موقع الصراط ... الموضوع : في رحاب خليل الرحمن إبراهيم-11
 
الأحد - 12 / شعبان / 1441 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  في رحاب خليل الرحمن إبراهيم-11  
   
  كتب بتاريخ : الجمعة - 4 / ذي القعدة / 1433 هـ
     
  2- محنة الهجرة:
عندما تسوء الظروف الموضوعية، وتخنق حركة الدعوة إلى الله تعالى حيث تحاول قوى الضلال أن توقف عجلتها، فإذا استحال عليها التحرك، راح الدعاة – سواء كانوا رسلا، أو أنبياء، أو أوصياء أ وأولياء – يفتشون عن أرضية جديدة؛ لتبليغ ما أمرهم الله تعالى به مهما كلفهم الأمر من عناء ومشقات، ولهذا فإن هجرتهم في حقيقتها وجوهرها هجرة إلى الله تعالى. وهجرة خليل الرحمن كانت من أوائل الهجرات إلى الله تحمل فيها من المشقة والعناء ما لا يتحمله إلا أمثاله. فقد هاجر (ع) من مسقط رأسه بابل في العراق إلى الشام. ثم إلى مصر، ومنها إلى فلسطين، ثم إلى الحجار، ومنه عاد مرة أخرى إلى فلسطين؛ بعد أن وضع زوجته وولده إسماعيل (ع) في وادٍ غير ذي زرع ولا ماء، وبهذه الهجرة المباركة استطاع أن ينشأ في كل بلد حل فيه قاعدة من قواعد التوحيد لا سيما في البلد الحرام حيث بنى الكعبة المكرمة التي أصبحت منطلقا لحركة التوحيد. وبهذا (فإن هجرة إبراهيم لم تكن لأسباب سياسية أو اقتصادية في الدرجة الأولى، وإنما كانت دينية، وكانت هجرة نبي يريد أن ينشر بدعوته التوحيد في مكان غير الأرض التي لم تقبل دعوته بقبول حسن)
ولا يمكن أن نتصور مقدار هذه المعاناة التي واجهها (ص) في هذه الهجرة حيث التحديات الفكرية، والسياسية، والاجتماعية، والتصفيات البدنية، ورغم كل ذلك كله فقد واجه كل ذلك بقوة الإيمان، وحكمه وصبر وتوكل على الله لا نظير له في التاريخ قائلاً: ((إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ)) (الصافات:99) قال ابن عباس رضي الله عنه: (معناه مهاجر إلى ربي أي: أهجر ديار الكفار، وأذهب إلى حيث أمرني الله تعالى بالذهاب إليه، وهي الأرض المقدسة. وقيل: إني ذاهب إلى مرضاة ربي بعملي ونيتي)
وفي أية أخرى عن لسان لوط (ع): ((وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)) (العنكبوت:26) تلك هي الهجرة... ((إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ)) (الصافات:99) (إنها الهجرة وهي هجرة نفسية قبل أن تكون هجرة مكانية، هجرة يترك وراءه فيها كل شيء من ماضي حياته، يترك أباه وقومه وأهله وبيته ووطنه، وكل ما يربطه بهذه الأرض وبهؤلاء الناس، ويدع وراءه كذلك كل عائق، وكل وشاغل، ويهاجر إلى ربه متخففا من كل شيء طارحا وراءه كل شيء مسلما نفسه لربه لا يستبقي منها شيئا موقن أن ربه سيهديه، وسيرعى خطاه، وينقلها في الطريق المستقيم إنها الهجرة الكاملة من حال إلى حال، ومن وضع إلى وضع، ومن أواصر شتى إلى آصرة واحدة لا يزاحمها في النفس شيء، إنه التعبير عن التجرد، والخلوص، والاستسلام، والطمأنينة، واليقين)
ومما يؤسف له أن هذه الهجرة المباركة، والتي أصبحت منبع خير ومصدر بركات على طول التاريخ البشري، والتي عانى فيها أبو الأنبياء معاناة مرة، وتحمل مشقات قاسية قد نسجت حولها من الخرافات والأوهام والسخافات الكثيرة حتى شوهت صورتها تشويهاً كاملاً لولا أن الله قد حفظها بكتابه الكريم، حيث راح كثير من المؤرخين يدونون الروايات الإسرائيلية في أسفارهم، بل الأَمَرُ من ذلك أن بعض المفسرين راح يثبتها؛ لتفسير كلام الله العزيز بها، وهي تتنافى مع العقل والمنطق ومع شخصية الإنسان العادي فضلا عن نبي مرسل اتخذه الله خليلاً (ومن عجب أن بعض المؤرخين الإسلاميين قد تابعوا التوراة في مزاعمها) وفي تلك الأوهام التي لا تستند إلى سند تاريخي سليم، ولا إلى دليل علمي متين، وأكثر من هذا نسبوا له الكذب والعياذ بالله على لسان رسول الله (ص) وإنه كذب ثلاث كذبات كما قال أبو هريرة.
