موقع الصراط ... الموضوع : الأبعاد العالمية في العقيدة الإسلامية
 
الخميس - 5 / ربيع الأول / 1442 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الأبعاد العالمية في العقيدة الإسلامية  
   
  كتب بتاريخ : الأحد - 6 / ذي القعدة / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ عبد الكريم آل نجف
Al Najaf تلعب العقيدة الصحيحة دوراً مهماً في حياة الإنسان يتجلى في أمرين:
الأول: تحديد نظرة صحيحة للكون والحياة والإنسان وبلورة موقف صحيح بشأن ذلك.
الثاني: إرساء قواعد التفكير السليم وتنقية الذهن والإحساس والعواطف مما يعلق بها من شوائب تحرف مسيرها عن الخط الصحيح أو تقلل من كفأتها في الميدان العملي وتغذية الحاجة إلى الإشباع الفكري والروحي الصحيح لدى الإنسان فمن الواضح أن غربة الإنسان عن الحقيقة في الميدان العقائدي تجعله أسيراً للإحساس بالفراغ والحاجة إلى الإشباع فيتجه لمعالجة ذلك الإحساس وهذه الحاجة بكل ما يصادفه من تصورات وأفكار وآراء فيكون عرضة للوقوع في الانحراف الذي لا تقف سلبيته عند حدود ضياع الحقيقة العقائدية، وإنما تصل إلى ما قد يكون أخطر من ذلك، وهو ربط الذهن والإحساس بجملة من الأغلال والشوائب التي تقيد حركة الإنسان أو تحرفها أو تقلل من كفأتها ففي الشرك مثلا يرتبط الذهن والإحساس والتصور الإنساني بفكرة زائفة تنأى بالإنسان عن الاستقامة في كل ما يتصوره ويفكر فيه ويخطط له، وباختصار أن الفكرة الزائفة إذا ثبتت في الذهن الإنساني قادته إلى الزيف في كل شي؛ ولذا نجد القرآن الكريم يربط دائماً بين التفكير غير السوي وبين العقيدة الفاسدة قال تعالى: ((والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون))(1)
((ولقد أضل منكم جبلاً كثيراً أفلم تكونوا تعقلون))(2).
((أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها))(3).
((أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض))(4).
وفي القرآن الكريم الكثير من الآيات التي تستنكر على المشركين أو المنحرفين غربتهم عن التفكير السوي والمنطق السليم مع سلامة الجهاز الحسي والعقلي لديهم.
من هنا فان العقيدة الصحيحة تلعب دورا مهما في تقويم الفكر الإنساني وتنشيطه في مجالات الحياة المختلفة التي لا تخضع لتأثير مباشر منها فضلا عن تلك التي تخضع لتأثيرها المباشر والتي يتضاعف الدور الايجابي للعقيدة فيها.
إن فكرة (العالمية الإسلامية) تمثل ابرز الأفكار الاجتماعية والسياسية التي تخضع لتأثير مباشر ومركز من قبل العقيدة الإسلامية وهي بلا شك من الأفكار الإسلامية القليلة التي تختص بهذه الصفة بشكل يجعلنا نعتقد جازمين بأن موقع هذه الفكرة إن لم يكن في قمة الهرم الفكري للإسلام (أصول الدين) فلن يكون في قاعدته التشريعية وبنائه التحتي (الشريعة) ذلك أن اقتران أصول الدين الخمسة بها (التوحيد والعدل والنبوة والإمامة والمعاد) بشكل يختل الاعتقاد الديني بهذه الأصول من دونها كما سنرى هذا الاقتران لا يسمح لنا بإنزال فكرة العالمية الإسلامية من مستوى الفكرة العقائدية إلى مستوى الفكرة التشريعية والصحيح أنها فكرة تتشكل في أحشاء المعتقد الإسلامي وبين تلافيفه لتلقي ضوءها المستمد من نور هذا المعتقد على مجالات التشريع الإسلامي المختلفة، فتصبغه بطابعها الايجابي الخلاق، وسنجد أن فاعلية هذه الفكرة وشموليتها في المجال التشريعي مدينان لتغلغلها العميق في المجال العقائدي، هذا التغلغل الذي نلمسه في مجموعة من الأبعاد، ومنها البعدان الآتيان:
1- وحدة الإله الخالق.
2- وحدة المنشأ الإنساني.

