موقع الصراط ... الموضوع : الأدب وقضية التأثير والتأثر من منظور حضاري-2
 
الجمعة - 11 / محرم / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الأدب وقضية التأثير والتأثر من منظور حضاري-2  
   
  كتب بتاريخ : الأربعاء - 9 / ذي القعدة / 1433 هـ
     
  الكاتب: الدكتور شلتاغ عبود
القصص
أمّا في ميدان القصّة، فإنّ الأثر العربي الإسلامي أبرز من أَنْ يغطّيه طابع الصراع، فالكفّة الإسلامية حينذاك كانت راجحة، وكان التأثّر والتقليد طابعاً عاماً، يقبل عليه الأوربيون برضا أو بدون رضا، كما لاحظنا.
والمتتبع للأثر القصصي الإسلامي في الأدب الأوربي، يجده متنوّعاً وعميق الأثر في مرحلة كانت أوربا فيها قد قطعت جذورها بالحضارة اليونانية، ولم تبدُ من هذه الحضارة إلاّ آثار باهتة هنا وهناك، وفي مراكز كنسيّة محدودة. فأنت تجد آثار كلٍّ من كليلة ودمنة، والمقامات، وقصص السندباد، وقصة حيّ بن يقظان الفلسفية، وأهمّ من ذلك كلّه، قصّة ألف ليلة وليلة الشهيرة، فلقد تُرجمت هذه الآثار لمختلف اللغات الأوربية، وظهرت بارزة في كثير من النتاجات الروائية. وقد بلغ الإعجاب الأوربي بألف ليلة وليلة - مثلاً - حدّاً يثير الدهشة حقاً، فقد ظهر منها في القرن الثامن عشر ما لا يقلّ عن ثلاثين طبعة باللغتين الانجليزية والفرنسية. ومنذ ذلك الحين نُشرت أكثر من ثلاثمائة طبعة لهذا الأثر في جميع لغات أوربا الغربية، كما لاحظ (جب)(١).
ومما يلاحظ، إنّ الاقتفاء الأوربي للأثر القصصي الإسلامي كان منذ مرحلة مبكرة من عصر النهضة، بل قبل هذه المرحلة أيضاً، فقد ترُجمت أوّل قصة إلى اللغات الأوربية هي (محاضرات الفقهاء)، وهي تعكس الطابع الإسلامي في تهذيب النفوس وهدايتها والعروج بها إلى الكمال. حيث أفاد منها رجال الكنيسة الأوربيين في أداء مهمّتهم الدينية التبليغية. وقد تعدّى أثرها ذلك، إلى كثير من الكتّاب والروائيّين الأوربيين، مثل «خوان مانويل». و«بوكاتشو» و«تشوسير» و«موليير» و«سرفانتس» وغيرهم(٢).
والذي يمكن أن يقال حقاً، هو أنّه لولا الأثر القصصي العربي الإسلامي، ما كان للأدب القصصي في أوربا أن ينتعش أو يبدأ خطوته الأولى، فلولا هذا الأثر الإسلامي المتنوّع والعميق، ما كان «روبنسون كروزو» ولا كانت رحلات «جلفر»، ولا أقاصيص «لافونتين»، ولا «دون كيشوت» سرفانتس، وهي الآثار التي كانت فتحاً وميلاداً للرواية الأوربية الحديثة.
والذي ننتهي إليه من هذه الآثار الإسلامية الشعرية والنثرية هي أنّها صورة أدبية للأثر الحضاري العام، الذي تركه الإسلام في الفكر والأدب الأوربيين في العصور الوسطى وعصر النهضة كما اصطلح عليه. وعلى الرغم من هذا الأثر كان طابع العصر آنذاك بحيث لم يكن لأوربا منه فكاك، إلاّ أنّ الأوربيين، تحت شعور الاستعلاء والغرور، الذي تملّكهم وهم ينهضون ويغزون الشرق وبلاد المسلمين خاصّة ـ تحت هذا الشعور، حاولوا بشتّى السبل أن يطمسوا الأثر الإسلامي ويزوّروا الحقائق، ليس في ميدان التأثير الأدبي وحده، بل في ميادين الفكر والسلوك عامّة. وقد دفعهم الغرور إلى طمس أيّ أثر للإسلام حتّى الكلمات العربية المنتشرة في كثير من اللغات الأوربية، ثَقُل عليهم أن يروها في قواميسهم، فجهدوا في استبدالها. ولكنّها - مع ذلك - ظلّت متجذّرة لأنها تمثّل حقائق علمية وأدبية، ما كان لهم أن يعرفوها دون الرجوع إلى أصلها الإسلامي.
