موقع الصراط ... الموضوع : في رحاب خليل الرحمن إبراهيم-12
 
الجمعة - 10 / جمادي الثاني / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  في رحاب خليل الرحمن إبراهيم-12  
   
  كتب بتاريخ : الأربعاء - 9 / ذي القعدة / 1433 هـ
     
  الكاتب: الشيخ جميل الربيعي
3 – محنة الذبيح ((الْبَلاءُ الْمُبِينُ))
((وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إبراهيم * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ)) (الصافات:99-106)
بعد أن تجاوز الخليل (ع) محنة الحرق في النار وخرج منها منتصرا مرفوع الرأس. أعلن هجرته إلى الله تعالى قائلاً: ((وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ)) (الصافات:99) إلى هذا الحين كان إبراهيم (ع) وحيداً لا عقب له من نسله. وقد تجاوز السبعين من العمر، وكأنه أحس بحاجة إلى من يعينه على أداء مهمته الكبرى ليواصل مسيرته من بعده، حينئذ رفع يديه إلى الله بضراعة تامة وتجرد خالص ((رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ)) (الصافات:100) فاستجاب له رب العزة وبشره بغلام حليم، ويأتي إسماعيل إلى الدنيا أنيسا تقر به عيون والديه مع ضمانة السماء بصلاحه وحلمه وإيمانه... ولا تطول السنين حتى أصبح إسماعيل (ع) عوناً لأبيه في حمل هموم الرسالة وأداء تبليغها وتنفيذ مهماتها... ويشرع إبراهيم وإسماعيل بناء أول بيت لله في الأرض لينطلق منه نور التوحيد، وبينما هما يعيشان لذة الأنس بطاعة الرب حين يعين الولد الحليم الصالح والده الشيخ الكبير في رفع قواعد البيت يأتي البلاء المبين، والامتحان العسير والاختبار الشديد وهو أمر من الله تعالى لا يقبل التراجع والتردد أو التهاون وأي أمر هو؟ أنه الذبح!! وأي ذبح هو؟ ليس ذبح عدو، أو ولد عاق أو متمرد. إنه ذبح الوالد الشفيق لولده البار اللطيف هبة السماء وبشارة الرب، وأمل المستقبل، ويعرض الوالد العظيم الأمر على ولده بكل هدوء، ورضا، واطمئنان ووداعة، وحب، ((يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى)) (الصافات:102)
حقاً إنه لأمر رهيب، مريع يهز شغاف القلب، بل ويقطع نياطه. إنه الذبح! وأي ذبح؟ ذبح فلذة الكبد... إنه لأمر لا يمكن تصويره بكلمات إلا كلمات الرب الرحيم، طلب يهز المشاعر، ويخلع القلوب... فقد يتحمل الإنسان أن ينظر إلى ولده يقتل أمامه فيصبر، وقد ويصبر وهو يرسله إلى ميدان الموت الزؤام. وقد يصبر وهو يرى ولده يموت أمام عينيه، أما أن يمارس الذبح لولده باختياره، وبرضاه، وبطاعة واطمئنان فهذا ما لم يمكن نصوره بسهولة. ولا يمكن تصور إنسان يرضى لنفسه الذبح باختياره وبلا جزع وبرضا كامل ويقول لوالده: ((يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ)) (الصافات:102) أنه لأمر عسير إلا إذا عرفنا حقيقة طاعة الأنبياء وتسليمهم لأمر الله بلا اعتراض ولا تسأل ولا جزع.
والأمر المثير للعجب أن الوحي الإلهي حين يأتي لإبراهيم (ع) بهذا الأمر الشاق العسير يتلقاه إبراهيم (ع) بالرضا والقبول، والاستسلام الكامل تلبية لأمر الله (لكنه لا يلبي في انزعاج، ولا يستسلم في جزع، ولا يطيع في اضطراب.كلا إنما هو القبول والرضا والطمأنينة والهدوء، يبدوا ذلك في كلماته لابنه وهو يعرض عليه الأمر الهائل في هدوء واطمئنان عجيب)
والأعجب من ذلك استسلام الولد للأمر من دون مناقشة ولا اعتراض، وإنما تسليم مطلق بدون لماذا؟ وكيف؟ ومتى؟ وأين، فيقول وبكل هدوء، ورضا واطمئنان، وبرودة أعصاب: ((يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ)) (الصافات:102) فما دام إلا مر أمر الله فلابد أن تفعل ولو كان فيه قطع رقبتي وسفك دمي! ويقدم الوالد بكل تصميم، ومضاء، وعزيمة، وصبر، ورضا،واطمئنان على تنفيذ الأمر، ويستسلم الولد، ويهوي به أباه إلى الأرض، ويضجعه، ويحرك السكين على رقبته؛ ليفري أوداجه. وتتدخل يد السماء فتوقف حركتها، وتضج ملائكة الرحمن، ويرتفع النداء من الرب الرحيم ((يَا إبراهيم قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا)) فجزيناك بطاعتك، وصبرك، وتسليمك لأمر الله ضاغطاً على كل عواطف الأبوة مقدما أمر الله تعالى على كل شيء فاستحققت بذلك جزاء المحسنين حقاً. إنه لأمر مريع مرهب وعبء، إنه البلاء المبين ولكن مهما بلغ البلاء فلابد أن تأتي ساعة الفرج ويأتي اليسر بعد العسر، والفرج بعد الكرب.
