موقع الصراط ... الموضوع : التخطيط السياسي في السيرة النبوية
 
الأربعاء - 17 / جمادي الأول / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  التخطيط السياسي في السيرة النبوية  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 10 / ذي القعدة / 1433 هـ
     
  بقلم: الشيخ محمد مهدي الآصفي
Asefe هناك حقيقة في تاريخ هذا الدين وظهوره يجب أن نضعها موضع دراسة واهتمام قلما تناولها الباحثون والمؤلفون في السيرة النبوية بالدراسة والبحث وذلك هو التخطيط السياسي في حياة النبي (ص) وسلوكه (ص) في مكة بعد البعثة وفي المدينة المنورة، بعد ما انتقلت الرسالة الإسلامية إليها، وتحولت إلى قاعدة حصينة لهذا الدين ومنطلقاً لدعوته، فإن سلوك النبي (ص) في مكة وفي المدينة المنورة ينم عن تخطيط سياسي دقيق يستهدف القضاء على السلطة الحاكمة والاستيلاء على الحكم، فيما يستهدف من عملية تغيير للحياة الجاهلية بكل أبعادها وأجزائها.

سِرّيّة العمل:
وقد تضمن هذا التخطيط مرحلتين من العمل السياسي التغييري تفصل بينهما الهجرة.
ففي المرحلة الأولى، حيث تبدأ الرسالة ممارسة مسؤولياتها التغييرية في مكة، بدأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإعداد الطلائع المؤمنة لتحمل هذه المسؤولية والقيام بها في سرّيةٍ وخفاء، فلم يعلن النبي صلى الله عليه وآله وسلم الرسالة إعلاناً، وإنما كان يتكتم بها، ولم يمارس عمله إلا في كتمان وحذر شديدين حرصا على الرسالة التي لم تترسخ بعد في المجتمع الجاهلي، ولم تقطع بعد شوطاً من الطريق الطويل أن تتعرض لأذى المشركين ومعارضتهم التي كان يقدر صاحب الرسالة أن تكون قوية وشديدة، وتحمل كل أحقاد الجاهلية وأضغانها.
فلم تكن الدعوة في هذه المرحلة من وجودها تتحمل معارضة قوية، كتلك المعارضة التي أعلنتها قريش في وجه الرسالة الجديدة بعد إعلانها، وكان من الحكمة أن يتحفظ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما أمكنه التحفظ من أن يعرض هذا الدين لضغط من جانب قريش أو حرب من جانب اليهود.
وتوفر لهذا الدين ـ خلال فترة سرية العمل ـ العدد الكافي من الطلائع التي تحمل مسؤولية هذه الرسالة بجدارة وقوة، وفي إيمان وإخلاص كبيرين، وكان محل اجتماع هذه الطليعة بقائدها خلال هذه الفترة في الغالب، دار أرقم بن أبي الأرقم، الذي جعل من بيته مهداً لالتقاء النبي القائد صلى الله عليه وآله وسلم بطلائعه المؤمنين به، وفي هذه الدار كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوجه أصحابه ويخطط لهم العمل، ويوزع عليهم المسؤوليات في حدود ما تقتضيه المرحلة من عمل، ثم ينتشرون في مكة قاعدة الدعوة الأولى ليمارسوا مهامهم ومسؤولياتهم.

إعلان الدّعوة:
وإذ وجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم العدد الكافي الذي يضطلع بهذه المهمة، ويحمي الرسالة ويدافع عنها، بإعلان الدعوة في مكة بالتدريج، وبدأ بتسفيه قريش فيما يعملون من عبادة الأصنام وفي أعرافهم وتقاليدهم.
وقد أثار ذلك موجة من النقد العنيف في وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، وعرضهم لأذى قريش وتعذيبها، وكانت قريش قد لمحت في هذا الوقت خطر هذه الرسالة على كيانها ووجودها، مما دعاها إلى أن تقف بكل قوة في وجه الرسالة الجديدة للقضاء عليها قبل أن تترسخ في مجتمع مكة.