وحدة الإله الخالق:
العالمية نسيج يتغلغل في عمق الإسلام وتتشابك خيوطه بإحكام ويتحرك بفاعلية من خلال كل ثنايا الإسلام وأفكاره فهي ليست فكرة عائمة ولا أطروحة عابرة ولا دعوة عاطفية ولا شعارا يقف على هامش الحياة الإسلامية بدايتها بداية الإسلام نفسه، وهي قمة هرمه الفكري المتمثل بعقيدة التوحيد التي لم ولن تعرف البشرية ما يناظرها روعة وبهاء.
يعتبر الإسلام اكبر العقائد التوحيدية على الإطلاق لأنه استطاع أن يعالج كل قضايا العقيدة ومفرداتها من دون أن تعاني قاعدة التوحيد لديه من ضعف أو غموض أو حرج بل يمكننا أن نجد في كل واحدة من تلك المفردات مظهراً كاملاً لتوحيد خالص نقي بشكل تحولت معه مفاهيم الإسلام ونظمه إلى مظاهر متعددة تشع على الحياة الإسلامية بهذا التوحيد في كافة مجالاتها، إذ يمكن للمسلم أن يعيش التوحيد حقيقة متجسدة في كل جوانب حياته، وهذا ما عبر عنه التوحيدي الأكبر أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: (ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله قبله ومعه وفيه وبعده).
وتعتبر العالمية مظهراً طبيعياً للتوحيد تستمد كمالها من كمال التوحيد الإسلامي لأن موجودية الإله الحق متقومة بوحدانيته، ولا معنى للإلوهية إن لم تتصف بالوحدانية التي تعني عالمية الربوبية والإلوهية لأن انحصار الربوبية بجز من الوجود ناشئ عن عجز مدعي الربوبية وفقره أو وجود شريك له يهيمن على الجزء الآخر ومن هنا فللوحدانية مدلولان متلازمان في العقيدة الإسلامية:
الأول: مدلول الهي وهو الغنى المطلق للإله.
الثاني: مدلول إنساني وهو العالمية.
إن الله تعالى في الرؤية الإسلامية ليس خاصاً بقبيلة من دون أخرى ولا بجنس بشري من دون آخر كما تصور اليهودية الحاضرة إلهها، ولم يمنح أبوة لأحد من البشر على نحو يكون لذلك الفرد نسب متصل بالإله يعلو على نسب الآخرين كما تعتقد المسيحية الموجودة حالياً، وإنما هو رب العالمين، وهو خالق كل شيء، وليس كمثله شيء، لا يحده زمان ولا مكان، وهو المطلق في كل شي ومن كماله أن ربوبيته شملت البشرية بكل أجيالها الحاضرة والماضية والقادمة من دون انحياز لجنس على جنس ولا محاباة لأمة على حساب امة، والجميع في ساحة قدسه كأسنان المشط.
لقد كرر القرآن الكريم توصيف الله سبحانه وتعالى بـ(رب العالمين) أكثر من 40 مرة، وبـ(لا اله إلا هو) أو (لا إله إلا الله) أو (لا إله إلا أنا) أو (إله واحد) أكثر من 60 مرة، وبـ(رب العرش) 5 مرات، وبـ(رب المشارق والمغارب) أو (رب المشرق والمغرب) أو(رب المشرقين ورب المغربين) 5 مرات، وبـ(رب السماوات والأرض) 14 مرة، و(برب الناس) مرة واحدة، وبـ(إله الناس) مرة واحدة، وبـ(رب كل شيء) مرة واحدة كما استنكر على المشركين شركهم بصيغة (أإله مع الله) 5 مرات، وبصيغة (من إله مع الله) مرتين، أما سورة الإخلاص فقد جاءت تلخيصاً رائعاً لعقيدة التوحيد (قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفواً أحد).
ولو تمعنا في هذه الصيغ التي يستعملها القرآن الكريم للتعبير عن التوحيد وأبرزها صيغة رب العالمين لوجدنا أنها تعزز مفهوماً واسعاً وعميقاً للعالمية يتجاوز في حدوده الإنسان، ويضم بين دفتيه الكون كله، فالقرآن لا يتحدث عن توحيد نسبي خاص بالإنسان وإنما يركز على توحيد مطلق يشمل الوجود (العالمين) بأسره ليصهره مع بعضه في وحدة متجانسة تأتلف فيها الأشكال (إنسان، حيوان، نبات، جماد)، وتتكامل عندها الأدوار، وينعكس هذا الاتساع في النظرة التوحيدية للوجود في الطرف المقصود بالتوحيد، وهو الإنسان الذي سيبدو وسط عوالم الجماد والنبات والحيوان المترامية الأطراف جرماً صغيراً لا يكاد البصر يناله، فضلاً عن أن ينال أجناسه وقومياته وقبائله، فيزول شعوره العنصري تبعاً لضعف شعوره بذاته تحت وطاءة الإحساس بالغرق في عالم التكوين اللامتناهي في عظمته واتساعه.
