موقع الصراط ... الموضوع : موقف الإسلام من الحكم والسيادة-4
 
الأحد - 12 / رمضان / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  موقف الإسلام من الحكم والسيادة-4  
   
  كتب بتاريخ : الأحد - 6 / ذي القعدة / 1433 هـ
     
  الإسلام والسيادة في الدولة:
اتضح من البحوث السابقة أن الإسلام يعتبر نفسه هو المسؤول الأول والأخير عن نظام الحكم في الأمة المسلمة، ولهذا لا يبقى أي شك في أن السيادة في تصور الإسلام لله تعالى باعتباره المولى الحقيقي، وبهذا الاعتبار نستطيع أن نقرر منطقية الحكم الإسلامي ووجدانيته.
ولذا فلسنا مع الدكتور عبد الحميد متولي في رده العنيف على طرح (مشكلة السيادة) في البحوث الإسلامية، مدعياً أنها نظرية نشأت في ظروف فرنسية، وان الظروف التي دعت لطرح المشكلة هي ظروف أوربية محضة وقد زالت فعلاً، ومؤكداً أن العلماء المسلمين لم يبحثوها، وأن بحثها الحديث يولّد أضراراً منها: نسبة بعض الأخطاء إلى بعض الخلفاء والعلماء، ومنها ادعاء الثيوقراطية للنظام الإسلامي مع أن الثيوقراطية في نظر علماء الغرب تعتبر الشكل المعروف للدولة في حياة البشرية في حالتها البدائية، كما أنها تعني في بعض صورها (نظرية التفويض الإلهي) التي استند إليها السلاطين لتسويغ استبدادهم. وأخيراً يقول: (مما تقدم يتبين أن الإسلام في غير حاجة إلى إثارة تلك المسألة، أو المشكلة التي لا تؤدي إثارتها إلى حل مشكلة من مشكلاته، وإنما تؤدي إلى خلق مشكلة جديدة، الإسلام عنها في غنى)(1).
والواقع: أننا لم نتفهم كيف عادت هذه المسألة أمراً غير ذي بال، وكيف لم تطرح من قبل المسلمين بالرغم من أنهم استدلوا جميعاً على صحة ما يقولون بدليل شرعي يثبت في نظرهم أن الله منح السيادة لهذا الشخص مباشرة أو لمن يصل إلى هذا المنصب عن طريق معين وبشروط معينة، ولو كان ذلك عن طريق انتخاب الأمة أو أهل الحل والعقد.
إننا إذا عزلنا الحاكم عن هذه المسألة لم يكن يملك فرض أي حكم عام، ولعل وضوح كون السيادة في الإسلام لله هو الذي صوّر للدكتور المذكور أن المسلمين لم يعرفوا هذا المبدأ.
أما ما ذكره من الأخطاء (في تصوره) فليست إلا أخطاءً في البحث أو النسبة، وكشفاً لفضائح كان ينبغي أن تكشف كما في مجال عمل بعض حكّام السوء والمتملقين لهم. وواضح أن النظام الإسلامي يختلف تمام الاختلاف عن الثيوقراطية الغربية، وقد أشار إلى ذلك المودودي في أحد كتبه.
نعم لم يكن هناك إلا نزاع صوري بين من جعل حق السيادة لله - من السنّة - كالمودودي، ومن جعلها حقاً للأمة - كالخفيف - فإن هذا الأخير أيضاً إنما يتصورها حقاً للأمة بإعطاء الله هذا الحق لها، إذ يستدل على مبدأ الشورى بمثل (وشاورهم في الأمر) و(أمرهم شورى بينهم) مع فرض أن المولى هنا في مقام التشريع لا الإخبار عن حق مسبق للأمة، بل حتى لو كان يخبر فإنما يخبر عن جعل الهي مسبق لهذا الحق للأمة.
وعلى أي حال فالاتفاق الإسلامي حاصل على أن حق السيادة لله لا غير، وإنما يبحث عمّن أعطاه الله هذا الحق.
خامساً: أما ما ذكر من قبل بعض القادة العلمانيين فهو أمر غريب حقاً. ذلك أننا إذا استندنا إلى هذا المنطق تجاهلنا:
أولاً: كل التعاليم الإسلامية الداعية إلى الحكم الإسلامي، وإقامة نظام الحياة الاجتماعية على أساس ديني: (ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكافرون)(2).
(ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الظالمون)(3).
(ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الفاسقون)(4).
وتناقضنا مع إيماننا: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم)(5).
وثانياً: فإن إسرائيل لم تقم على منطق سوى السيف والقوة والاعتداء، ومثل هذا التقول يكاد يعطيها الحق في القيام، باعتبار انه يشكل الدليل التالي:
إسرائيل تقوم على أساس الدين الواحد.
وفكرة كون الدين أساساً للحياة هي فكرة صائبة.
فإسرائيل تقوم على حق.
في حين أن الواقع في المسألة الإسرائيلية:
1- إنها لا تؤمن بأي دين حتى اليهودية، وليست سوى قاعدة استعمارية استكبارية زرعها الكفر ليفجّر المنطقة الإسلامية، ويسوقها إلى أهدافه الرخيصة.
٢- إنها لم تستند في قيامها إلى مثل هذا المنطق، استناداً حقيقياً، بحيث يفسح لها المجال في القيام، وإنما كانت ذريعة سبقتها القوة والغصب.
٣- إن فلسطين هي أرض إسلامية منذ مئات السنين وحتى اليوم، فلا بد أن يدعو هذا المنطق (منطق قيام الحكم على أساس ديني) إلى قيام حكومة إسلامية فيها، خصوصاً إذا علمنا أن أكثر يهودها قد جاءوا من أماكن أخرى، وإن أكثر مواطنيها الحقيقيين قد شرّدوا في البلاد الأخرى. وثالثاً: إذا كان هناك من يستغل مبدأ صحيحاً ويطبّقه تطبيقاً خاطئاً فهل هذا يعني أن نرفع أيدينا عن المبدأ الصحيح؟
فمثلاً: إذا كان من ادعوا (المهدوية) في التاريخ أناساً منحرفين فهل هذا يعني أن نرفع أيدينا عن الإيمان بفكرة (المهدوية) التي كثرت الروايات وتواترت على صحتها، لا لشيء إلا لأن بعض الأشخاص استغلوها غاية الاستغلال؟ أو فلنقل: إن كان هناك أنبياء مزيّفون فهل هذا يلزمنا بعدم الإيمان بمبدأ النبوة مطلقاً؟

نموذج متطرف من كتابات العلمانيين:
في ختام حديثنا عن العلمانية رأينا أن نقدم نموذجاً واحداً من كتابات العلمانيين العرب وهو نموذج يطفح بالإلحاد رغم ادعاء صاحبه بأنه لا يتنافى والحقائق الدينية، وينافح ويكافح في سبيل تأصيل الفكرة العلمانية وبنائها على أسس فلسفية مدعياً أن المنطق العقلي يرفض أن يكون الدين والحقائق الدينية (حتى لو قبلناها ولم نناقش فيها) أساساً للنظام الاجتماعي. في حين لا يمانع من قيام العقل الإنساني الناقص، أو قيام الماركسية أو الرأسمالية مثلاً ببناء مثل هذا النظام. وسنبدأ حديثنا بالإشارة إلى مباحث كتاب (الأسس الفلسفية للعلمانية) لعادل ضاهر ثم نعقب عليه باختصار مشيرين إلى بعض نقاط الضعف التي يزخر فيها رغم كونه من انضج الكتب العلمانية.
في مطلع الكتاب يؤكد الكاتب على مبدأ (أسبقية العقل على النص)(6) وينعى على أولئك الذين يلتمسون مبرراً للعلمانية من الدين ويرى أنهم يقعون في تناقض.
ويعلن أن العلمانية قد تراجعت أمام الدين في حياتنا. ويعلل ذلك: بأنها لم تقم في سياق حركة نقدية شاملة لذلك نشأت هشة، وسرعان ما هزمت.
ويؤكد أنه يسعى لبيان قدرة الإنسان بمفرده لتحديد موقفه من الحياة بعيداً عن الدين، وأن العوامل المعرفية والميتاأخلاقية والميتاسياسية تؤكد ذلك. وأنه لا يمكن - عقلاً - أن تكون المعارف الاجتماعية العلمية مشتقة من المعرفة الدينية وهذا يعني أن علينا أن نؤول كل النصوص القرآنية والدينية التي تدل على العلاقة بين المعرفتين (الدينية والاجتماعية) لتعود العلاقة علاقة تاريخية محضة، لها مبرراتها التاريخية لا مبرراتها المفهومية والمنطقية.
