موقع الصراط ... الموضوع : معالم دور المرأة في التصور الإسلامي-4
 
الجمعة - 7 / ذي القعدة / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  معالم دور المرأة في التصور الإسلامي-4  
   
  كتب بتاريخ : الإثنين - 7 / ذي القعدة / 1433 هـ
     
  الزواج وأهميّته:
لما كانت قوانين الإسلام مصاغة على أساس الفطرة وحاجاتها، وتلبية حقيقة لذلك الصوت المنبعث من الفطرة، كان الزواج أيضاً قائماً على هذا الأساس الفطري.. فهو في الحقيقة استجابة صحيحة ومهذّبة للنزعة الجنسية المودعة في فطرة الإنسان فالحاجات الفطرية في الواقع يجب أن تُلبّى، لكن شريطة أن تكون تلك التلبية وفق المقدار المعقول المتزن وضمن الإطار المعقول المتزن أيضاً بحيث لا يلحق الضرر لا بالفرد ولا بالمجتمع، ولا يسيء إلى عملية التوازن الاجتماعي.
فالحاجة الفطرية عادة إذا لم يُستجاب لها، فلا بد أن تعبر عن نفسها بشكل خطير ومرعب أشبه بالسيل المدمر الذي يأتي على كل شيء ويقتلع كل شيء.. كما أنها إذا لم تُهذّب وتُقنّن فستلحق من الأضرار بالمجتمع الإنساني ما لا يُحمد عُقباها وعلى كافة الأصعدة.
وانطلاقاً من هذه الحقيقة فقد انبرى الإسلام لتنظيم الحاجات الفطرية وتوجيهها الوجهة الصحيحة عبر سلسلة من القوانين والأصول التي تسمح بإشباع تلك الحاجات من جهة وتنظيمها وقولبتها بالشكل الذي لا تشكل فيه خطراً على المجتمع والحياة الاجتماعية من جهة أخرى. وبعبارة إن الإسلام قد قام بعملية تهذيب للغرائز - ومنها الجنسية - وتوجيهها بالصورة التي تعمل على إصلاح المجتمع وإسعاده لا تدميره. وبناءً على ذلك فقد شجع الإسلام الزواج بشكل لا نجد أي نظير له في أي عقيدة أخرى متوخياً من ذلك إشباع الغريزة الجنسية وصيانة المجتمع وديمومة النوع الإنساني بالأسلوب النقي المهذّب السليم. فالزواج من وجهة النظر الإسلامية وسيلة لا هدف، وسيلة لإنشاء مجتمعات صالحة نافعة خيرة.
فالزواج لا يعني وفق الرؤية الإسلامية إشباع الغريزة الجنسية فحسب، بل هو - وإن تضمن ذلك - رابطة روحية وجسمية بين الرجل والمرأة (تنبع من الشعور العميق بالحاجة إلى أن يكمل الإنسان - رجلاً وامرأة - ذاته من خلال ارتباطه بالجنس الآخر، انطلاقاً من الفطرة التي فطر الله الناس عليها الكامنة في تكوينه الإنساني، الذي تختلط فيه الحاجة الروحية إلى الزوجية بالحاجة الجسدية إلى إرواء الرغبة في إطار روحي حميم)(1).
وأروع تعبير قرآني عن الرابطة الزوجية المقدسة قوله تعالى: ((ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة)).
فالعلاقة الزوجية وفق هذه الآية الكريمة ليست علاقة شهوة عابرة، ولا علاقة تقوم على مصلحة مادية، ولا علاقة فيزيائية تزول بزوال المؤثر، بل علاقة حميمة ممتدة بامتداد العمر تقوم على المودة والرحمة والحب والتآلف.. ولا بد أن يترك الشعور بهذا النوع من العلاقة تأثيره الكبير الواضح على نفسية الزوجين وطبيعة السلوك المشترك.
فالحياة الزوجية وفق النظرة الإسلامية لا توفر الراحة الجسمية فحسب، بل توفر أيضاً هدوء الروح وصفاء الفكر، وتحول دون هدر الطاقة وضياع الوقت وتمرد الغريزة. وهذا ما يُعدّ بدوره أساساً وأرضية صالحة لنمو عناصر الخير في النفس الإنسانيّة وتبلور السجايا الحميدة، فضلاً عن تفجير الطاقات العلمية والعملية لدى الإنسان ودفعه باتجاه العمل الصالح وإعمار الأرض وأداء دوره كإنسان على أفضل وجه.