سياسة اللاّعنف:
ولم يكن من الحكمة في هذه المرحلة أن يرد النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأذى بالمثل والقوة بالقوة. والعنف بالعنف، فقد كانت الرسالة لا تزال تقطع بدايات الطريق، ورغم أنها كانت قد قطعت شوط السرية في العمل، فإنها لم تكن تقوى على مواجهة العنف بالعنف، وتصعيد المواجهة والحرب مع قريش.
ولم يجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بدّا من أن يردهم باللين ويتغاضى عما يصيبه من الأذى، ويأمر أصحابه بالصبر واللين والتغاضي.
وكانت هذه السياسة ـ سياسة اللاّعنف في مواجهة العنف الذي كان تستعمله قريش ـ تؤذي قريش وتربكها أكثر من أي شيء آخر، وتقطع عليها سبيل العنف والمقاومة المسلحة.
ورغم كل ذلك، فقد كانت قريش تصعد المقاومة، وتعرض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم للتعذيب والأذى أكثر من ذي قبل.
وقد بلغت هذه المواجهة قمتها في مقاطعة قريش للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه فترة طويلة من الزمن، تحمل المسلمون خلالها كثيراً من الأذى والعنت.

التّخطيط لإعداد قاعدة جديدة:
وكل ذلك دعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يخطط لإعداد قاعدة جديدة للدعوة، حتى إذا ما اشتدت الأزمة، وتعرضت الرسالة لخطر جدي، ينتقل إليها ويجعلها قاعدة لعمله ومنطلقاً للرسالة، فتوجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الطائف ليبشر فيها برسالته، وليجد فيها أنصاراً وأعواناً يهيئون المنطقة لتكون قاعدة الجديدة التي كانت تشغل تفكير النبي القائد صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الفترة.
وإذ لم يقدر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يجد في هذه المنطقة غايته وجه جمعاً من أصحابه إلى الحبشة، ليهيئوا هذه المنطقة، لتكون المنطلق الجديد للدعوة.
ولم تكن الغاية من هذه الهجرة أن يريح النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه من أذى قريش وتعذيبهم، كما يحسب المؤرخون لسيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقد بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم جمعاً من كبار أصحابه، وممن كانت تحميهم عشائر ومكانتهم في مكة من ملاحقة قريش وأذاها من أمثال جعفر بن أبي طالب وغيره، وأبقى في مكة آخرين من الضعفاء الذين لم تكن تحميهم عشيرة أو مكانة.
وقد أدركت قريش ما كان يريده النبي صلى الله عليه وآله وسلم من وراء هذه الهجرة، فبعثت إلى الحبشة نفراً منهم بهدايا يحملونها إلى ملك الحبشة لإحباط المهمة التي بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه من أجلها.
ولم يهدأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع ذلك فقد كانت فكرة الإنتقال بالدعوة إلى قاعدة جديدة تشغل تفكير النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقد وجد صلى الله عليه وآله وسلم أن مكة لا تصلح أن تكون القاعدة الحصينة التي تتطلبها الدعوة، ولابد لهذه الرسالة من قاعدة جديدة تتمتع بالحصانة الكافية، ولا تجد قريش إليها سبيلاً.
فمكة قد شعرت بالخطر بوضوح، وهي على وشك أن تنقض على الدعوة بكل قواها وإمكاناتها.
والإسلام قد اتسعت رقعة نفوذه ووجد العدد الكافي من المؤمنين برسالته والرصيد الكافي لإقامة المجتمع الإسلامي الذي كان يخطط له النبي صلى الله عليه وآله وسلم ضمن هذه المرحلة في صبر وحكمة، وإذا كانت مكة لا تصلح أن تكون القاعدة المطلوبة، فلابد من التفكير في قاعدة جديدة ينتقل إليها القائد برسالته وعمله وأنصاره، فأخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعرض نفسه للحجاج الذين يأتون لحج بيت الله الحرام في موسم الحج من كل سنة، ويعرض عليهم الرسالة بمفاهيمها وأفكارها الجديدة، ويدعوهم إلى الإيمان بها.
ولم يكن الغرض من هذه المحاولة فقط أن يكسب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنصاراً جدداً للرسالة، وإنما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبتغي أيضاً من وراء هذه المحاولة أن يجد القاعدة الجديدة التي كان يفكر بها خارج مكة.

