موقع الصراط ... الموضوع : التواضع-4
 
الأحد - 18 / ربيع الثاني / 1441 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  التواضع-4  
   
  كتب بتاريخ : الأحد - 6 / ذي القعدة / 1433 هـ
     
  أمثلة من تواضع أمير المؤمنين(ع) وأولاده الطاهرين(ع):
لم تكن حياة الإمام علي (ع) لتختلف عن حياة رسول الله (ص) قيد أنملة وإنما هي المثال الأمثل لسيرة رسول الله (ص) وكيف لا وهو الذي ما فارق رسول الله (ص)، وهو القائل: (كنت أتبعه اتباع الفصيل أمه، يرفع لي كل في كل من أخلاقه علماً، ويأمرني بالاقتداء به)؛ ولهذا نجد في سيرته (ع) تجسيداً حياً لسيرة الرسول الأكرم (ص)، وقد ذكر المؤرخون أمثلة من تواضعه نذكر قليلاً منها:
جاء عن الإمام أبي محمد العسكري (ع) إنه قال: (أعرف الناس بحقوق إخوانه وأشدهم قضاءً لها أعظمهم عند الله شأناً، ومن تواضع في الدنيا لإخوانه فهو عند الله من الصدّيقين، ومن شيعة علي بن أبي طالب (ع) حقاً، ولقد ورد على أمير المؤمنين (ع) أَخوان له مؤمنان أب وابن، فقام إليهما، وأكرمهما، وأجلسهما في صدر مجلسه، وجلس بين أيديهما، ثم أمر بطعام فأُحضر، فأكلا منه، ثم جاء قنبر بطست، وإبريق خشب، ومنديل لييبس، وجاء ليصب على يد الرجل ماء، فوثب أمير المؤمنين (ع) وأخذ الإبريق؛ ليصب على يد الرجل، فتمرغ الرجل في التراب، وقال: يا أمير المؤمنين الله يراني وأنت تصب على يدي؟!
قال: اقعد واغسل فإن الله عز وجلّ يراك، وأخوك الذي لا يتميز منك، ولا يتفضل عليك يخدمك، يزيد بذلك في خدمه في الجنة مثل عشرة أضعاف عدد أهل الدنيا، وعلى حسب ذلك في مماليكه فيها، فقعد الرجل، فقال له علي (ع): أقسمت عليك بعظيم حقي الذي عرفته وبجلته وتواضعك لله بأن ندبني لما شرفك به من خدمتي لك لما غسلت مطمئناً كما كنت تغسل لو كان الصاب عليك قنبراً، ففعل الرجل ذلك.
فلما فرغ ناول الإبريق محمّد بن الحنفية، وقال: يا بني، لو كان هذا الابن حضرني دون أبيه لصببت على يده، ولكن الله يأبى أن يسوى بين ابن وأبيه إذا جمعهما مكان، لكن قد صب الأب على الأب، فليصب الابن على الابن، فصب محمد بن الحنفية على الابن)
ثم قال الحسن العسكري (ع): (فمن اتبع علياً على ذلك فهو الشيعي حقاً)(1)
وعن الإمام الباقر (ع) في خبر: (أنه رجع علي (ع) إلى داره في وقت القيظ، فإذا امرأة قائمة تقول: إن زوجي ظلمني، وأخافني، وتعدّى عليَّ، وحلف ليضربني، فقال: يا أمة الله، اصبري حتى يبرد النهار ثم أذهب معك إن شاء الله، فقالت: يشتد غضبه وحرده عليَّ، فطأطأ رأسه، ثم رفعه وهو يقول: لا والله، أَوَ يؤخذ للمظلوم حقه غير متعتع، أين منزلك؟ فمضى إلى بابه، فوقف، فقال: السلام عليكم، فخرج شاب، فقال (ع): يا عبد الله، اتقِّ الله، فإنّك قد أخفتَها وأخرجتَها، فقال الفتى: وما أنت وذاك؟ والله لأحرّقنَّها لكلامك، فقال أمير المؤمنين (ع): آمرك بالمعروف، وأنهاك عن المنكر تستقبلني بالمنكر، وتنكر المعروف؟
