موقع الصراط ... الموضوع : مدارس الحسين (ع)
 
الجمعة - 9 / صفر / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  مدارس الحسين (ع)  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 11 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
قال الإمام الصادق (ع) لداود بن سِرْحان: ((يا داود، أبلغ مواليّ عنّي السلام، وأنّي أقول: رحم الله عبداً اجتمع مع آخر، فتذاكرا أمرنا، فإنَّ ثالثهما ملك يستغفر لهما، وما اجتمع اثنان على ذكرنا إلا باهى الله تعالى بهما الملائكة، فإذا اجتمعتم فاشتغلوا بالذكر، فإنّ في اجتماعكم ومذاكرتكم إحياءنا، وخير الناس من بعدنا من ذاكر بأمرنا ودعا إلى ذكرنا))(1).

لماذا تقام مجالس العزاء الحسيني في كل عام في شهري محرم وصفر، بل وفي أغلب أيام السنة؟
هل هي عادة اعتدناها حتى صارت جزءاً من أعرافنا وتقاليدنا؟ أم هي عبادة نتقرّب بها إلى الله تعالى؟ وما المراد منها؟ وكيف يجب أن تكون؟
هل تقام لأنَّ فيها كلَّ هذا الثواب؟ أم تقام لأجل أن نبكي ونعيش مأساة الحسين (ع)؟ أم لكي تتعمق روح الولاء الإسلامي للحسين (ع)؟
وللجواب على هذه التساؤلات لا بد وأن نرجع إلى بيانات الحسين (ع) التي صدرت منه؛ لنقف على حقيقة ما أراده الحسين (ع) من ثورته؛ لنعرف أهدافه من تلك العمليّة التضحويّة، والتي كان يعرف مقدّماً نتائجها العسكرية كما دلّت تصريحاته على ذلك، وبأنّه مقتول مع جميع أهل بيته وأصحابه.
ومن أوائل بياناته قوله (ع) في كتاب كتبه إلى بني هاشم: ((بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي بن أبي طالب إلى بني هاشم: أمّا بعد، فإنّه من لحق بي منكم استشهد، ومن تخلّف لم يبلغ مبلغ الفتح، والسلام))(2).
وقوله (ع) لأم سلمة: ((والله إنّي مقتول كذلك، وإن لم أخرج إلى العراق يقتلونني أيضاً))(3).
وغيرها من البيانات الصريحة التي تدلّ على أنّه يعلم بمصيره ومستقبله مفصّلاً، ورغم ذلك مضى، واستشهد هو وأهل بيته وأصحابه، وأحدث بدمه زلزالاً اقتلع الكيان الأموي من جذوره، وأبطل المخطط الذي رُسِمَ؛ لتحريف الإسلام، ثم القضاء عليه، وبقيت ثورته ملتهبة في القلوب، ولن تنطفئ إلى يوم القيامة، تُلهبُ المشاعر، وتوقظ الغافلين، وترهب الظالمين، ولن تبرد حرارة قتله أبداً أبداً، وهو ما أكدّه جده الصادق الأمين (ص) الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى حين قال: ((إنّ لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبداً))(4).
ولهذا بقيت تلك الحرارة مستعرة في قلوب المؤمنين، ومجالس عزاء الحسيني تلهب تلك الحرارة... ومن هنا فإنّ لمجالس العزاء أهدافاً مرسومة مسبقاً، ولكن تحقيق تلك الأهداف تتناسب تناسباً طردياً مع وعي المقيمين والمتحدّثين فيها.. ونحن نذكر بعض تلك الأهداف:
1- إرجاع الناس إلى الله تعالى؛ وذلك لأنّ الحسين (ع) ما ثار وتحمّل ما تحمّل من التضحية والفداء؛ إلا لأجل تعبيد الناس لله تعالى؛ ولهذا يروي لنا الإمام الصادق (ع) عن جدّه الحسين (ع) أنّه قال: ((أيّها الناس، إنّ الله جل ذكره ما خلق العباد إلا ليعرفوه، فإذا عرفوه عبدوه، فإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة من سواه))(5).