وهذه أرقى صورة يمكن التقاطها للإنسان وهو في حالة شعورية عالمية خالصة من شوائب الشعور العنصري، وهي من إنجازات التوحيد الديني حيث لا يمكن للإنسان مهما ترقى في فكره أن ينجز صورة عالمية تتجاوز حدود الإنسان نفسه لأنه لا يمكن الربط بين الإنسان وباقي الوجود على محور واحد إلا في التصور الديني التوحيدي.

الإنسان في الخطاب الإلهي:
وانسجاماً مع الطابع العالمي للربوبية نجد الخطاب الإلهي في القرآن الكريم موجهاً للإنسان من دون تمييز بين الأجناس والقوميات، بل لا نجد ذكراً لها في هذا الخطاب الذي تجاهلها تماماً.
لقد كان الإنسان بما هو إنسان موضوعاً للقرآن الكريم تحدث عنه في عدة مجالات، في كل هذه المجالات كان الخطاب القرآني موجها للإنسان بعدة صيغ هي:
1- مخاطبته بصيغة (يا أيها الإنسان) ونحوها مما ذكر فيه كلمة (الإنسان) بنحو مطلق، وقد تكررت هذه المخاطبة في القرآن الكريم 65 مرة.
2- المخاطبة بصيغة (يا أيها الناس) ونحوها مما ذكر فيه كلمة (الناس) بنحو مطلق وقد تكررت هذه المخاطبة في القرآن الكريم 241 مرة.
3- المخاطبة باستعمال كلمة (الإنس) وقد تكررت في القرآن الكريم 19 مرة.
4- المخاطبة باستعمال كلمة (أناسي) وذلك في مرة واحدة.
5- المخاطبة باستعمال كلمة (أناس) وقد تكررت 5 مرات في القرآن الكريم.
6- المخاطبة باستعمال كلمة (بني آدم) وقد تكررت في القرآن الكريم 7 مرات.
7- مخاطبة الإنسان من خلال مخاطبة خواصه الإنسانية كالعقل والعلم والنظر والفكر والفقه فقد خاطب القرآن الكريم خاصة العقل عند الإنسان بصيغ مختلفة: (أفلا تعقلون، لعلكم تعقلون، إن كنتم تعقلون، أفلم تكونوا تعقلون، لقوم يعقلون) 33 مرة، وخاطب خاصة الفكر لديه 17 مرة بصيغ مختلفة: (لعلهم يتفكرون، أو لم يتفكروا، أفلا تتفكرون)، وخاطب خاصة النظر العقلي لديه 42 مرة بصيغ مختلفة (ينظر، أو لم ينظروا، انظر، انظروا، أفلم يسيروا فينظروا)، وخاطب خاصة العلم 94 مرة بصيغ ‌مختلفة (ألم تعلم، لتعلموا، إن كنتم تعلمون، لقوم يعلمون)، وخاطب خاصة الفقه 17 مرة بصيغ مختلفة (لعلهم يفقهون، لقوم يفقهون) كل ذلك في المخاطبات الايجابية من دون المخاطبة السلبية من قبيل (ذلك بأنهم قوم لا يعقلون، لا يفقهون، لا يعلمون).
أما المجالات التي استعمل فيها القرآن الكريم هذه الخطابات بأشكالها السبعة فهي:
1- الرتبة الإنسانية في التصور الإلهي قال تعالى: ((ولقد كرمنا بني آدم))(5).
2- خلق الإنسان قال تعالى: ((ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون)(6).
3- العطاء الإلهي للإنسان قال تعالى: ((يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوآتكم))(7). 4- التوجيه الإلهي للإنسان قال تعالى: ((ووصينا الإنسان بوالديه))(8) و(يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم) (9).
5- الإشارة إلى بعض الخصائل الإنسانية قال تعالى: ((وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً)(10).