وما أروع ما استشعره العلامة فضل الله من هذه الآية الكريمة حينما قال: (قد نستشعر من الآية الكريمة في تأكيدها على السكن والمودة والرحمة كطابع الحياة الزوجية في مفهوم الإسلام، نوعية الأجواء التي يريد للزوجين أن يعيشها في ظل حياتهما الجديدة. فليست هي الأجواء التي يحقق فيها كل واحد منهما مصالحه الذاتية، أو أطماعه الخاصة لدى الآخر، وليست هي الأجواء التي تتحفز فيها الشهوة الغريزية المجردة لتكون الأساس المتين لبناء هذه الحياة، بل هي الأجواء التي تؤكد الإنسانيّة فيها ذاتها عندما تنطلق العلاقة من منطلق إنساني رحيب صافٍ يشعر فيه كل طرف بأنه مشدود إلى طرفه الآخر برباط المودة والمحبة، الأمر الذي يجعل كلاً منهما باحثاً عما لدى الآخر من أسس المحبة الدائمة المرتكزة على التأمل والتفكر لئلا تكون مجرد عاطفة طارئة لا تلبث أن تتضاءل أو تذوب أمام حالات الرغبة المضادة.
وإذا استطاعا أن يعيشا هذا الشعور العقلاني بالمحبة والمودة، فستخضع حياتهما المشتركة للعفوية والعطاء والسماح في كل ما يجد فيها من متاعب ومشاكل وآلام.
ثم نجد في كلمة الرحمة إيحاء جديداً بطبيعة العلاقة الزوجية من جانب آخر، وهو الجانب الذي يتصل بالفهم الواعي المسؤول لدى كل منهما عن الآخر من خلال ظروفه العائلية والنفسية والاجتماعية. فإذا عاش كل منهما ظروف الآخر أمكنه أن يتعامل معه على أساس تقديره لتلك الظروف ويتعايش معه من خلال محاولة الانسجام ـ مهما أمكن ـ مع الأجواء التي تفرضها، والمشاعر التي تخلقها داخل النفس، فيبتعدان في هذه الأجواء عن الأنانيات الذاتية التي تحطم الحياة الزوجية عندما يندفع كل منهما ليفكر بنفسه بعيداً عن مصلحة رفيقه، فيبدأ بالبحث عن أفضل السبل لاستغلال هذه العلاقة لمصالحه ومزاجه وأطماعه. وتأتي الرحمة لتبدل كل هذه المشاعر والوسائل فيتجه التفكير من جديد إلى أن هناك حياة مرتبطة بحياته، وأن لهذه الحياة ظروفاً تختلف عن ظروف حياته، وأن للإنسان الآخر الذي يعيش معه، أجواء فكرية وروحية ونفسية تختلف عن أجوائه فيما عاشه من بيئة مختلفة عن بيئته وأسلوب في التربية مختلف عن أسلوب تربيته، وتأثيرات عاطفية وفكرية متنوعة لا تتفق مع التأثيرات التي شاركت في تكوين شخصيته، فيعمل على مراقبة ذلك كله عندما يتعامل مع الكلمة التي ينطقها، أو الحركة التي يطلقها، أو العمل الذي يقوم به، الأمر الذي يجسد الرحمة بالممارسة بدلاً من تجسيدها بالشعور الطيب الساذج فيرحم كل منهما آلام الآخر وأحلامه وتطلعاته من خلال تأثيرها في حياته... وبذلك تتحول الحياة الزوجية إلى سكن يسكن إليه كل منهما في حياته الداخلية والخارجية حيث يعيشان الهدوء الروحي والعقلي بعيداً عن المشاحنات والمنازعات التي تشوه جمالها وتسيء إلى طبيعتها الرحبة)(2).
وهناك آية قرآنية أخرى تؤكد على خلق الذكر والأنثى من نفس واحدة، وعلى حالة (السكن) التي يستشعرها الرجل عند المرأة، والراحة الحقيقية التي يجدها بين يدي هذا المخلوق العظيم، هذه الآية هي: ((هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها))(3).