حكمة الأمر بذبح إسماعيل (ع): إن سنن الله تعالى في تغيير المجتمعات البشرية لا تجري بشكل إعجازي فوري وإنما لابد أن تسبقها إرهاصات، وأحداث، وإبتلائات، وتضحيات كبيرة. وهذا الأمر جار في كل حقب التاريخ... وابتلاء إبراهيم وإسماعيل (ع) بهذا الامتحان العسير لم يكن لأجل استخبار حالة إبراهيم وصبره، فالله تعالى عالم بعبده، ولا لأجل تعذيبه والعياذ بالله تعالى، وإنما هو سنة من سنن الله تعالى. ونحن لا نعرف من الأسرار الإلهية إلا مقدار ضئيلا لكثافة الحجب المضروبة على قلوبنا، ولكن قد يكون هناك اشراقات وإضاءات تكشف بعض تلك الحكم... ولا شك أن أبا الأنبياء (ع) جاء ليغير أمة، ويعيد مسار الفطرة إلى خط التوحيد بعد أن ينفض عنها غبار الغفلة والنسيان، ومجتمع إبراهيم كان طافحا بعادات وتقاليد وعبادات منحرفة عن الحق والصواب ومن ذلك ما كان سائدا في المجتمعات الشرقية القديمة نظام الضحايا البشرية التي تقدم على مذابح الآلهة وعند دفن الملوك حيث كان معروف تقديم الضحايا عند المصريين والكنعانيين والفينيقيين. فقد كانت التضحية بالطفل البكر عرفاً جارياً لدى الكنعانيين في العصر الفينيقي، وقد احتفظ الفينيقيون بهذه العادة إلى عصور قريبة حتى روى "فيلون" أن من عادات القوم في حالات الأخطار العامة أن يضحوا بأعز أبنائهم لإبعاد الكوارث عن أنفسهم، وطبقا لرواية التوارة فإن المؤابيين إنما كانوا يفعلون ذلك، وقد ضحى ملك مؤاب ميشع بابنه البكر لآلهة الشمس؛ لتنقذه من قوات إسرائيل ويهوذا التي أحاطت به.
هذا وقد تبين من مخلفات المدافن من أم الثأر في أبو ظبي أنها تضم العديد من الهياكل المتكدسة في المدفن المشترك، ويدل وجود الهياكل العظيمة خارج الجدران الخارجية على ظاهرة التضحية البشرية التي تواكب مراسم الدفن. حيث توضع جنب الأشخاص الذين يضحى بهم خارج المبنى الذي يضم جثة المتوفى وهنا يبدو لي- تظهر ضريبة الذبيح لإسماعيل (ع) في التاريخ الإنساني- إذا كتب عليه ضريبة الفداء، وهي في مفترق الطرق بين الهمجية التي كانت لا تتورع عن الذبائح البشرية، وبين الإنسانية المهذبة التي لا تأبي الفداء بالحياة، ولكنها تتورع عن ذبح الإنسان، ولما كان الأنبياء هم الأُسوة الحسنة التي يحتذي حذوها كافة الناس وخاصتهم فإن الله جلت قدرته أراد أن يجعل من خليله قدوة حسنة ومثلا أعلى لأرفع صور الإيمان وأجلها في تاريخ الإنسانية في الوقت ذاته فإن الله جل وعلا أعطى الإنسانية نفسها مثلا حيا في إبراهيم وابنه إسماعيل (ع) تمهيداً لمنع هذه العادة البربرية فيأمره بذبح ولده، ثم يفتدي بكبش عظيم، ومن هنا كان ارتباط التضحية البشرية التي كانت تحارب في بعض مجتمعات الشرق الأدنى القديم، والحث على استبدال ذلك التقليد بالتضحية الحيوانية.
إذن ليس من البعيد أن هذه المحنة العسيرة التي خرج منها خليل الرحمن بنجاح فائق وجسد بذلك أروع صور الإيمان كانت تهدف إلى تغيير حالات وعادات استحكمت ولابد لها من عمل جبار يغير، ولعل هذه القضية (رمز إلى الانتقال من شدة الأديان الأخرى في قرابينها إلى سماحة دين الله الحنيف في القربان بالحيوان دون الآدمي؛ ولذا قال الله تعالى: ((وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إبراهيم * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ)) (الصافات:104-106)
يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com