6- الإشارة إلى قواعد التشريع الإسلامي قال تعالى: ((وأن ليس للإنسان إلا ما سعى))(11).
7- توجيه عمل النبي (ص) قال تعالى: ((يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس))(12).

دور العدل الإلهي:
قرن التوحيد في العقيدة الإسلامية بالعدل الإلهي الذي اعتبر الأصل الثاني فيها وعلى الصعيد الاعتقادي يعتبر هذا الإجراء ضرورياً؛ لأن العدل جوهر التوحيد وبدونه يفقد التوحيد أهميته العقائدية، وتتحول مدلولاته الاجتماعية إلى مدلولات سلبية تلعب دوراً عكسياً في الحياة الإنسانية، ويلعب هذا الأصل دوراً مهماً في تدعيم فكرة العالمية الإسلامية، ويشكل رفداً عقائدياً جديداً لها، ويساعد على تحويلها إلى صورة نقية وحتمية في التفكير الإسلامي، لأن العنصرية التي وجدناها تلتئم مع الشرك وتجد ميدانها الطبيعي فيه عندما يفرض التوحيد نفسه أمامها تحاول اختراق جداره وتأكيد وجودها في إطاره بصورة غير شرعية وذلك من خلال فصل العدل عنه، ونسبة الظلم إليه كأرضية مناسبة للظهور من خلال هذه النسبة، فكما تتكون العالمية في أحشاء التوحيد وتتأكد بالعدل، تتكون العنصرية في أحشاء الظلم وتلتئم مع الشرك.
إن توصيف الإله بالعدل المطلق يعني في الحياة الاجتماعية استحالة الافتراض بحقه أنه يؤثر قوماً على آخرين أو ينحاز لقبيلة من دون أخرى أو يتحزب لأمة ضد ثانية، لأن هذا الافتراض يحوله إلى إله عنصري ظالم، وهو ما يتنافى مع الكلمة المطلقة والفضيلة المطلقة التي لا بد من اتصاف الإله بهما؛ لأنهما من ضرورات الإلوهية بل إن التصور الإسلامي يقوم على أساس أن صفات الخالق هي عين الخالق ولا مجال للاثنينية بين الذات والصفات، ونتيجة لذلك فإن نفي العدل عن الخالق يؤدي إلى نفي التوحيد نفياً حقيقياً إذ لا وجود لحقيقة تتصف بالإلوهية والظلم في الوقت نفسه إلا في مخيلة إنسان يسودها الانحراف، وهكذا ينتهي نفي العدل عن الإله إلى الوقوع في الشرك، وهذا وجه ما قررناه سابقاً من أن العنصرية سبب تام للشرك.
من هنا أكد القرآن الكريم على نفي الظلم عن الله سبحانه وتعالى في 37 آية نفياً صريحاً، عدا ما ورد من النفي الضمني فإن صورة الإله الظالم العنصري لا تقل بشاعة عن صورة الشرك ففي الشرك صورة الحياة التي فتحت أبوابها للراغبين في الاستعلاء والتكبر والتعصب على من سواهم، وفي الظلم صورة لحياة يهيمن عليها ذلك الإله الذي يفضل قوماً على آخرين، ويغرس العصبية والاستعلاء في أمة ضد أخرى، فتكون العنصرية واقعاً مشروعاً وأكثر دفعاً وزخماً.
إن اقتران العدل بالتوحيد يعتبر من أروع مظاهر التكامل في الإسلام، فالتوحيد يوجد أقوى عامل مشترك بين أفراد النوع الإنساني واقوي شعور بالوحدة الإنسانية والعدل الإلهي يقمع أية محاولة شعورية أو لا شعورية تهدف إلى التمرد على هذه الوحدة بدافع الأنانية والاستعلاء أو بمبررات التفوق العنصري، فالأصلان يتكاملان في السعي لصنع المجتمع العالمي في الإسلام.

وحدة المنشأ الإنساني:
اختلف الفكر الديني عن الفكر الوضعي في تفسير كل منهما للنشأة الإنسانية لاختلافهما في تصور الإنسان والحياة والوجود، فالفكر الديني وتبعا للزاوية التوحيدية التي ينظر من خلالها إلى الوجود والحياة أعطى تفسيراً توحيدياً لهذه النشأة، بينما اتبع الفكر الوضعي الزاوية المادية التي ينظر من خلالها إلى الوجود والحياة، فأعطى تفسيراً مادياً لها، وقد كان التفسير الديني عالمياً بحكم قاعدته التوحيدية بينما كان التفسير الوضعي عنصريا بحكم القاعدة اللادينية له.