وهذا كان في قرون الصراع الأولى من العصر الحديث، عصر الغلبة الأوربية وعصر الاستدمار والتخريب لبلاد الإسلام وحضارة الإسلام، ولكنّنا نشهد اليوم وفي القرن العشرين، وبعد أن أطبق المارد الأوربي على الجسم الإسلامي وأصابه في مقتل، وبعد أن ساوره الشعور بأنّ ليس ثمّة حياة في هذا الجسم، إلاّ أصداء خافتة هنا وهناك، بعد هذا أراد الاستعمار وهو يدير دفّة الصراع ويراقبها، أراد أن يحقن الجسم الإسلامي بـ«مورفين» من المجد الساذج; فيشغله بتاريخه عن واقعه المغلوب، فكان إذا ظهر في أوربا كتاب يتحدث عن أمجاد العرب والمسلمين، نجد (الحارس) الأوربي يعطيه الضوء الأخضر، بل ويروّج له ضمن مشروع التحذير والاشتغال. وقد لاحظ هذا، المفكّر المسلم مالك بن نبي، خاصة عندما ظهر كتاب (شمس العرب تسطع على الغرب) لـ«زغريد هونكه» وقد أشار إلى أنّ هذا الكتاب مارس دور السحر في النفس العربية كبديل لها عن واقعها المزري التعس(3).
وبعيداً عن هذا التوجّه الأوربي، الذي يحرّك الأضواء والظلمات على جوانب المسرح كما شاءت له مصالحه ومطامحه، فإنّنا بحاجة إلى إبراز عصور التفوّق والازدهار للحضارة الإسلامية، لأنّه من الحقّ القول أنّ كثيراً من أبنائنا يجهلون هذا تماماً، وقد سيطرت عليهم عقدة (الاستغراب)، بل إنّ كثيراً منهم من صرّح بعقم العقل العربي والإسلامي، وعدم قدرته على الإبداع في أيّ مجال من مجالات الحياة. وهؤلاء لا حصر لهم اليوم في الساحة العربية الإسلامية حيث ولدوا وتربّوا في المرحلة التالية، مرحلة الدورة التاريخية الجديدة، التي سوف نشير إلى أدبها. فإلى الحلقة الأخيرة من حلقات الصراع الحضاري في صورته الأدبية في العصر الحديث.

الأدب الأوربي والأدب العربي في العصر الحديث:
الحلبة الجديدة من الصراع، أو قضية التأثّر والتأثير بين أدب حضارتين متنافرتين، تتحدّد في المرحلة التي خرجت فيها أوربا من ظلماتها، بتأثير الحضارة الإسلامية كما مرّ، وانطلقت في الاكتشافات المختلفة في ميدان العلوم والجغرافية. ومع تكدّس رؤوس الأموال والرغبة في السيطرة على العالم، والعالم الإسلامي خاصّة، كان هناك الاقتطاع لأجزاء العالم الإسلامي تباعاً، من قبل الدول الأوربية القوّية كانجلترا وفرنسا خاصة. وقد رافق هذا حملات مسح فكري واجتماعي للمنطقة، قام بها التبشير والاستشراق والجواسيس والسياح ومختلف المؤسسات التابعة لوزارات المستعمرات المختلفة.
ومن طرف آخر، كان المسلمون في شبه غيبوبة، ينتظرون مصيرهم الذي ستدبّره الدول الأوربية. ومهما يكن، فقد تمّ اتصال غير طوعي بأوربا، اتصالٌ طرفاه غير متعادلين، وحدث التفاعل والتأثير في إطار هذه الحالة السياسية والنفسيّة، والتي ستكون لها نتائجها الخطيرة على مختلف الأصعدة. والحديث عن هذه المقدّمات والنتائج يحتاج إلى بسط وتفصيل، كنا قد اشرنا إلى بعض جوانبه في بحثين منفصلين(4). ونريد هنا أن نعرض للموضوع من زاوية التأثّر والتأثير، التي جعلناها إطاراً للبحث كله.
لقد انتقلت الدورة الحضارية إلى أوربا هذه المرّة، وأصبحت أوربا هي مصدر القرار والتأثير، وصار على العالم أن يتلقّى منها ويوجّه إليها الأنظار. ولننظر كيف أفادت أوربا من تجربتها السابقة حين كانت هي التي تتلقّى التأثير من الحضارة الإسلامية في الشرق. ولكن شتّان بين الصورتين، فبينما كانت أوربا تقبل طواعيّة على تلّقي علومها من الإسلام في الأندلس وصقلّية - كما مرّ - وتعجب بالحضارة الإسلامية وانجازاتها اختياراً، نجد أوربا تفرض حضارتها فرضاً على أصقاع العالم وتقوم بعمليات إبادة للأجناس البشرية في أمريكا وآسيا وأفريقيا، ولقد أصاب المسلمين القسط الأكبر من حملات الإبادة هذه، ولكل قطر قصةٌ دامية، فلم يقبل قطر واحد من هذه الأقطار، إلاّ تحت وطأة المدافع أو الطائرات أو البوارج البحرية. ويطول الحديث عن هذا أيضاً...