ومن خلال التأمل في كلماته ومواقفه وإقدامه على الشهادة يتبين أنّه (ع) أراد من كلّ خطوة خطاها، ومن كلّ كلمة نطق بها أن يُعَبِّد الناس لله تعالى، ويقرّبهم إليه بتحكيم شرائعه.
ومن هنا يجب أن تكون مجالس عزاء الحسين (ع) مدارس إلهية تُرجع الناس إلى الله تعالى، وإذا لم تكن كذلك فلا حاجة للحسين (ع) وأولاده، وإخوانه وأصحابه بها؛ لأنَّ مجالسه يجب أن تصوّر حياته، وأخلاقه، وأهدافه، ووسائله؛ فهي مجالس ذكر وعبادة يتقرب العبد بها إلى الله من خلال ما يطرح فيها من معارف إلهية ومفاهيم إسلامية، وما تبعثه في النفوس من حرارة رسالية، وشوق إلى الله تعالى.
وخلاصة القول: إنَّ مجالس العزاء الحسيني محاريب ذكر تركّز العقيدة الإسلامية في النفوس، وتعمّق حب الله ورسله في القلوب، وتدلّ الإنسان على الهدى، وتحميه من السقوط في الردى...
2- إنّ المجالس الحسينية تبيّن لنا أهمية الإسلام، وأنّه فوق كل الاعتبارات والقيم، وقيمته لا تحدّ بحدود فهي أثمن من الأرواح، والأموال، والأولاد، وكلّ شيء، ولهذا بذل (ع) ماله ودمه وأولاده، ورضي أن تسبى بناته ونساؤه فداء للإسلام.
ثم إنّ مجالس الحسين (ع) تعطي المفهوم الصحيح للدين، وتعيده للحياة ليحكمها ويقودها، وحقّاً ما قاله الإمام الخميني (رحمه الله): ((ولولا نهضة الحسين (ع) تلك لتمكَّنَ يزيد وأتباعه من عرض الإسلام مقلوباًً للناس، فهم لم يكونوا يؤمنون بالإسلام منذ البداية، وكانوا يُكنّون الحسد والحقد لأولياء الإسلام))(6).
وبهذه المجالس يتضح أنّ الدين ليس مجرد عبادات شكليّة، وإنّما هو نظام ومنهج حياة، وهذه من أعظم الخدمات التي تقدّمها هذه المجالس، وهكذا (أثمرت شهادة سيد المظلومين (ع) وأتباع القرآن في عاشوراء خلود الإسلام، وكتبت الحياة الأبديّة للقرآن الكريم)(7).
3- إنّ المجالس الحسينية الواعية تبعث روح التغيير وروح الإصلاح في نفوس مستمعيها، وهو ما أشار إليه الحسين (ع) بقوله: ((...وإنّي لم أخرج أشراً، ولا بطراً، ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي (ص)))(8).
وكما خرج الحسين (ع) لأجل الإصلاح لا بد وأن تكون المجالس المعقودة باسمه مجالس إصلاح؛ لتغيير الواقع الفاسد إلى واقع سليم، وهذا الهدف هدف أساسي ومركزي، يقول الإمام الخميني (رحمه الله): ((ليعلم شعبنا قيمة، وأهمية هذه المجالس التي أبقت الشعوب حيّة، في أيام عاشوراء بنسبة أكبر، وفي سائر الأيام بدرجة أقلّ، وبهذا الشكل الذي نراه، ولو كان المبهورون بالغرب يعرفون البعد السياسي لها، ولو كانوا يدّعون - حقّاً - السعي لتحقيق مصالح الشعب والبلد لرغبوا هم فيها أيضاً، ولبادروا إلى إقامتها))(9).