الهجرة:
وقد قدر الله لرسوله بعد كل هذه المحاولات أن يجد في حجاج يثرب وفي يثرب غايته التي كان ينشدها. فانتقل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى يثرب برسالته وأصحابه بعد أن مهد لذلك، وفي يثرب أقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم المجتمع الإسلامي الذي يخطط له الإسلام ويحكمه، وهنا تبدأ المرحلة الثانية في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجهاده، وهي مرحلة تختلف كل الإختلاف عن المرحلة الأولى من حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعمله.
ففي هذه المرحلة تدخل الدعوة مرحلة استلام الحكم، ويستلم النبي صلى الله عليه وآله وسلم كقائد أول لهذه الدعوة زمام الحكم في المجتمع الجديد، بكل ما يرتبط بالحكم من شؤون القضاء والإدارة والسياسة والمال والاقتصاد والجيش، ويدخل المدينة حاكماً يقرّ له المجتمع بهذا الحق وينقاد له.
وكان هذا إعلاناً بانتهاء فترة وبدء مرحلة أخرى من العمل وإعلانا لطبيعة هذه الدعوة وأصالة الحاكمية فيها ورأيها في الحكم، وأنّ: (..وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أنْزَلَ اللهُ فأُوْلئِكَ هُمُ الكَافِرُون) وقد كان هذا المعنى واضحاً للمسلمين من المهاجرين والأنصار الذين أقاموا هذا المجتمع، فلم يستغرب أحد منهم أن يقيم النبي صلى الله عليه وآله وسلم دولة، وأن يتولى في هذا المجتمع شؤون الحكم والإدارة والسياسة والحرب.
وكان واضحاً لغير المسلمين أيضاً، فقد عرفوا من طبيعة هذه الرسالة أنها رسالة حاكمة، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا ما تحول إلى المدينة فسيدخلها حاكماً، ويستلم فيها زمام الحكم والإدارة والحرب والسلم والمال.

الموقف الجديد:
وقد تغير شيء كثير من موقف هذا الدين تجاه أعدائه ومناوئيه، فبينما كان الموقف في مكة يتسم بكثير من اللين والمرونة من جانب المسلمين، تحول الموقف في المدينة إلى موقف القوة ورد العنف بالعنف والإعتداء بمثله، وكان من الطبيعي جداً أن ينطوي التخطيط النبوي على هذا التفكيك في المرحلة من حيث موقف المسلمين إزاء أعدائهم ومناؤئيهم، فقد كان المسلمون في مكة ضعفاء ولا يقوون على مواجهة الإعتداء بمثله، وأيّ عنف في المواجهة من جانب المسلمين كان يؤدي إلى احتدام الصراع بين الرسالة الجديدة والجاهلية الحاقدة، وإلى القضاء على الطليعة المؤمنة التي كانت تحمل مسؤولية الرسالة في هذه المرحلة من حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وحينما تحول المسلمون إلى المدينة، تغير الوضع وأصبح المسلمون يشكلون قوة في الجزيرة العربية، إذن فلابد أن يتغير الموقف من لين إلى عنف، ومن ضعف إلى قوة، ولابد أن يتكيف المسلمون بالوضعية الجديدة التي تتطلبها المرحلة.
فليس من رسالة الإسلام في شيء إستعمال العنف في الوصول إلى غاياته وأهدافه، بل الإقناع هو الأداة المفضلة لهذه الرسالة في تحقيق الشخصية الإسلامية والمجتمع الإسلامي، إلا أنه إذا قدر لهذا الدين أن يصطدم بعقبة من العقبات التي تضعها الجاهلية في طريق هذه الرسالة وبمشكلة من المشاكل التي تسببها الجاهلية لهذا الدين، فإن الدعوة لا تتردد في إزاحة هذه العقبة عن طريقها وتذليل هذه المشكلة بكل ما لديها من قوة، وبكل ما تملك من عنف، فقد كانت الجاهلية تريد أن تزاحم كلمة الله وحكمه وسلطانه في المجتمع، وتتحكم في مصير المجتمع وعلاقاته، وتأخذ بيدها زمام المبادرة في ذلك كله.
وأيّ لين أو مرونة في مواجهة العدو في هذه المرحلة يؤدي من دون ريب إلى فسح المجال له بمصادرة الغايات والأهداف التي يتوخاها هذا الدين في تحكيم كلمة الله وتحكيم شريعته ودينه على وجه الأرض. ولذلك فقد كان الإسلام في هذه المرحلة جدياً في مواجهة المشركين واليهود، وفي تفويت الفرص عليهم، وفي تصفية قواعدهم. فقد كانت مسألة الحكم صراعاً بين الإسلام الجاهلية، وكان لابُدّ في هذا الصراع من شيء كثير من القوة ومن الجدية ومن العف أيضاً حينما كان الأمر يتطلب العنف والجد.