مهما يكن فقد تمّ الاتصال بأوربا بعد بسط قوّتها على المسلمين، وبعد توجيهها لدفّة السياسة والثقافة في العالم الإسلامي بطرق مباشرة، وغير مباشرة أحياناً، ومن المعلوم أنّ وسائل هذا الاتصال تمّت عبر طرق مختلفة، والذي يهمّنا منها هو وسائل الاتصال الأدبي، مثل البعوث العلمية إلى أوربا، والمدارس الأوربية التي أُنشئت في العالم الإسلامي، والمجامع العلمية والأدبية، والجامعات والمكتبات، وحركة الترجمة والتأليف، ونشاطات الاستشراق، وغيرها من وسائل الاتصال الأدبي والثقافي التي يشرف عليها الاستعمار، حتى في الحكومات العربية الإسلامية التي لم يحكمها حكماً مباشراً.
والذي يُلاحظ، أنّ اقتفاء الأثر الأوربي - بعد مراحل التدجين - قد شمل مظاهر الحياة كلّها، من سياسة واجتماع، وحكومات برلمانية، وحتى حركات وطنية، ومن أخلاق وعادات، ومن صور التعبير الأدبي والفني أي أنّ التأثير قد تجاوز إطاره المادّي والعلمي إلى الإطار الفكري والروحي أيضاً كما لاحظ ذلك الأستاذ العقاد(5).
فإذا كانت أوربا تفصل الدين عن السياسة، فلا بدّ للعالم الإسلامي أن يبعد الدين عن السياسة كذلك. وإذا كان السيد المسيح (ع) لم يكوّن دولة، فالنبيّ محمد (ص) ما كان يخطط لبناء دولة، وإنّما تمّ ما تمّ من إنشاء دولة إسلامية، عن طريق المصادفة!!. وإذا كان الأوربيون يتعاملون بطرق معيّنة، ويصطنَعون أساليب معيّنة في الحديث، والمطعم والملبس، واللهو، فلا بدّ للمسلمين أن يحذوا حذوهم تماماً. وإذا كان للأوربيين طرق تعبيرهم الخاصّة في الفكر والفلسفة والأدب، فلا بدّ للمسلمين أن يصطنعوا هذه الطرق والأساليب والمناهج تماماً، حتى يمكن أن يصلوا للرقي الذي وصلت إليه أوربا!!
وفي هذا الإطار، تمّت حمّى السير وراء النموذج الأوربي، بعيداً عن أيّ توجيه أو مراقبة أو عقلانية، اللهمّ إلاّ توجيه ومراقبة السلطات الثقافية الاستعمارية ومؤسساتها. وفي هذا الإطار، يمكن أن نرقب نزوع أدبائنا إلى تقليد الأدب الأوربي واستجلاب نماذجه وطبع حياتنا الثقافية والأدبية به.
ففي ميدان القصّة انطلقنا وكأننا انطلقنا من الصفر، ولم نلتفت حتى إلى تراثنا القصصي، الذي هدى أوربا إلى النسج على منواله وتقليده في بداية نهضتها - كما لاحظنا - لقد تكوّنت في نفوسنا عقدة وكراهيّة لكل ما هو تاريخي أو (محلّي). ولقد بسط الدكتور «عبد المحسن طه بدر» ـ في مواضع متعدّدة من كتابه «تطوّر الرواية العربية الحديثة في مصر» ـ، بسط الحديث عن الحالات النفسيّة التي سيطرت على كتّاب القصّة العرب وعلى الرّواد خاصة، من حيث انبهارهم بالحضارة الأوربية، وإسلاسهم القياد لها، وحساسيتهم ضد المكوّنات الثقافية التاريخية والاجتماعية لأمّتهم(6). وتلا ذلك صدور آثار قصصية كثيرة جداً، تنحو في شكلها ومضمونها منحى القصة الأوربية، وتسير في الإطار الحضاري للحياة الأوربية، فسلوك الشخصيّات، وقيم الصراع وموضوعاته، وأهداف هذا الصراع، كلّها تتمّ وفق التصوّر الغربي المادي وحتى المسيحي للحياة. يستوي في هذا كتّاب المذاهب والاتجاهات الأدبية القصصية كلّها، كتّاب القصّة الواقعية أو الرومانسية أو الرمزية... يستوي في ذلك نجيب محفوظ ومصطفى السباعي وإحسان عبد القدوس في مصر، والطيب صالح والطاهر وطّار وسهيل إدريس في البلدان العربية الأخرى.