4- لقد كان الحسين (ع) يحاول أن يشحذ في النفوس روح الرفض والثورة على الباطل والظلم بكلّ أشكاله؛ ولهذا يجب أن تبعث مجالس الحسين (ع) روح الرفض في نفوس حضّارها، يقول الإمام الحسين (ع): ((ألا ترون إلى الحقّ لا يعمل به، وإلى الباطل لا يُتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء ربِّه محقّاً))(10).
وعلى طول الطريق كان (ع) يبعث روح الثورة والرفض في نفس كلّ من يلتقيه؛ ولهذا يجب أن تبعث هذه المجالس روح الحماس الحسيني، ولذا فإنّ المجالس التي لا تبعث في نفوس مستمعيها الحماس الثوري، والرفض الرسالي لكلّ ما يخالف شريعة الله تعالى لا يمكن أن نسميها ((مجالس حسينية)).
5- ثم إنّ مجالس الحسين (ع) لا بد أن تعمّق روح الشعور بالمسؤولية أمام الله تعالى في نفوس الحاضرين، ولقد كان الحسين (ع) يهدف إلى تحقيق ذلك منذ الساعات الأولى في انطلاقه وقبل وصوله كربلاء، فعندما خطب في جيش الحرّ قال بعد الحمد لله والثناء عليه: ((أيّها الناس، إنّ رسول الله (ص) قال: من رأي سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغير عليه بفعل ولا قول، كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله...))(11).
بهذه الكلمات الملتهبة استطاع الحسين (ع) أن يلهب المشاعر، ويصعّد الحماس الثوري في نفوس أصحابه، ويعمّق في نفوسهم الشعور بالمسؤولية، وما لم تكن مجالسه كذلك فليس لها بالحسين (ع) أيُّ مساس...
ولهذه المجالس عمق في تاريخ البشرية فما ذكر الحسين (ع) في محفل نبيّ، ولا وليّ، ولا وصيّ، ولا عبد صالح، ولا إنسان ذو فطرة سليمة(12) إلا وأبكاه وأثار أشجانه كما ثارت أشجان جدّه وأبيه وأمّه وأخيه، وهو بعد حيٌّ بينهم، ولا غرابة في ذلك؛ فهو (ع) عِبْرَة وعَبرة لكلّ مؤمن، بل لكلّ إنسان.

الهوامش:
(1) الشيخ الطوسي، الأمالي: 350، وبحار الأنوار للمحدث المجلسي: 1/200 .
(2) بحار الأنوار: 44/330 .
(3) قطب الدين الراوندي، الخرائج والجرائح: 1/253، حديث رقم: 7 .
(4) الميرزا النوري، مستدرك الوسائل: 10/318 .
(5) الشيخ الصدوق، علل الشرائع: 1/56 ، وبحار الأنوار: 5/312 .
(6) الإمام الخميني، نهضة عاشوراء: 22 .
(7) المصدر نفسه: 57 .
(8) ابن أعثم، كتاب الفتوح: 5/21 .
(9) نهضة عاشوراء: 20 .
(10) السيد ابن طاووس، الملهوف على قتلى الطفوف: 138 .
(11) تاريخ الطبري: 5/403 .
(12) يقول الصحفي المسيحي الشهير حافظ إبراهيم خير الله حين زار كربلاء: ((الرعشة لا بدّ منها.. إطلال مآذن كربلاء عليّ من بعيد.. والمقبل إلى العتبات المقدّسة في العراق يرتعش؛ لأنه مكان محجته.. دخلت إلى مقام الحسين فصعقت وذهلت.. هو ذا من استشهد فأصبح رمزاً للانتفاض على الظلم، هو ذا من استشهد في سبيل العدل، وترك الملايين تتطلّع إليه مثالاً للإنسان الذي أفنى جسده في سبيل الكمال البشري.. المسألة لم تعد تتحمّل علامات استفهام.. بعد ربع ساعة وجدت نفسي أبكي، ثم أبكي، ثم أبكي)) عن كتاب صفحات لوفت الفراغ للشيخ محمد جواد مغنية:31.

المصدر: كتاب الإمام الحسين (ع) شمس لن تغيب، للشيخ جميل الربيعي، الفصل الثامن
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com