وفي مطلع بحثه يفترض إمكان المعرفة الدينية - وإن كان يشكك فيها في الأصل - كما يفترض إمكان المعرفة الاجتماعية ليدرس العلاقة بينهما.
وقبل أن يدرس هذه العلاقة يرد على بعض العلمانيين والإسلاميين جعلهم الظروف الغربية، المناخ المناسب لنشوء العلمانية، الأمر الذي لا يسمح لها بالظهور في التربة الإسلامية(7)، مذكراً بأن هناك معاصرة بينهما لا غير، وأن جوهر العلمانية هو رفض وجود أي مرجع تشريعي سوى العقل الإنساني، ومهما تصورنا من مرجعية (مرجعية الوحي، نظام الكنيسة، دار الإفتاء و...) فإنها تتنافى مع العلمانية، حتى ولو كانت بمستوى الهيمنة الروحية على الأفراد(8).
ويؤكد أن الإلزام السياسي يجب أن لا يأتي إلا من العقل الإنساني، بعيداً عن الدين، وأن اللجوء إلى الاعتبارات الدينية لإضفاء الشرعية على الدولة مرفوض مبدئياً(9).
ويرى أن بعض الكتّاب الإسلاميين يقعون في تناقض حينما يؤمنون بـ (الدولة الإسلامية)، كما يؤمنون بأهمية (العقل العملي)،نعم لو أن شخصاً اقتضى العقل العملي لديه أن كل ما يقول به الدين في الحياة الاجتماعية صحيح فلا يمكن حرمانه من لقب (العلمانية)(10).
ويؤكد: أن العلمانية اللينة هي التي تدعو إلى إقامة دولة لا دينية على أساس من اعتبارات اجتماعية أو نفسية أو سياسية أو تاريخية، أو على أساس أنه لا يمكن أن تكون ديموقراطية إذا كانت دينية، ويصنف العلمانيين الذين يستندون إلى النصوص الدينية إلى هذه (الليونة). أما العلمانية الصلبة والأصيلة فهي تلك التي تقيم تناقضاً عقلياً بين المفهومين فتؤكد أن المعرفة الاجتماعية لا يمكن أن تجد أساسها الأخير في المعرفة الدينية(11)، وأن المعرفة القيمية العلمية تسبق بطبيعة الحال المعرفة الدينية ويعتبر هذه المقولة هي أطروحة الكتاب(12)، ولا يرى ذلك منافياً للإيمان بالله.
وتقوم فكرته الفلسفية على قضيتين، هما: المعرفة الدينية يجب أن تكون ضرورية، والمعرفة العلمية الاجتماعية يجب أن تكون جائزة (أي تحتمل البدائل المتنوعة) ولا يمكن أن تكون القضية الجائزة مستنتجة من القضية الضرورية عقلاً.
ويدخل هنا في بحث مطول عن وجود الله وصفاته سواء صفات الذات أو صفات الفعل - دون أن يميز بينها - مناقشاً الإطلاق في هذه الصفات فالقدرة المطلقة لا تشمل المستحيلات ولا تشمل الأمور غير العقلانية أيضاً.
وربما دخل في البحث الفلسفي الموجود عن تقدم الماهية على الوجود أو العكس.
كما يبحث في المعرفة العملية ويرى أنها مكونة من أمرين: علمي وأخلاقي معياري، لينتهي إلى أنه لا يمكن إضفاء طابع الضرورة على الأحكام الأخلاقية(١3)، وهذا يشمل حتى المبادئ الأخلاقية الأساسية كمبدأ العدالة والحرية والمنفعة، فهي غير مطلقة، لأنها قد تتعارض فيتم تقييدها. وهكذا يصل إلى ما يسميه بالمقولة المنطقية الأساسية، وهي أنه لا يمكن اشتقاق الجائز من الضروري، والقرآن لا يمكن أن يعطينا معرفة علمية جائزة(14)، ولا يمكن اشتقاق معرفة معيارية من أي خطاب ديني(15)، متعرضاً بشكل سطحي جداً إلى قاعدة (لا ضرر ولا ضرار) و(قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، معتبراً القاعدة الأخيرة تحصيل حاصل لا يحتاج منا إلى وحي.