النشأة الإنسانية في التصور الإسلامي:
يقوم التصور الإسلامي للنشأة الإنسانية على ما هو متداول في الكتب السماوية من قصة خلق آدم (عليه السلام) قال تعالى: ((إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين))(13) و((وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من صلصال من حمأ مسنون * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين))(14).
ونتيجة لما جرى لآدم في الجنة أنزله الله سبحانه وتعالى إلى الأرض ومعه زوجته حواء، لتشهد الأرض أول أسرة إنسانية، وهي التي سيتفرع منها النسل البشري برمته، وهكذا ليس للبشرية في التصور الديني إلا منبع واحد، وهو هذه الأسرة المتكونة من آدم أبي البشرية وحواء أمها، وهنا لا بد من ملاحظة ظاهرتين قرآنيتين:
الأولى: إن القرآن الكريم يتحدث عن خلق آدم من خلال خلق الإنسان ففي الآيتين السابقتين نجد أن الله سبحانه وتعالى لا يحدث الملائكة بشأن فرد سيخلقه، وإنما يحدثهم بشأن جنس من الخليقة (خالق بشراً) سيظهر إلى الوجود ولم يتحدث عن خلق آدم إلا في قوله تعالى: ((إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون))(15).
وواضح من سياقها ومما جاء قبلها وبعدها إن هذه الآية تجري مجرى الرد على أهل الكتاب الذين زعموا أن المسيح ابن الله، وهو زعم يخل بعقيدة التوحيد وبالتصور العالمي الذي جاء به الدين الإلهي أيضاً، فإن إحدى المرتكزات المهمة لهذا التصور تتمثل في وحدة المنشأ الإنساني والجنس البشري، ونسبة المسيح إلى الله تشكل خرقا لهذه الوحدة وربما كانت الحكمة في عدم زواج المسيح (عليه السلام) وعدم ظهور ذرية له تتمثل في إحباط المحاولة اليهودية التي ستظهر حتما بتقسيم البشرية إلى نسل يتصل بالله عبر المسيح وآخر ينتسب لآدم ولا يتصل بالله سبحانه وتعالى، وحينئذٍ سيدعي اليهود أنهم أبناء الله بالنسبة الحقيقية التي هي أقوى من النسبة الاعتبارية التي ادعوها وحكاها القرآن الكريم عنهم قال تعالى: ((وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه))(16) فرد عليهم القرآن: ((قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق))(17)
فإذا كان الله سبحانه وتعالى يرفض في هذه الآية النسبة الاعتبارية إليه، فإن ادعاء النسبة الحقيقية إليه لا بد من مواجهته بإجراء تكويني وعملي، وهو ما حصل في قضية رفع عيسى إلى السماء وعدم ظهور ذرية له لحماية التوحيد من طرؤ الشبهة عليه، وحماية عالمية التصور الديني من انحراق أحد مرتكزاته.
وهكذا فإن نسبة الخلق إلى آدم في تلك الآية كانت استثناء خرج فيه القرآن الكريم عن قاعدته في نسبة الخلق إلى الجنس البشري لضرورة عقائدية، وربما كان الوجه في هذه القاعدة هو حصر النشأة الإنسانية بتلك التي حصلت لآدم في الجنة، وسد الطرق أمام أية محاولة للانتساب لغير آدم أو لآدم آخر غير الذي تحدث عنه القرآن الكريم، وعدم إعطاء الفرصة لمن سيقول: بأن ما ورد في القرآن لا يدل على أن آدم هو الأب الوحيد للبشرية كل ذلك تأكيداً على وحدة المنشأ الإنساني، وذلك لأهميتها بالنسبة لعالمية التصور الديني، وتتمثل هذه الأهمية في إيجاد قاعدة عاطفية مشتركة بين أبناء الجنس البشري، والربط بين أفراده بشعور عائلي فإن هذه العالمية تحاول النفوذ إلى كافة أبعاد الشخصية الإنسانية وجوانبها وإشباع كل منها بما يناسبه من فكر أو شعور أو عاطفة عالمية فبعد أن قامت عقيدة التوحيد بإشباع العقل الإنساني بالفكرة العالمية، جاءت وحدة المنشأ الإنساني في التصور الإسلامي لتشبع الحس والشعور الإنساني بعاطفة عالمية تفك الحصار العنصري عن القلب الإنساني، وتجعل حب الإنسانية هو المبدأ الأساس له.