والأمر نفسه تمّ في مجال المسرح، بل تمّ ما هو أخطر منه، لأنّ هذا الفن فن أوربي في تفصيلاته جميعها، فالأولى أن يكون النموذج الأوربي الفنيّ والفكري هو الذي يملي على المسرح العربي شكله وحركته وهمومه، وهذا الذي تم في أغلب الأحوال.
أما في ميدان الشعر، ديوان العرب كما يقال، وموروثهم العريق، فلم تسلم لهم الريادة فيه أيضاً!! فما كان ينبغي أن يبقى مجال واحد من مجالات النشاط الفكري والأدبي، دون أن يُطبع بجواز المرور الأوربي حتى يكون لائقاً للذوق العام العصري كما يقال!
فبعد المرحلة التي كانت نفحة أصيلة حقّاً، وهي المرحلة التي التفتت إلى غنى ميراثنا من الشعر، وتأنّت في إدخال عناصر التجديد فيه بوحي من الأصول الفنية العريقة، وهي المرحلة التي سمّيت بالمرحلة الإحيائية، ثمّ الإحيائية الجديدة، بعد هذه المرحلة وبعد الحرب العالمية الأولى خاصّة، كان تيّار الثقافة الفرنسية والانجليزية عارماً وطاغياً، لم تقف أمامه تقاليد فن، أو تقاليد أخلاق، ولا حتّى تقاليد (وجود) بشري مستقل عن تلك الثقافة... فكانت حركة «الديوان» التي لا يخفي أصحابها توجّههم شطر النموذج الرومانسي الانجليزي في الشعر والنقد، ولا تختلف مدرسة «أبولو» في شيء عن مدرسة «الديوان» من حيث استمدادها من النموذج الأوربي وتأثّرها، إلاّ في درجة هذا التأثّر وحدّته.
وبعد الحرب العالمية الثانية يهبّ الإعصار الأقوى، إعصار (الثورة)، (التمرّد) على أصول الفن، والسير نحو ابتداع أصول جديدة، ثم الثورة على هذه الأصول الجديدة، ثم الدعوة إلى أن تكون القاعدة الذهبية هي أن لا قاعدة، كما كانت تقول أستاذتنا نازك الملائكة، في مرحلة شبابها وحماسها المفرط للنماذج التجديدية(7).
ولا ينبغي أن يفهم أننا نرفض كل هذه التيّارات وندعو إلى إغلاق المنافذ أمام رياحها، ولكنّ الذي نريد الإشارة إليه، هو أنّ أيّ توجّه نحو التجديد في مجال الفكر والأدب والثقافة، ينبغي أن يأخذ بنظر الاعتبار نوعاً من الموازنات بين مكّونات الشخصية الحضارية المقتبسة، ومكوّنات الشخصية الحضارية المقتبس منها، وأن يتمّ التفاعل في ضوء هذه الخصوصية، وفي إطار من التأمّل والاختيار. أمّا الذي حدث عندنا فهو غيبوبة هذا التأمّل، وغياب عنصر تلك الموازنات، والانطلاق فقط من منطلق الانبهار والتلمذة والقزمية، وليست بعيدة عن ذهنك صيحات الدكتور طه حسين في (مستقبل الثقافة بمصر) والتي تدعونا أن نكون أوربيين! أوربيين بدمنا ولحمنا وأمراضنا ووجوهنا ولهونا وعلومنا، وإلاّ فلن يكتب لنا أيّ تقدّم، ولن يُرجى لنا أيّ علاج!!
وهذا حديث طويل أيضاً... والحق أنّه كُتب عنه الكثير، ولكن من البيّن أنّ الذي كتب عنه كان في إطاره التغريبي أيضاً، بمعنى أنّه في الإطار الذي يصبّ في الدعوة إلى الاقتداء بالنموذج الأوربي، واعتبار أولئك الذين دعونا إلى تقليد الأوربيين من أصوات صادرة من الحنجرة الطبيعية والتي كشفت الزيف وفسّرت ظروفه ودواعيه، ولكنها أصوات ما زالت إلى الآن توسّع من مدى ذبذباتها، وتبحث عن الوسائل القوّية والمؤثّرة في الأجيال التي تحتاج إلى أكثر من هزة، وأكثر من صرخة لتعود إلى كامل وعيها.