التّخطيط العسكري:
وقد كانت الحروب التي خاضها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مواجهة قريش واليهود والقبائل العربية الموالية لهما في الجزيرة، آية في التخطيط العسكري، وقمة في القيادة والتخطيط، مما يدل على أن مسألة القيادة والحكم والتخطيط والإدارة، مسائل جوهرية في هذا الدين، وأن القيادة والحكم جزءان أصيلان من منهج هذا الدين.
فقد بدأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطط للإستيلاء على الجزيرة، وتحكيم شريعة الله فيها منذ أن دخل المدينة، وكانت قريش تشكل عقبة كبيرة في سبيل تحقيق هذه الغاية، كما كان اليهود يشكلون العقبة الثانية، وكان يلتف حول قريش بعض القبائل المحالفة لها.
فبدأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالعمل على تصفية قواعد العدو، وكانت مكة من أقوى هذه القواعد التي كانت تصمد في وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

الحصار الإقتصادي:
وللقضاء على صمود مكة وقوتها، بادر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتهديد الطرق التجارية التي كانت تربط مكة بالشام، والتي كانت تقع على ساحل البحر الأحمر. وقد كان هذا الطريق هو العصب الذي يمد بمكة بكل ما تريده من متطلبات الحياة في ذلك الوقت، ومن سلاح وعتاد وتجارة، وقد كانت تجارة قريش تعتبر مورداً مادياً ومعنوياً لها في أوساط الحجاز، فقد كانت القبائل العربية المحيطة بمكة تقصد مكة بما لديها من مال ومحصولات زراعية ومواشي لتشتري من مكة ما تحتاجه من سلاح وبضائع مستوردة من الشام.
وحين خطط النبي صلى الله عليه وآله وسلم لتهديد هذا الطريق وتهديد تجارة قريش، كان يعلم أنه قد وجه بذلك ضربة قوية لشخصية قريش من الناحية المادية والمعنوية، وفعلاً نفذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا التخطيط في حرب بدر، ونجح المخطط في تهديد تجارة قريش.
ولئن عادت قريش في عام مقبل لإستعادة مكانتها وإعادة الأمن إلى تجارتها، وأصيب المسلمون ببعض الخسارة في هذه الجرب (حرب أحد) فإن الطريق لم يعد لقريش، ولم تسلم قريش على تجارتها، وتحطمت قريش إقتصادياً ومعنوياً، حيث انقطعت عنها البضائع التي كانت تأتي بها تجارتها من الشام، وفقدت أسواق مكة مركزيتها التجارية.
ولئن لم ينتبه المسلمون يومذاك إلى أهمية العمل الذي قام به النبي صلى الله عليه وآله وسلم من ناحية سياسية وعسكرية، وتأثيره الكبير في شل الحياة الاقتصادية لمكة، فقد عرفت أوربا بعد قرون أهمية هذا العمل في إحراج العدو وإرهاقه ومباشرة الضغط عليه اقتصادياً، وعرفت هذه العملية بعد ذلك بـ (الحصار الاقتصادي)، واستعملها نابليون ضد بريطانيا، كما استعملت مرات أخرى من قبل القادة العسكريين في الحروب.