قال: فأقبل الناس من الطرق، ويقولون: سلام عليكم يا أمير المؤمنين، فسقط الرجل في يديه، فقال: يا أمير المؤمنين، أقلني [في] عثرتي، فوالله لأكوننَّ لها أرضاً تطأني، فأغمد عليٌّ (ع) سيفه، فقال: يا أمة الله، ادخلي منزلك، ولا تلجئي زوجك إلى مثل هذا وشبهه)(2)
وروى الفجنكردي في سلوة الشيعة له:
ودع التجبر والتكبر يا أخي * إن التكبر للعبيد وبيل
واجعل فؤادك للتواضع منزلاً * إن التواضع بالشريف جميل
ومن روائع تواضعه أنه (ع) نظر إلى امرأة على كتفها قربة ماء، (فأخذ منها القربة، فحملها إلى موضعها، وسألها عن حالها، فقالت: بعث علي بن أبي طالب صاحبي [زوجي] إلى بعض الثغور فقُتل، وترك عليَّ صبياناً يتامى، وليس عندي شيء، فقد ألجأتني الضرورة إلى خدمة الناس، فانصرف وبات ليلته قلقاً، فلما أصبح حمل زنبيلاً فيه طعام، فقال بعضهم: أعطني أحمله عنك، فقال: من يحمل وزري عني يوم القيامة؟ فأتى وقرع الباب، فقالت: من هذا؟ قال: أنا ذلك العبد الذي حمل معك القربة، فافتحي فإن معي شيئاً للصبيان. فقالت: رضي الله عنك وحكم بيني وبين علي بن أبي طالب، فدخل وقال: إني أحببت اكتساب الثواب فاختاري بين أن تعجنين وتخبزين، وبين أن تعللين الصبيان لأخبز أنا، فقالت: أنا بالخبز أبصر، وعليه أقدر، ولكن شأنك والصبيان، فعلّلِهم حتى أفرغ من الخبز، قال: فعمدت إلى الدقيق فعجنته، وعمد علي (ع) إلى اللحم فطبخه، وجعل يلقّم الصبيان من اللحم والتمر وغيره، فكلما ناول الصبيان من ذلك شيئاً قال له: يا بُنَي، اجعل علي بن أبي طالب في حل مما أمر في أمرك [مما مر في أمرك]، فلما اختمر العجين، قالت: يا عبد الله، اسجر التنور، فبادر لسجره فلما أشعله، ولفح في وجهه جعل يقول: ذق يا علي هذا جزاء من ضيّع الأرامل واليتامى، فرأته امرأة تعرفه، فقالت: ويحكِ هذا أمير المؤمنين (ع)، قال:فبادرت المرأة وهي تقول: وا حيائي منك يا أمير المؤمنين، فقال: بل وا حيائي منك يا أمة الله، فيما قصرت في أمرك)(3)
ورغم كثرة عبادته، وجهاده في سبيل الله، وتضحياته الجمّة التي شهد بها المحب له والمبغض، تراه متواضعاً لله، خائفاً أن لا يقبل الله منه شيئاً، فقد قيل له: (كم تتصدق؟ كم تخرج مالك؟ ألا تمسك؟ قال: إني والله لو أعلم أن الله تعالى قَبِل مني فرضاً واحداً لأمسكت، ولكني والله لا أدري أقبل سبحانه مني شيئاً أم لا)(4)
ومن تواضع الإمام الحسن بن علي (ع): (أنه مَرَّ على فقراء قد وضعوا كسيرات على الأرض، وهم قعود يلتقطونها ويأكلونها، فقالوا له: هلمَّ يا ابن بنت رسول الله إلى الغداء، قال: فنزل وقال: إن الله لا يحب المستكبرين، وجعل يأكل معهم حتى اكتفوا، والزاد على حاله ببركته (ع) ثم دعاهم إلى ضيافته، وأطعمهم، وكساهم)(5)
ومن تواضعه (ع) أنه كان لا يعتذر عن قضاء حاجة مؤمن أبداً، فقد روي أنه (ع) خرج (يطوف بالكعبة فقام إليه رجل، فقال: يا أبا محمّد، اذهب معي في حاجتي إلى فلان، فترك الطواف، وذهب معه، فلما ذهب قام إليه رجل حاسد للرجل الذي ذهب معه، فقال: يا أبا محمّد، تركت الطواف وذهبت مع فلان إلى حاجته؟! قال: فقال له الحسن (ع): وكيف لا أذهب معه، ورسول الله (ص) قال: (من ذهب في حاجة أخيه المسلم فقضيت حاجته كتبت له حجة وعمرة، وإن لم تقضَ كتبت له عمرة)، فقد اكتَسَبْتُ حجة وعمرة، ورجعت إلى طوافي)(6)