وعن العلاقة بين الأخلاق والدين: يطرح مسألة التحسين والتقبيح العقليين ليؤيد فكرة المعتزلة والإمامية القائلين بأن الحسن والقبح ذاتيان، ويستنتج أن العقل يسبق الوحي بل يعتمد عليه الوحي.
وفي ما يسميه بالأطروحة الابستمولوجية الثانية يفترض أن الإنسان قادر على تكوين المعرفة الاجتماعية ولكن هناك معوقات تمنعه من استكمال المعرفة الأخلاقية من قبيل:
(الأنانية والميول والعجز عن التنبؤ، والطبيعة الخاطئة) ثم يسعى لبيان إمكان غلبة الإنسان على هذه الموانع متسائلاً لماذا نقبل أن تقف هذه عقبة أمام المعرفة العملية دون أن تمنع من تكون المعرفة الدينية؟
وفي نص آخر يتحدث عن موجبات طاعة الله ويحصرها في كونه حاكماً وكونه مالكاً ليؤكد أن هاتين الحيثيتين لا تؤديان إلى الالتزام المطلق بعد أن كانت هناك اعتبارات عقلائية، لينتهي إلى جعل المرجع النهائي هو (الاعتبارات العقلائية)(16) ويطرح في مسألة الإلزام الديني شبهات من قبيل:
أولاً- الدين إنما يبين لنا واجباتنا الأولية لا واجباتنا بالفعل، وهي مقيدة بالظروف الزمانية والمكانية. ثانياً- إن واسطتنا في الإطاعة هي النصوص وهي لا تنفع إلا إذا تطابقت مع الاعتبارات العقلائية.
ثالثاً- إن رجوعنا إلى الله عن طريق هذه النصوص هو أصعب من رجوعنا مباشرة إلى هذه الاعتبارات، لتعرضها للتحريف.
وهو في الواقع يعمل جاهداً على نفي مرجعية الوحي والعودة إلى ما يسميه بالاعتبارات العقلائية في عملية التشريع كلها.
ويطرح هنا ما يمكن أن يطرحه المؤمنون من افتراضات ليناقشها وهي:
إذا كان النص قطعي الثبوت، وإذا كانت النبوة ثابتة وإذا كان الوحي يعني الطريقة المباشرة (غير الاستدلالية) للمعرفة فأمر الله معروف ولاشك فيه(١7) ويركز في المناقشة على عملية (الوحي) ويحاول أن يحللها مثيراً شبهة توهم النبي للوحي وهي شبهة قديمة معروفة تحاول أن تبقي على صدق النبي فيما يقوله ولكنها تشكك في المدّعى من جهة أن هناك فرقاً بين الإحساس بالألم وما يبدو أنه إحساس بالألم.
ومن هنا فهو يؤكد أن الوحي ليس من مقولة الحدس ولا من مقولة الحس لينتهي إلى أنه (تجربة داخلية) لدى النبي وهذا يعني بالتالي فقدان أثر العصمة لأن معطى الوحي يمثل تمازجاً بين معطى الله والنوازع الداخلية للنبي ثم إن الذي يميز عملية الوحي ودقتها هو العقل.
ثم يؤكد انه لما لم تكن هناك مقولة للتمييز بين الأنبياء الصادقين والكاذبين سوى العقل فالمرجع إذن العقل.

الهوامش:
(1) متولي، د. عبد الحميد، مبادئ نظام الحكم في الإسلام ، ص ١٦٥ ـ ١٩٣.
(2) سورة المائدة، الآية ٤٤.
(3) سورة المائدة، الآية ٤٥.
(4) سورة المائدة، الآية ٤٧.
(5) سورة النساء، الآية ٦٥.
(6) ضاهر ، عادل، الأسس الفلسفية للعلمانية، بيروت ، مكتبة الحياة، ص ٥.
(7) المصدر نفسه، ص ٤٣.
(8) المصدر نفسه، ص ٥١.
(9) المصدر نفسه، ص ٥٢.
(10) المصدر نفسه، ص ٦١.
(11) المصدر نفسه، ص ٧٣.
(12) المصدر نفسه، ص ٧٤.
(13) المصدر نفسه، ص ١٥٦.
(14) المصدر نفسه، ص ١٧١.
(15) المصدر نفسه، ص ١٧٥.
(16) المصدر نفسه، ص ٢٨١.
(17) المصدر نفسه، ص ٢٩٢.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com