الثانية: إن القرآن الكريم أرجع الإنسان إلى مادتين هما: النطفة ويعبر عنها أحياناً بالماء أو الماء المهين والطين، ويعبر عنه أحياناً بالتراب والصلصال، ولكن يلاحظ أن القرآن الكريم يركز على الإرجاع إلى الطين من دون النطفة، ففي 18 مورداً نسب القرآن الكريم الإنسان إلى الطين، وفي 7 موارد فقط نسبه إلى النطفة بعبارات مختلفة عنهما طبعاً، وربما كانت الغاية من هذا التركيز أموراً أربعة:
1- إن رجوع الإنسان إلى النطفة أمر محسوس لديه فلا حاجة إلى التركيز عليه.
2- الإشارة إلى أن النطفة لا أصالة لها في الوجود، وأنها تعود بدورها إلى التراب بكلا التحليلين: الفلسفي للوجود، أي أن كل ما فوق التراب تراب، فالماء والنبات والمعادن والأحجار أشكال مختلفة للوجود مستمدة من الأرض أو العلمي للنطفة، حيث تتشكل في الداخل من المواد الغذائية وهذه مستمدة من النبات أو الحيوان وكلاهما يعودان إلى الأرض، والقرآن الكريم بنفسه يؤيد هذه النقطة قال تعالى: ((هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة))(18) و((فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة))(19)، فذكر النطفة من بعد التراب في هاتين الآيتين يعني إرجاعها إليه كمادة أولى لها.
3- إن الانتساب إلى النطفة قد يساعد على التفاخر بالنسب والعرق بين أبناء الجنس البشري بادعاء التفاضل العنصري بين العروق والسلالات والقبائل، ومن هنا فإن إرجاع الإنسان إلى النطفة قد يكون عاملاً سلبياً من الناحية التربوية والاجتماعية؛ ولذا فإن توصيف القرآن الكريم للنطفة بالماء المهين يعد مطلباً تربوياً أريد به الرد عن هذا التفاخر قال تعالى: ((ألم نخلقكم من ماء مهين))(20) بينما إرجاع الإنسان إلى الطين لا يغري الناس بالتفاخر العنصري فيما بينهم.
4- ربط الإنسان بأوطأ نسب مشترك بين أفراده وأهمية هذه النسبة تتمثل في الجانب التربوي والأخلاقي، فإن موقع الخلافة والسيادة الذي منح للإنسان في الأرض سيثير لديه درجة عالية من الإعجاب بالنفس والغرور، وسيفقد بسبب ذلك توازنه في علاقته مع الله سبحانه وتعالى، وعلاقته مع أخيه الإنسان فيطغى على الخالق، ويتكبر على المخلوق، ويبتعد في النتيجة عن مسؤوليات الاستخلاف ووظائفه الخلاقة، وهذه الأزمة الروحية والأخلاقية يكمن علاجها في التصور الإسلامي بربط الإنسان بنسب واطئ لإذلال الجنبة المادية فيه التي تسبب الشقاء له وحشرها في الدائرة التي تستحقها من الحياة، ولكي يدرك أن إسناد موقع الخلافة له في الأرض لم يتم على أساس تلك الجنبة، وإنما على أساس الجنبة الروحية التي انطوى عليها وجوده، والتي تكمن فيها إنسانيته وحقيقته الكاملة.
وهكذا فإن الانتساب إلى الطين يمثل عامل التوازن الأخلاقي لدى الإنسان وهو يمارس الحياة بين مسؤوليات موقع الخلافة وامتيازاته، فإن الجنبة المادية التي تأخذ من الخلافة زهوها وامتيازاتها وعطاءها المادي سَبَّبَ لها هذا الانتساب الشلل والضعف بينما ستتقوى الجنبة الروحية في الميدان النفسي للإنسان الذي سيتجه حينئذ لأداء ما يتطلبه موقع الخلافة من مسؤوليات ووظائف، ومن هنا اعتبر النسب الطيني في الثقافة الأخلاقية الإسلامية خير رادع عن التكبر والعصبية والغرور، وخير حافز للشعور الأخوي بين أفراد المجتمع الإنساني.