ومن روائع صور التواضع ما اشتهر عن الإمام زين العابدين (ع) أنه (لا يسافر إلا مع رفقة لا يعرفونه، ويشترط عليهم أن يكون من خدم الرفقة فيما يحتاجون إليه، فسافر مرة مع قوم، فرآه رجل فعرفه، فقال لهم: أتدرون من هذا؟ فقالوا: لا، قال: هذا علي بن الحسين (ع)، فوثبوا فقبلوا يده ورجله، وقالوا: يا ابن رسول الله، أردت أن تصلينا نار جهنم لو بدرت منا إليك يد أو لسان أما كنا قد هلكنا آخر الدهر؟ فما الذي يحملك على هذا، فقال (ع): إني كنت سافرت مرة مع قوم يعرفونني، فأعطوني برسول الله (ص) ما لا أستحق به، فإني أخاف أن تعطوني مثل ذلك، فصار كتمان أمري أحب إليَّ)(7)
ومن عظيم تواضعه أنه كان يحمل كيساً، ويدور على بيوت الأرامل والأيتام متنكراً؛ ليوصل إليهم مؤنتهم، وقد رآه الزهري في (ليلة باردة مطيرة، وعلى ظهره دقيق، وهو يمشي، فقال: يا ابن رسول الله، ما هذا؟ قال: أريد سفراً أعد له زاداً أحمله إلى موضع حريز، فقال الزهري: فهذا غلامي يحمله عنك، فأبى، قال: أنا أحمله عنك، فإني أرفعك عن حمله، فقال علي بن الحسين (ع): لكني لا أرفع نفسي عما ينجيني في سفري، ويحسن ورودي على ما أرد عليه، أسألك بحق الله لما مضيت لحاجتك وتركتني، فانصرف عنه، فلما كان بعد أيام قال له: يا ابن رسول الله، لست أرى لذلك السفر الذي ذكرته أثراً؟ قال: بلى يا زهري، ليس ما ظننت، ولكنه الموت وله أستعدُّ، إنما الاستعداد للموت تجنب الحرام، وبذل الندى في الخير)(8)
وكان الإمام محمد الباقر (ع) كأبيه متواضعاً لله، ولعباده الصالحين يقول الإمام أبو عبد الله الصادق (ع): (إن محمد بن المنكدر كان يقول: ما كنت أرى أن مثل علي بن الحسين (ع) يدع خلفاً لفضل علي بن الحسين (ع) حتى رأيت ابنه محمّد بن علي، فأردت أن أعظه فوعظني، فقال له أصحابه: بأي شيء وعظك؟
قال: خرجت إلى بعض نواحي المدينة في ساعة حارة، فلقيت محمّد بن علي (ع)، وكان رجلاً بديناً، وهو متكئ على غلامين له أسودين، أو موليين له، فقلت في نفسي: شيخ من شيوخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا لأعظنه، فدنوت منه، فسلمت عليه، فسلم عليَّ بنهر، وقد تصبب عرقاً، فقلت: أصلحك الله، شيخ من أشياخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا، لو جاءك الموت وأنت على هذه الحال، قال: فخلى عن الغلامين من يده، ثم تساند، وقال: لو جاءني والله الموت، وأنا في هذه الحال، جاءني وأنا في طاعة من طاعات الله أكف بها نفسي عنك، وعن الناس، وإنما كنت أخاف الموت لو جاءني وأنا على معصية من معاصي الله، فقلت: يرحمك الله أردت أن أعظك فوعظتني)(9)
ومثل هذه الرواية رويت أيضاً عن أبي عبد الله الصادق (ع) فعن أبي عمر الشيباني قال: (رأيت أبا عبد الله (ع) وبيده مسحاة، وعليه إزار غليظ يعمل في حائط له، والعرق يتصابُّ عن ظهره، فقلت: جعلت فداك أعطني أكفك، فقال لي: إني أحب أن يتأذى الرجل بحر الشمس في طلب المعيشة)(10)
