (شيشرون) أن يصبح خطيباً بعد (ديموستين)، واستطاع (فرجيل) أن يصبح شاعراً بعد (هوميروس). أمّا العرب فما خطبنا معهم؟ هل قُدّر علينا أن لا نكتب شيئاً بعدهم؟! لقد تساوينا أحياناً مع الأغارقة، وفقناهم أحيانا أخر، وبذلك نكون قد تفوّقنا على كلّ الأمم، ما عدا العرب كما يقولون، يا للبلادة!! يا للخمول!! ويا لضيعة العبقرية الايطالية التي انطفأت وخمدت!!)(17). ومما يلاحظ، أنّه على الرغم من أنّ الروح الإسلامية كانت غير عدوانية في تأثيرها على الشعب الايطالي، ولكنّ هذه الصيحة، وغيرها من المواقف والتحذيرات تنبئ عن فكرة الصراع، وعدم التقبّل للفكر الإسلامي طواعيةً، نظراً لما بين الروحين الإسلامي والأوربي من تباين عقائدي، تمتدّ تأثيراته على الأنشطة المختلفة للحياة. وستتطور هذه الصيحة، من بعث الهمم والتحفيز إلى الإبداع ومنافسة المسلمين، ثمّ إلى إنكار وعداء سافر تمارسه أوربا التي انتقل إليها التفوّق في العصر الحديث.كما سنلاحظ.

الهوامش:
(1) عباس محمود العقّاد، أثر العرب في الحضارة الأوربية، ص ١٧٩، دار المعارف، القاهرة ١٩٦٥، ط ٤.
(2) الدكتور مصطفى خالدي والدكتور عمر فروّخ، التبشير والاستعمار، ص ٣١٨، ط ٤.
(3) مجلّة التوحيد، العدد ٤٠، ص ١٢٥.
(4) الدكتور احمد سمايلوفتش، فلسفة الاستشراق وأثرها في الأدب العربي المعاصر، ص ٣٣٨، دار المعارف، مصر ١٩٨٠، ط ١.
(5) جلال مظهر، حضارة الإسلام وأثرها في الترقّي العالمي، ص ١٤، مكتبة الخانجي، القاهرة. مدى العصور، إلاّ في المرحلة التي ابتلي فيها الإسلام في العصر الحديث.
(6) المصدر السابق ص ١٤، وينظر أيضاً محمد كرد علي، الإسلام والحضارة العربية، ج١ ص ٣١٩، القاهرة ١٩٦٨، ط ٣.
(7) فجر الإسلام، ص ١٣٦، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة ١٩٧٨ ط ١٢. وينظر أيضاً موسى سليمان، الأدب القصصي عند العرب، ص ١٤.
(8) التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية، دراسات لكبار المستشرقين، ترجمة وتقديم: الدكتور بدوي، ص ح، دار النهضة العربية، القاهرة ١٩٦٥، ط ٣.
(9) أثر العرب في الحضارة الأوربية، ص ٦٩، (مصدر سابق).
(10) مجموعة من الباحثين، مناهج المستشرقين، ج٣ ص ٣١٦، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، الرياض ١٩٨٥، ط ١.
(11) تراث الإسلام، ص ٢٦٥، دار الطليعة، بيروت ١٩٧٢، ط ٣.
(12) محمد مفيد الشوباشي، رحلة الأدب العربي إلى أوربا، ص ١٢٤، دار المعارف، ص ١٩٦٨، ط ١.
(13) الدكتور عبد الرحمن بدوي، دور العرب في تكوين الفكر الأوربي، ص ١٥، وكالة المطبوعات، الكويت ١٩٧٩، ط٣.
(14) تراث الإسلام، ص ٧٧، (مصدر سابق).
(15) حضارة الإسلام وأثرها في الترقّي العالمي، ص ٤، (مصدر سابق).
(16) تراث الإسلام، ص ٣٨٦، (مصدر سابق).
(17) حضارة الإسلام وأثرها في الترقّي العالمي، ص ٤٣٩، (مصدر سابق).

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com