تصفية قواعد المشركين واليهود:
وبعد أن تم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم إرهاق العدو وإذلاله، وبعد أن فشلت آخر محاولة للعدو في التجمع للقضاء على المعسكر الإسلامي في حرب (الأحزاب)، بدأ بضرب قاعدة العدو، وتصفية ما تبقى له من النفوذ في الجزيرة، وسقطت القاعدة أمام الزحف الإسلامي.
وصفح النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن كل جرائم قريش وعدوانها في كرم ونيل، واستمر الزحف على سائر مراكز تجمع العدو في أطراف الجزيرة، وانهارت هذه المراكز واحداً بعد آخر أمام الجيش الإسلامي الفاتح، واستسلمت الجزيرة للدين الجديد، وفرضت الدعوة سلطانها على أطراف الجزيرة.
تحصين القاعدة الإسلامية:
وفي خلال هذه الأعمال كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعمل لتحصين المدينة بتطهيرها من العناصر المخربة والمنافقين واليهود الذين كانوا يكيدون للإسلام وللمسلمين.
فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعمل في وقت واحد لضرب معاقل العدو وقواعده في الجزيرة، ولتحصين القاعدة الإسلامية في الجزيرة وتطهيرها من المنافقين واليهود، ويمارس خلال هذه المهمة، وتلك مسؤولياته الرسالية في الدعوة، وتربية الشخصية الإسلامية، وتكوين المجتمع الإسلامي، وترسيخ العقيدة الإسلامية في النفوس.
واستطاع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد هذا الشوط الطويل الذي قطعه في ثلاث وعشرين سنة بعد البعثة من إخضاع الجزيرة كلها لشريعة الله، والاستيلاء فيها على زمام الحكم وإدارة المجتمع بما في ذلك من شؤون الإدارة والمال والجيش والقضاء، وانقادت الجزيرة بكل أطرافها للدعوة، واستسلمت لها في انقياد، وانتظمت في مجتمع واحد يحكمه الإسلام.

هذا إجمال من تفصيل عن الجانب القيادي من حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والتخطيط الذي امتد على مدى ربع قرن من حياته صلى الله عليه وآله وسلم. والذي يدرس السيرة النبوية والأعمال التي قام بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإمعان ودقة في مكة وفي المدينة، يجد إنها كانت تنتظم جميعاً في مخطط واحد، وينتهي هذا المخطط إلى استسلام الحكم في الجزيرة، وتحكيم شريعة الله فيها، وإشاعة الدعوة الإسلامية وترسيخها في نفوس الناس.
ويرى إن مسألة الحكم كانت مسألة جوهرية في هذه الرسالة، وليست مسألة مؤقتة أو أمراً هامشياً في هذا الدين.
وإن هذا الدين لا تنتهي رسالته عند دعوة الناس وإبلاغهم شريعة الله وأحكامه، وردعهم عن الخضوع للأوثان والعبادة لغير الله.
بل إن من صميم هذه الرسالة أن يتولى المنهج الإلهي الحكم في حياة الناس، وليس هذا الدين مجموعة من (الاقتراحات الطيبة) و(النصائح والمواعظ الدينية) التي تلقى على المنابر ويتلقاها الطيبون من الناس بالقبول، ويعرض على غيرهم من الناس في سلام وإنما هو منهج في التشريع ومشروع للتنفيذ، ومخطط للتحكيم ودعوة ودولة، وقوة وصلابة في تحقيق ذلك كله.

التآمر على هذا الدين: ولم يختلف هذا الوضوح إلا بعد جهد كبير بذله الاستعمار في تغيير ملامح هذا الدين لدى العامة من المسلمين، وتحويله إلى دين يشبه المسيحية (التي تؤمن بها أوربا وأمريكا) يقنع من الأرض بما تحيطه جدران الكنائس، ويقنع من الإسهام في الحياة الاجتماعية بما تتطلبه التقاليد الاجتماعية حين يموت أحد ويجرى تشييعه ودفنه.
وقد حاول الاستعمار أن يعطي نفس الطابع للإسلام في نظر المسلمين ويفقده أصالته وحيويته واهتمامه الكبير بمسائل الحياة وشؤونها، ويفصل الدين، الدولة وعن شؤون الحياة الأخرى.
ومنذ هذا التاريخ أخذ هذا الوضوح بالاختفاء وأخذ المسلمون في الغالب لا يعون من الدين إلا هذه الطقوس التي تجري أحياناً عن إيمان وإخلاص، وتجري أحياناً أخرى كعادات وتقاليد اجتماعية لا بد من الإتيان بها بصورة روتينية.
ولا يستعيد المسلمون، بعد حياتهم وشخصيتهم على وجه الأرض ولا يمكن أن تنطلق هذه الرسالة في تحقيق رسالة الله، إلا حينما يعي المسلمون حقيقة دينهم وواقع هذه الرسالة، وإلا حينما ينبثق من هذا الوعي قوة إسلامية على وجه الأرض وكيان اجتماعي ذو جذور وأبعاد رسالية وعقائدية.

المصدر: مجلة رسالة الإسلام، العدد الأول والثاني، السنة الخامسة
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com