ويعلّق الشهيد سيد قطب على هذه الآية: (فهي نفس واحدة في طبيعة تكوينها وان اختلفت وظيفتها بين الذكر والأنثى، وإنما هذا الاختلاف ليسكن الزوج إلى زوجته ويستريح إليها، وهذه هي نظرة الإسلام لحقيقة الإنسان ووظيفته الزوجية في تكوينه. وهي نظرة كاملة وصادقة جاء بها هذا الدين منذ أربعة عشر قرناً يوم كانت الديانات المحرفة أصل البلاء الإنساني. والأصل في التقاء الزوجين هو السكن والاطمئنان والأنس والاستقرار ليظلل السكون والأمن جو المحضن الذي تنمو فيه الفراخ الزغب، وينتج فيه المحصول البشري الثمين، ويؤهل فيه الجيل الناشئ لحمل تراث التمدن البشري والإضافة إليه. ولم يجعل هذا الالتقاء لمجرد اللذة العابرة والنزوة العارضة. كما أنّه لم يجعله شقاقاً ونزاعاً وتعارضاً بين الاختصاصات والوظائف أو تكراراً لها كما تخبط الجاهليات في القديم والحديث)(4).
ومن هذا نفهم لماذا حث الإسلام على الزواج وشجع عليه، بل جعله في مقدمة القضايا التي اهتم بها. حتى أن الرسول (ص) قد اعتبره في أحاديث عديدة سنته وعد التارك لهذه السنة ليس منه. كما ورد عنه(ص) أيضاً: (من تزوج أحرز نصف دينه)(5).
(ركعتان يصليهما متزوج أفضل من رجل أعزب يقوم ليله ويصوم نهاره)(6).
كما أن الإمام محمد الباقر (ع): (ما بني بناء في الإسلام أحب إلى الله عز وجل من التزويج)(7).
ليس هذا فحسب، بل اعتبر الرسول (ص) حب المرأة من أخلاق الأنبياء(8)، وذلك للحث على الزواج ولتبيان أهمية المرأة بالنسبة للرجل والعلاقة التي يجب أن تربطه بها.. أي أن تكون تلك العلاقة قائمة على الحب الذي هو أقوى الأسس التي يمكن أن تقوم عليها علاقة.
هذا على العكس من موقف الكنيسة حيال الزواج. فبنفس الحجم الذي يوليه الإسلام للزواج ويشجع عليه وعلى تشكيل الأسرة، تعقد الكنيسة أمر الزواج وتنظر إليه نظرة تشاؤم وقرف. فالأساقفة والرهبان يحرمون الزواج على أنفسهم ويعدون العزبة فضيلة وتقرباً إلى الله تعالى. وطبيعي أن نمط تفكير الكنيسة الكاثوليكية الخاطئ حول الزواج كان ذا تأثير كبير على إشاعة الفاحشة والمفاسد الناجمة عن جموح الغريزة الجنسية في العالم المسيحي (فالغريزة الجنسية مثل سائر الغرائز لا بد لها وأن تأخذ مجراها وطريقها لا أن تُكبت وتُطوّق. فلو وضع في طريقها الموانع والعراقيل ولم تشبع بالحد الطبيعي الصحيح فستظهر على شكل انحرافات جنسية هي مصدر لكثير من الفساد والانهيارات الاجتماعية)(9).
فالإباحية الغربية والتحلل الخلقي الراهن ردة فعل طائشة وخاطئة على ممارسات الكنيسة ومواقفها غير المشجعة على الزواج ومطالبتها الناس بالتريّض والرهبنة. وبعبارة أُخرى تعد الكنيسة مسؤولة عن جزء من الانحرافات الجنسية وعن كثير من الويلات الاجتماعية التي يعاني منها العالم الغربي.

الهوامش:
1- على طريق الأسرة المسلمة، محمد حسين فضل الله، ص7.
2- نفس المصدر، ص9 ـ 10.
3- الأعراف /189.
4- في ظلال القرآن، مجلد 3، ص700.
5- وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج14، باب 1، حديث11. 6- نفس المصدر، ج14، باب 2، حديث2.
7- نفس المصدر، ج14، باب 1، حديث4.
8- نفس المصدر، ج14، باب 3، حديث2.
9- حقوق الأسرة في الإسلام حسين الحقاني، ص42.

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com