لا تبديل لخلق الله:
ولا يكتفي التصور الإسلامي بتأسيس فكرة وحدة الجنس البشري وتدعيمها، بل يواصل رعايته لها في المراحل التالية ويدفع عنها كل ما من شانه الإخلال بها فقد يقال إن الجنس البشري وإن كان واحداً من حيث النشأة إلا أنه من حيث الاستمرار لم يبق على الوحدة وان تفاوتا بين الأعراق والسلالات ظهر بعد ذلك وقد ظهرت هذه الدعوى بالفعل وأخذت شكلين:
الأول: ديني وهو المأثور عن كتب العهدين لدى اليهود والنصارى وقد مر بنا سابقا في حكاية ابنا نوح ودعوته أن تكون ذرية كنعان عبيداً لذرية أخويه فبعد أن كان الجميع قبل ذلك متساوين في الإنسانية والحرية أصحبت ذرية كنعان المسكين أوطأ في سلم الإنسانية من ذرية يافث وسام.
الثاني: وضعي وهو المأثور عن جانب من التصور الدارويني حيث ادعى أن حركة التطور في الأحياء حينما وصلت إلى المرحلة الإنسانية اخذ التطور يظهر في داخل العائلة الإنسانية فيدفع بعضها إلى الرقي ويبقي بعضها الأخر في الانحطاط.
التصور الإسلامي احتاط لنفسه من هذه الدعوى ووضع الإجابة عليها منذ الوهلة الأولى، أما الشكل الأول فإن كان المقصود منه أن دعوة نوح (عليه السلام) بحق ذرية كنعان قد غيرت في فسلجتهم وأنزلت مستوى التكوين فيهم إلى درجة منحطة، فالقرآن أجاب على ذلك بآية صريحة تقول: ((فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها * لا تبديل لخلق الله))(21) فخلق الله غير قابل للنسخ والتبديل، وتتميز خصائصه وطبائعه بالخلود والديمومة، وإن كان المقصود منه أن التغيير لم يكن فسلجياً وإنما كان اجتماعيا، فذرية كنعان آمنت بالرقية، وأذعنت بالاستعباد لأبناء عمومتها، وإن دعوة الجد نوح (عليه السلام) أوجدت فيهم طبيعة العبودية والخنوع، فإن هذا التغيير يحتاج إلى شاهد تاريخي لأنه مخالف للطبع الإنساني فمع كثرة حالات فرض الاستعباد في التاريخ لم يحصل الإذعان للاستعباد في أي منها وتصلح الآية القرآنية السابقة لنقضه، وإن كان المقصود ظهور حكم شرعي باستحقاق ذرية كنعان للاستعباد من قبل بني عمومتهم فهذا مخالف لسنة الله في خلقه، وهي مما لا يقبل التغيير قال تعالى: ((ولن تجد لسنة الله تحويلاً))(22) ولا يتقاطع التشريع مع التكوين بل يمتد معه وقد تكرر في القرآن مضمون النفي لتبديل سنة الله 5 مرات بصيغ مختلفة، على أن الفروض الثلاثة تردها عصمة الأنبياء في التصور الإسلامي فلا تناسب النبوة هذه المخاريق التي ينسبها أهل الكتاب للأنبياء (عليه السلام).
وأما الشكل الثاني، فهو يتحد مع الفرض الأول من الشكل الأول والجواب هو الجواب، فالتصور الإسلامي يرفض كل فكرة تقوم على أساس التغيير في خلق الله سبحانه وتعالى.

الهوامش:
1ـ الأعراف: 169.
2ـ يس: 62.
3ـ الحج: 46.
4ـ الأعراف: 185.
5ـ الإسراء: 70.
6ـ الحجر: 26.
7ـ الأعراف: 26.
8ـ الاحقاف: 15.
9ـ الانفطار: 6.
10ـ الكهف: 54.
11ـ النجم: 39.
12ـ المائدة: 67.
13ـ ص: 71.
14ـ الحجر: 28 29.
15ـ آل عمران: 59.
16ـ المائدة: 18.
17ـ المائدة: 17.
18ـ غافر: 67.
19ـ الحج: 5.
20ـ المرسلات: 20.
21ـ الروم: 30.
22ـ فاطر: 43.

المصدر: مركز آل البيت (ع) العالمي للمعلومات
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com