ولست أدري كيف يسيغون هذا الوضع المفترى على لسان أصدق خلق الله تعالى. مع أن القرآن صريح في بيان شخصية إبراهيم (ع) حيث قال تعالى: ((وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إبراهيم إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً)) (مريم:41) وهذا تعبير عن انطباع شخصية إبراهيم على الصدق حيث لا يستطيع الكذب أبداً. وإذا كان أبو هريرة ينسب الكذب إلى خليل الرحمن؛ ليبرر كذبه على رسول الله (ص) كيف جاز للكتّاب المعاصرين بالخصوص أن ينقلوا هذه الفرية الفاحشة، والأنكى من ذلك أن بعضهم راح يؤول هذه الفريات تأويلاً أوهى من بيت العنكبوت، ويلبسها ثوبا إسلاميا. كالفرية الفاحشة التي تقول إن إبراهيم (ع) حين هاجر إلى مصر، وكانت معه زوجته، وكانت من أجمل نساء عصرها، طلب منه فرعون، وكان اسمه سنان بن علوان حين سمع بجمالها أن يُزينها ويرسلها إليه، ثم يقول: (فأمر إبراهيم فتزينت وأرسلها إليه...) إلى آخر الرواية الإسرائيلية. وحين أرسلها أمرها أن تقول إنها أخته؛ لئلا يقتله فرعون، وتقصد بذلك أنه زوجته، ولكنها أخته بالإيمان؛ لأنه ليس على وجه الأرض مؤمن غيرهما... مع أنهم يرون بالمقابل أن إبراهيم (ع) كان غيوراً شديد الغيرة على أهله حتى إنه كان يغلق باب داره، ويأخذ المفتاح؛ لئلا يدخل أحد داره وفي ذلك روايات كثيرة.
ومن المضحك المبكي أن بعض المؤرخين فسروا هجرة خليل الرحمن للتخلص من مشكلة عائلية ألمت به، وحولت بيته إلى جحيم لا يطاق، وهي غيرة سارة من زوجته هاجر التي عادت لا تطيق أن ترى إسماعيل (ع) في هجر سارة ولذلك اضطر إبراهيم (ع) أن يبعد ولده وزوجته، ويضعهما في واد لا ماء ولا زرع فيه، ليتخلص من تلك المشكلة العويصة!!! وأي عاقل لو تأمل في هذا التحليل وهو عارف شخصية إبراهيم النبوية لعرف سخفها وهزالتها (وإلا لو كان الأمر مجرد إبعاد هاجر وولدها إسماعيل عن سارة لكان الأولى بإبراهيم وهو الرحيم بولده الحنون على زوجته أن يذهب بها إلى أرض الكنانة فيحقق بذلك عدة أغراض: تستقر زوجته عند أهلها، ويطمئن على ولده عند خؤولته، ولا نقول برد المرأة إلى أهلها بدل أن يقذف بها هناك في صحراء جرداء لا زرع فيه ولا ماء. ولكن الخليل لم يفعل ما فعل بأمر من نفسه أو بأمر من سارة – كما يحلو للسطحيين من المؤرخين – وإنما كان يفعل ذلك بأمر من رب إبراهيم تمهيداً لأعظم مهمة خلدت ذكر إبراهيم وهَدَت أقواما إلى الإيمان بالواحد القهار أعنى أول بيت وضع للناس بيت الله الحرام، وليعيش إسماعيل هناك، وحتى يخرج من ظهره أشرف الأولين والآخرين)
وجاء المستشرقون ومن حذا حذوهم فأخذوا يفسرون هذه الهجرة العظيمة تفسيرا اقتصاديا مرة، وسياسية أخرى؛ ليطمسوا السبب الحقيقي والجوهري للهجرة الإبراهيمية، وهي نشر التوحيد فقالوا: إن إبراهيم هاجر من أور في العراق بعد أن فقدت شهرتها، وبارت وترسب الطين على مرافئها... وبناء على هذا تكون هجرة إبراهيم هجرة اقتصادية يفتش فيها عن مجالات مالية، لينمي فيها ثروته...!!!
وقال آخرون: إن إبراهيم (ع) هاجر من العراق لأسباب سياسية حيث اشتد الصراع السياسي والحضاري بين الحكومات القائمة في المدن السومرية... وهكذا أرجعوا هجرة خليل الرحمن إلى أسباب سياسية واقتصادية، وخَرَّجوا العامل الجوهري في هجرته ،وهو نشر عقيدة التوحيد في الأرض بأسلوب مزخرف ظاهره التحليل العلمي، وباطنه الدس والتحريف، لدفن الحقيقة الدينية. وهذا هو منهج معظم المستشرقين، ومن انتهج نهجهم من تلامذتهم المستغربين...
ولكن الحقيقة التي لا نقاش فيها، بل هي أصرح من الشمس في رائعة النهار أن الخليل (ع) لم يهاجر لأسباب اقتصادية أو سياسية، وإنما كانت هجرته في حقيقتها وجوهرها هجرة في الله وإلى الله امتثالا لأمر الله تعالى، وطلب مرضاته دون أي ضميمة أخرى،وبهذا صرح القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وعلى لسان إبراهيم (ع) قائلاً: ((إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ)) (الصافات:99) ولوط (ع) يقول: ((إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)) (العنكبوت:26)
فالعجب كل العجب أن إبراهيم (ع) نفسه يقول إني مهاجر إلى الله تعالى... والمؤرخون، والمفسرون، والمحللون الذي يُحَملون اللفظ ما ليس فيه، ولا يدل عليه إنه مهاجر للاقتصاد أو للسياسية، أو لأجل مشكلة عائلية... ولا شك أن أذية إبراهيم من هذه الأكاذيب وهو في علياء قدسه في مقعد صدق عند مليك مقتدر أكثر من آلام الهجرة ومحنتها التي عبرها بنجاح كامل لم يتوان فيها عن أمر الله قيد أنملة فكان كما وصفه ربه صديقاً نبياً.
يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com