ويقول (ع): (إني لأعمل في بعض ضياعي حتى أعرق، وإن لي من يكفيني؛ ليعلم الله عز وجلّ إني أطلب الرزق الحلال)(11)
وروي عن الإمام موسى بن جعفر (ع): (أنه مر برجل من أهل السواد دميم المنظر، فسلم عليه، ونزل عنده، وحادثه طويلاً، ثم عرض (ع) عليه نفسه في القيام بحاجة إن عرضت له، فقيل له: يا ابن رسول الله، أتنزل إلى هذا ثم تسأله عن حوائجه، وهو إليك أحوج؟ فقال (ع): عبد من عبيد الله، وأخ في كتاب الله، وجار في بلاد الله، يجمعنا وإياه خير الآباء آدم (ع) وأفضل الأديان الإسلام، ولعل الدهر يرد من حاجتنا إليه، فيرانا بعد الزهو عليه متواضعين بين يديه)(12)
وضرب المثل الأعلى في التواضع الإمام علي بن موسى الرضا (ع)، يقول رجل من أهل بلخ: (كنت مع الرضا (ع) في سفره إلى خراسان فدعا يوماً بمائدة له، فجمع عليها مواليه من السودان وغيرهم، فقلت: جعلت فداك، لو عزلت لهؤلاء مائدة؟ فقال: مه إن الرب تبارك وتعالى واحد، والأب واحد، والأم واحدة، والجزاء بالأعمال)(13)
وقد كان الأئمة الأطهار (ع) يراقبون سلوك أصحابهم بدقة متناهية، فإذا ما رأوا ظاهرة ما عالجوها بحكمة بالغة، على سبيل المثال: كان محمد بن مسلم (رجلاً شريفاً موسراً فقال له أبو جعفر (ع): تواضع يا محمد، فلما انصرف إلى الكوفة أخذ قوصرة من تمر مع الميزان، وجلس على باب مسجد الجامع، وجعل ينادي عليه، فأتاه قومه، فقالوا له: فضحتنا، فقال: إن مولاي أمرني بأمر فلن أخالفه، ولن أبرح حتى أفرغ من بيع ما في هذه القوصرة، فقال له قومه: إذا أبيت إلا لتشتغل ببيع فاقعد في الطحانين، فهيأ رحى وجملاً، وجعل يطحن)(14)
وأخيراً بعد هذه الجولة الموجزة في رحاب أولياء الله المتواضعين اتضح لنا أهمية التواضع في سلوك الكادحين إلى الله، وكيف يقرب الإنسان إلى الله تعالى؟ وكيف يرفع من شأنه في الدنيا والآخرة؟ وفي هذه الجولة من الدروس والعبر ما لا يحيط به إلا من فتح الله بصيرته إليه وعرفه نفسه.
ونختم هذا البحث بهذه الحكمة العظيمة للسيد المسيح حيث يقول:
(يا معشر الحواريين، لي إليكم حاجة، اقضوها لي، قالوا: قُضِيَت حاجتُك يا روح الله، فقام فغسل أقدامهم، فقالوا: كنا نحن أحق بهذا يا روح الله، فقال: إنَّ أحق الناس بالخدمة العالم، إنما تواضعتُ هكذا لكيما تتواضعوا بعدي في الناس كتواضعي لكم)(15)

الهوامش:
(1) الشيخ الطبرسي، الاحتجاج: 2/516-517 .
(2) المحدث المجلسي، بحار الأنوار: 41/57 .
(3) المصدر نفسه: 41/52.
(4) المصدر نفسه: 138 .
(5) المصدر نفسه: 43/352.
(6) ابن عساكر، مختصر تاريخ دمشق: 7/26 .
(7) الصدوق، عيون أخبار الرضا (ع): 2/145 .
(8) المحدث المجلسي، بحار الأنوار: 46/65-66 .
(9) الشيخ المفيد، الإرشاد: 264.
(10) ثقة الإسلام الكليني، الفروع من الكافي: 5/76.
(11) المصدر نفسه: 77.
(12) ابن شعبة الحراني، تحف العقول: 309 .
(13) الكافي: 8/230 .
(14) رجال الكشي: 389 .
(15) ثقة الإسلام الكليني، الأصول من الكافي: 1/37 .
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com