إنّ ظاهرة التأثّر والتأثير بين الحضارات وفي مجالات الفكر والأدب خاصة، ظاهرة مطّردة في مراحل التاريخ المختلفة، ولكنّ دوافعها وصورها وأطرها النفسية مختلفة في بعض الأحيان. والذي لوحظ في مجال هذه الظاهرة على هذه المرحلة من العلاقة بين حضارة أوربا وأدب أوربا، وبين حضارة المسلمين وأدبهم أنّه تمّ في غياب الأطر الإنسانية وفي غياب احترام الطرف الأوربي للطرف الإنساني الآخر، وأنّ الذي تمّ كان تحت شعار تحضير الشعوب البدائية، وتسويغ كلّ الأساليب التدميرية من أجل هذا التحضير; لأنّ هذه الشعوب يجب أن تُؤخذ إلى جادّة الحضارة، ولا بدّ أن تُفرض عليها الوصاية والحماية حتى تصل إلى مرحلة رشدها ونضوجها، وخلال تلك المرحلة لا بدّ من تعليمها أصول الحضارة وجزئياتها من ثقافة وآداب. وفي هذا الإطار سُمح لنا أن نتعامل مع الأدب الأوربي والثقافة الأوربية، وأن نأخذ منهما وان ننسج على منوالهما.
هذه ملاحظة مهمّة جداً، ولا يجب أن تغيب عن أذهان الباحثين الجادّين ولكن ينبغي الإشارة إلى أنّه على الرغم من الإطار الذي رسمه الاستعمار لتحرّكنا، فقد وُظّفت بعض الجهود إلى الخروج من هذا الإطار وإنتاج أدب يتمرّد عليه، أدب يمتد بنظره إلى التاريخ وإلى الأصول الحضارية لأمة الإسلام، وفي الوقت نفسه يفيد من انجازات الحضارة المعاصرة، في وجهها غير العدواني اللاإنساني، في وجهها المشاع والمشترك بين الحضارات.
وغير بعيد أن تتوّج هذه الجهود بتأسيس قواعد حضارية في التعامل مع منتجات الأفكار الحضارية الأجنبية، وقواعد للإبداع الأدبي المتفرّد، وغير بعيد أن تدور دورة التاريخ، ليس بطريقة أسطورية، ولكن بجهد وحركة أفكار، أن تدور هذه الدورة إلى الشرق وإلى ديار الإسلام خاصّة; لتكون القدوة لأمم العالم كما كانت بالأمس. وإنّ من الخير أن نعلم جميعاً، أنّ هذه الحضارة الأوربية التي تبسط سلطانها اليوم على العالم، لا يمكن أن تلوي ذراعها وتصارعها وتهزمها إلاّ حضارة لها من القيم والأصول ما تتفوّق به على الحضارة الأوربية نفسها. ولا يمكن التغلّب على الحضارة الأوربية العدوانية بتقليدها والتلمذة على منهجها أبداً، فسيكون الوليد مشوّهاً، ولن تكون حضارة حينئذ، بل ستكون (مشية غربان)!!.
فالحضارة لا تهزمها إلاّ حضارة!! بكل ما للحضارة الجديدة من تباين واختلاف وشخصيّة تميّزها عن الحضارة السابقة..
هذا هو المدرك، واللا مدرك في آن!!

الهوامش:
(١) تراث الإسلام، ص ٣٦١، (مصدر سابق).
(2) فلسفة الاستشراق وأثرها في الأدب العربي المعاصر، ص ٥٧٨، (مصدر سابق).
(3) ينظر بحثه «إنتاج المستشرقين وأثره في الفكر الإسلامي»، كرّاس نشره مسجد الطلبة بجامعة الجزائر، يوجد جانب منه في «مجلّة المنهل»، العدد ٤١٧، ص ١٨٧.
(4) الصراع الحضاري والأدب، (الأدب والتبعيّة الفكريّة) و(ذهان الحداثة)، ص ١٠، ص ١٨، مخطوط للكاتب.
(5) أثر العرب في الحضارة الأوربية، ص ١٧٦ (مصدر سابق).
(6) الدكتور عبد المحسن طه بدر، تطوّر الرواية العربية الحديثة في مصر، الصفحات ١٤١، ٣١١، ٣٨٩ وغيرها، دار المعارف، ط ٤.
(7) نازك الملائكة، ديوان شظايا ورماد، المقدمة.

المصدر: مجلة التوحيد، العدد 70 .
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com